إضاءة قانونية

الاعتراف تحت المجهر: حدود المشروعية في الإثبات الجنائي

      لا شك أن الأخذ المطلق باعتراف المتهم كدليل لارتكابه الفعل المجرم لهو محض ظلم؛ والقاعدة المشهورة: “أن الاعتراف سيد الأدلة” لهو لغو، ومحل ظلم لمن اعترف على نفسه أيًا كانت الأسباب أو الدوافع، والأصل التحري والتحقيق في هذا الاعتراف، والبحث عن الحقيقة؛ فالاعتراف كدليل إثبات لا يمكن إجبار القاضي على الأخذ به وإن استوفى شروط الاعتراف، إلا أنه لا يعد حجة بذاته وإن كان له الحكم بموجبه، فهو يخضع لعقيدة القاضي، وهي مسألة موضوعية يقدر فيها القاضي صحة الاعتراف وقيمته وحجيته.

إذا ما تبينا ما هو الاعتراف؟ وما هو المعول الصحيح للأخذ به للحكم على الجاني بموجبه؟

فإن الاعتراف، هو: إقرار المتهم على نفسه بارتكابه الفعل المجرم المنسوب إليه كله أو بعضه.

وسنتطرق للقانون الكويتي والعماني والفرنسي على سبيل الأمثلة القانونية.

أولا: القانون الكويتي:

     نصت المادة (156) إجراءات جزائية من القانون الكويتي على: “إذا اعترف المتهم في أي وقت بأنه مذنب؛ فعلى المحكمة سماع أقواله تفصيلاً، وتناقشه فيها إنْ اطمأنتْ إلى أنَّ الاعتراف صحيح، ورأت أنه لا حاجة إلى أدلة أخرى، فلها أن تستغني عن كل إجراءات التحقيق الأخرى أو بعضها، وأن تفصل في القضية، ولها أن تتم التحقيق إذا وجدت لذلك داعيًا”. والمادة (157) من قانون الإجراءات الجزائية الكويتي توضح أن أية أقوال للمتهم دون اعترافه على نفسه تخضع كغيرها من أقوال الخصوم والشهود لتقدير المحكمة، والتي يحق لها أن تستخلص منها قرائن في الإثبات أو النفي، وأقوال المتهم في أي تحقيق أو محاكمة تصلح دليلاً له أو عليه.

ثانيا: القانون العماني:

    يعد الاعتراف الجنائي في القانون العماني أحد أدلة الإثبات، غير أنه لا يعتبر كافيًا وحده للحكم بالإدانة مالم تؤيده أدلة أخرى، وقد نصت المادة (181) من قانون الإجراءات الجزائية العماني على: “لا يعتبر الاعتراف دليلاً على المتهم إلا إذا كان صادرًا عن إرادة حرة، وكان واضحًا ومطابقًا للواقع، ويجب أن تؤيده الأدلة الأخرى”.

والمحاكم العمانية لا تعتمد على الاعتراف وحده للحكم بالإدانة، بل يجب أن يكون صحيحًا صادرًا بحرية، ومؤيدًا بأدلة أخرى، وإذا شابَ الاعترافَ إكراهٌ أو تعارضٌ مع الوقائع؛ ترفضه المحكمة، ومثالا لذلك: الطعن رقم 204/ 2003 في قضية سرقة؛ فقد عمدت المحكمة الابتدائية بناء على اعتراف المتهم في مرحلة التحقيق، والمتهم أنكر الاعتراف أمام المحكمة، وادّعى أنه كان مجبرًا عليه، ومن ثم محكمة التمييز لم تعتمد على الاعتراف الصادر تحت اكراه، وليست من أدلة تسند هذا الاعتراف، ووفقًا للمادة(192) من قانون الإجراءات الجزائية العماني؛ فإن أي اعترافٍ صَدرَ نتيجة تعذيب، أو إكراه بدني أو نفسي، باطلٌ تمامًا، ولا يعتد به في الإثبات. 

ثالثا: القانون الفرنسي:

يتعامل القانون الفرنسي مع الاعتراف الجنائي كأحد عناصر الإثبات، لكنه لا يعتبر دليلاً قاطعًا أو كافيًا لإدانة المتهم، ويتجلى ذلك واضحًا في المادة (427) من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي.

حيث يمكن إثبات الجريمة بكافة وسائل الاثبات، والاعتراف لا يلزم القاضي بإدانة المتهم، بل له الحرية في تكوين قناعته، وله رفض اعتراف المتهم إنْ كان مشكوكًا فيه أو غير كافٍ.

ويتبين لنا أهمية الاعتراف في القانون الفرنسي، إلا أنه ليس حاسمًا، ويخضع لضوابط صارمة لحماية حقوق المتهم، ولابد أن يدعم بأدلة أخرى، ويعد ذلك من الضمانات القانونية للمتهم. ومن الضروري معرفة الفرق بين الاعتراف، والشهادة، والاستجواب، والإقرار المدني، والذي يختلط معه فهم الأشخاص.

 فالاعتراف له عدة أنواع؛ فقد يكون شفهيًا، أو مكتوبًا، ويقع الاعتراف باطلاً إذا تم تحليف المتهم اليمين القانونية قبل الإدلاء بأقواله، وللمعترف أن يَعْدِلَ عن اعترافه، كما أنه لا يُعَدُّ مزورًا إذا ما تضمن اعترافه وقائع غير صحيحة.

وأما بشأن الشروط السبعة لصحة اعتراف الجاني الذي حركت ضده الدعوى الجنائية؛ فأولها: أن يكون الاعتراف على نفسه قبل سماع شهادة الشهود، وثانيهما: أن يكون الاعتراف قضائيًا؛ أي أمام قاضي الموضوع، وثالثهما: أن يصدر الاعتراف من شخص توافرت فيه الأهلية الإجرائية، ولها شرطان، أولهما: أن يكون المعترف متهمًا بارتكاب الواقعة التي يعترف بها، وثانيهما: أن يكون المتهم مدركًا مميزًا وقت اعترافه؛ أي يدرك أنه بإقراره بارتكابه الفعل بأنه سيساءل، وسيعاقب، والشرط الرابع: هو أنْ يكون الاعتراف بإرادة حرة للمتهم، وأما الشرط الخامس: فهو وضوح الاعتراف صراحة بلا تأويل أو استنتاج، والشرط السادس: أن يطابق اعتراف الجاني للحقيقة والواقع، وليس بسبب دافع ما. وكذلك يوجد شرطٌ سابعٌ وهو: أن يكون الاعتراف وفقًا للإجراءات الصحيحة؛ فعندما يستند على الاعتراف كإثبات، فيجب تسبيب الدفع المقدم من الخصم بشأن أي دليل، أو إجراء من إجراءات الإثبات في الجلسة ذاتها مع التقيد بالمواعيد المحددة بهذا الشأن، وللمحكمة التأجيل، ولمرة واحدة، لتأجيل اتخاذ الاجراء، أو تقديم الدفع؛ وذلك لإتاحة الفرصة لأطراف الواقعة للاطلاع وتقديم الدفوع.

والاستجواب الذي يكون من قبل المحققين في الجنح، ووكلاء النيابة في الجنايات، يكون بتمكين المتهم من الإدلاء بأقواله بحرية تامة دون تأثير بالوعد والاغراء، أو إكراه أو تهديد، وأما بشأن الإقرار المدني، وهو الإقرار بالدين المتعلق بالذمة المالية لإثبات الحقوق، وتحديد المراكز القانونية. وسأشير باختصار إلى ذلك، حيث إن الإقرار المدني قد يقابله عدة إشكاليات، وبالمختصر يقع عبء الإثبات على رافع الدعوى كأصل عام، ونجد ذلك في المادة 111 والمادة 120 إلا أنه يسند بالقرائن القانونية كاستثناء، سواء القاطعة بالحجة المطلقة التي لا تقبل دحضها، أو البسيطة والتي يمكن قطع حجيتها كحسن النية.   

ومن الضروري معرفته أن للمتهم المقر أو غيره من المتهمين، حقُّ الدفع ببطلان الاعتراف إن تولد هذا الاعتراف أثر إكراه، ويعد دفعًا جوهريًا يوجب الأخذ به من قبل المحكمة، والرد عليه، وإن لم تلتفت على هذا الدفع شاب حكمها القصور.

 وأود أن أتطرق إلى معضلة الإجراءات الباطلة التي شابت الدعوى الجنائية في القبض على المتهم وإحالته، واعترافٍ صحيحٍ للمتهم بارتكابه الفعل، وليكن حيازة مخدرات؛ وذلك أمام قاضي الواقعة، فهل للمحكمة الأخذ بهذا الاعتراف كدليل في إدانة المتهم، أم لا يجوز لها ذلك ويقع باطلا؟

لقد قررت محكمة التمييز الكويتية أنه من المقرر أن بطلان القبض والتفتيش لا يحول دون أخذ المحكمة بعناصر الإثبات الأخرى المستقلة عنها، والمؤدية الى النتيجة التي أسفر عنها القبض والتفتيش، ومن هذه العناصر الاعتراف بالحق الصادر من المتهم، وكان تقدير هذا الاعتراف وغيره من الأدلة، وتحديد صلته بالإجراء الباطل هو من شأن محكمة الموضوع، تقدره حسبما يتكشف لها من ظروف الدعوى، وكان الحكم المطعون فيه أخذ الطاعن الأول خذ اأخذ

 باعترافه بتحقيق النيابة العامة بحيازته، وإحرازه للمخدر بقصد التعاطي، والصلة بالقبض عليه وتفتيشه، والذي عاود ترديده أمام محكمتي الموضوع بجلسات المحاكمة، وصدوره عنه طواعيةً واختيارًا، وقضت المحكمة بقضائها بإدانته عن تهمة التعاطي، بما أسفر عنه تحليل المادة المضبوطة، وإلى ما انتهى إليه تقرير معامل الأدلة الجنائية من فحص عينة بول الطاعن، والذي جاء كنتيجة عمل من أعمال الخبرة، وجرى بناء على ندب النيابة العامة بعد اعترافه على النحو السالف ذكره، وقد جاء الاعتراف مستقلاً عن إجراءات القبض والتفتيش أيًا كان وجه الرأي فيها، فلا يصح معه الادعاء بأنه مترتب عليها، أو متصل بها، ومن ثم فلا وجه للتحدي ببطلانها أو بطلان اعتراف الطاعن، ويضحى معه في هذا الوجه غير صحيح.

          والجدير بالذكر أن الاعتراف القضائي قد يقع باطلاً رغم توافر شروطه الصحيحة، وذلك في حال يكون مغايرًا للحقيقة بسبب الدافع التي دفعه لهذا الاعتراف، وفي هذا الصدد فأنه توجد عدة دوافع، ومنها الخوف من بطش شخص متنفذ، أو الخوف من انتقام عصابة ما، أو للإفلات من جريمة أخرى عقوبتها أشد، أو بسبب مرض عقلي، أو لحماية الجاني الحقيقي مقابل مال، أو لصلة قرابة، أو نتيجة الخداع، أو الغبن من شخص، أو بسبب الإرهاق لطول مدة التحقيق، أو غيرها من دوافع تدفعه إلى الاعتراف.

ويجوز للقاضي في الأقضية السابقة (الكويتي والعماني والفرنسي) الاكتفاء باعتراف الجاني بالواقعة المنسوبة إليه كلها أو بعضها، والحكم عليه بناء على ذلك، وله أن يطلب سماع شهادة الشهود بجانب اعتراف الجاني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *