القصد الاحتمالي والقصد المتعدي للجريمة المرتكبة

تتجلّى حرمة النفس الإنسانية في مقاصد الشريعة الإسلامية، التي حرّمت الاعتداء على حياة الإنسان وسخّرت جميع الوسائل للتأكيد على قدسيتها. وإنّ استهداف النفس بغير حقٍّ يعدّ من أشدّ الجرائم التي تنهض المجتمعات عن الأمن والاستقرار، فتأخذ الشرائع والأعراف حيالها أشكال الردع والعقاب لضمان حفظ النفس وسلامتها.

“ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضبٌ لله عليه ولعنةٌ، وأعدّ له عذاباً عظيماً.” (النساء: 93)
تشكّل الجريمة ظاهرةً اجتماعيةً تؤثّر في أمن المجتمعات واستقرارها، وقد بدأت منذ نشوء الخليقة بجريمة قتل قابيل لأخيه هابيل بسبب الغيرة والحقد والحسد. ومن هنا ندرك أنّ نفس الإنسان تجمع بين الخير والشر، وكيف يطغى جانبٌ على الآخر تبعاً لاختياراته وقراراته، وهو ما ينعكس على المجتمع المتحضّر الذي يحرص على الأمن والاستقرار وسلامة الأفراد. ولتحقيق ذلك، شرعت القوانين ونظمت سلوك الأفراد، فنصّت صراحةً على الأفعال المجرّمة، ووضعت لها العقوبات والتدابير القانونية المناسبة حسب جسامتها.

يُعرفُ الجُرْمُ بأنه “فعلٌ أو امتناعٌ عن فعلٍ يجرمه القانون ويستوجب عقوبةً أو تدبيراً جنائياً”. ولكل جريمةٍ جنائيةٍ ثلاثةُ أركانٍ رئيسيةٍ:

1. الركن القانوني: يقوم على وجود نصٍّ قانونيٍّ يجرّم الفعل أو الامتناع عن الفعل، فلا جريمةَ ولا عقوبةَ إلا بنصٍّ.

2. الركن المادي: يتمثّل في السلوك الفعليِّ المرتكب (كالقتل مثلاً) أو في الامتناع عن فعلٍ كان واجباً (كعدم تقديم المساعدة)، إضافةً إلى النتيجة التي تفرَّعت عنه.

3. الركن المعنوي: وهو القصد الجنائي، أي نية الجاني عند ارتكاب الفعل، سواء كان عمداً أو خطأً أو إهمالاً.

 في جريمةِ القتل، يتطلب القصدُ الجنائيُّ علمَ الجاني وإرادته تحقُّقَ النتيجة التي أرادها، وهي وفاةُ المجني عليه، ولا يكفي وجود دافعٍ آخر إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك. وينبثق عن القصد الجنائي (الركن المعنوي العام) نوعان: القصد الاحتمالي والقصد المتعدد، وسنُفصِّلُهما تالياً.

القصد الاحتمالي: حدث غيرُ مباشرٍ، يتكوّن من إرادةٍ مستمرةٍ وقبولٍ لمخاطرةِ نتيجةٍ محتملة. فإذا دخل الجانيُ بيتَ المجني عليه بقصد قتله، وتفاجأ بوجود شخصٍ آخرٍ، ثم قتله اعتبر ذلك من نتائج فعله الإجرامي المحتملة التي قبلها.

القصد الاحتمالي وحدود نطاقه والنتائج المترتبة عليه نجده واضحا عند الألمان الا أنه في قانون الجزاء الكويتي والفرنسي نجده قد اختلط مع القصد المتعدي وان تطلب القصد المباشر في القصد الاحتمالي وإذا انتفى القصد المباشر فأن الجاني يسأل عن جريمة غير عمدية.

أما القصد المتعدي أو المتجاوز القصد في القتل العمد يتحقق إذا استهدف الجاني من فعله تحقيق نتيجة معينة وهي قتل شخص، ولكن تجاوزت النتيجة حدود قصده الى فعل أشد جسامة بحيث قتل شخص آخر (خادم المجني عليه) والذي يظنه خارج المنزل.

يتحقق القصد المُتعدّي لدى الجاني حتى وإن امتنع عن الفعل المقصود، فإذا طرأ نتيجةٌ أخرى جراء امتناعه، تُسجَّل عليه جنائياً. فعلى سبيل المثال، قد يدخل شخصٌ منزلاً بنية قتل مالكه، ثم يتراجع عن الفعل لأي سببٍ كان – إرادياً أو قهرياً – ولكنه يقتل خادمه الذي شاهده أو اشتبك معه، فتكون هذه النتيجة غير مقصودة ولكنه قد توقع امكانية حدوثها. ومثالٌ آخر: إذا طعن الجاني شخصاً عمداً، وتم إسعافه من المارة بسيارة إسعاف تعرضت لحادثٍ مروري، وتوفي المجني عليه لاحقاً، تُنسب إليه وفاة الضحية لأنها نتيجة محتملة لأفعاله. وكذلك إذا امتنَع طبيبٌ عن علاج مريضٍ حالته حرجة، فأفضى امتناعه إلى وفاته، فإن نيته لم تكن قتل المريض، لكن قبولَه المخاطرة بموتٍ محتمل يُعدُّ قصداً احتماليّاً.

وفي تقويم المساءلة القانونية:

  • إذا نجا المجني عليه، تُحاسب الجريمة على أنها شروع في قتل.
  • وإن توفي، تُدرَج تحت جريمة القتل العمد.

يثير هذا الأمر تساؤلاتٍ حول طبيعة القصد: هل هو قصدٌ احتمالي؟ أم جريمة متعدية الأصل؟ والأمر يشتمل على ثلاثة عناصر رئيسة: وقوع الفعل العمدي، ونتيجة أشد جسامةً مما قصد الجاني، والعلاقة السببية بين الفعل والنتيجة الأشد.

وقد شهدت المحاكمُ تشدُّداً في تطبيق التشريعات الجزائية على القصد الاحتمالي وخلطه بالقصد المتعدي، حتى إن بعض الأحكام أوقعَت على الجاني عقوبات أشدَّ من تلك المقررة للقصد المباشر، لا سيما في الجرائم التي ترتبت عليها أعدادٌ كبيرة من الضحايا أو أضرارٌ جسيمة، مثل الحرائق وإغراق السفن والتفجيرات.

أولاً: القصد المتعدي

  • في القوانين العربية (الأردن، مصر، العراق): يُقرُّ مبدأ القصد المتعدي، ويُعاقَب الفعل والعواقب بحسب جسامتهما، مع إمكانية تخفيف العقوبة وفق نية الجاني أو ظروفه.
  • في القوانين الأنجلوسكسونية (أمريكا، بريطانيا): يُطبَّق مبدأ انتقال النية، فتُعاقَب النتائج الفعلية للجاني كما لو كانت مقصودة، ويُعَدُّ ذلك تشديداً للعقوبة.

ثانياً: القصد الاحتمالي

  • في بعض القوانين العربية: يُدرَج تحت عناوين مثل “النية المحتملة” أو “الإهمال الجسيم” أو “القتل الخطأ مع توقع النتيجة”.
  • في الأنظمة الأنجلوسكسونية: يُعتبر أحد درجات القصد الجنائي، ويُعاقَب وفقه.
  • في القانون الفرنسي (القانون اللاتيني): لا يذكر القصد الاحتمالي صراحةً في النص، لكنه يُستدل عليه ضمنياً عبر تفسير نية الجاني في ضوء علمه بخطورة الفعل؛ فإذا توفرت أدلة كافية، يَؤخذ بالقصد المباشر أو غير المباشر، ويُكيّف القاضي الواقعة كقتل عمدي، أما في غياب هذه الأدلة فيُسند إلى القتل غير العمد أو الإهمال الجسيم.

بهذا يظهر الفرق الواضح بين الأطر التشريعية في تناول القصد المتعدي والاحتمالي، مما ينعكس على سير العدالة وتوازن العقاب بما يتناسب مع جسامة الفعل ونتائجه.

‫9 تعليقات

  1. كل الشكر والتقدير على المقال المتميز والذي شرح بإيجاز القصد الاحتمالي والقصد المتعدي للجريمة على الصعيد المحلي والدولي بكل أبعاده مع طرح الامثلة ، مجهود رائع ومتميز .

  2. يعطيكم العافيه على هذا المقال الممتع حيث تم فيه الشرح الوافي لأركان الجريمه، و القصدين الاحتمالي و المعتدي.

    تحياتي

  3. طرح هذا الموضوع وشرحه يعكس فهمك للقانون ومستوى الفكر لديكم ودقة التفاصيل مع سرد الامثله يعزز الوعي القانوني لدى الجميع ،،

    شكرا على مجهودك د تهاني

اترك رداً على منال الزعابي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *