إضاءة قانونية : جنسية التحكيم الإلكتروني والتحديات القانونية

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة لم تعد النزاعات القانونية حكرًا على ساحات المحاكم التقليدية، بل أصبحت منصات الفضاء الإلكتروني ساحة بديلة وناجحة لحل النزاعات، خاصةً مع تطور أنظمة التحكيم الإلكتروني، وهذا التحول صاحبته عدة إشكاليات قانونية، ولعل أبرز سؤال محوري يطرح نفسه هو: ما جنسية التحكيم الإلكتروني؟ أيتبع الدولة التي يوجد بها الخادم، أم الدولة التي ينتمي إليها أطراف النزاع؟ أم مكان صدور قرار التحكيم؟ وبالطبع هذه التساؤلات لها أهميتها؛ إذ أن تحديد جنسية التحكيم يترتب عليه آثار قانونية بالغة الأثر، وأحببت أن ألقي الضوء على هذا الموضوع لما له من أهمية في توضيح خصوصية البيئة الرقمية، وتعزيز الثقة بمنظومة التحكيم الإلكتروني بوصفها أداة فعالة وعادلة في فضِّ المنازعات المعاصرة.
ولعل الآية القرآنية الكريمة في قوله تعالى: “وإن خفتم شقاقَ بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إنْ يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما إن الله كان عليمًا خبيرًا” سورة النساء الآية:35
هي دلالة واضحة على أهمية التحكيم وعظمته، ولقد شدد نبينا الكريم – صلى الله عليه وسلم – على العدل كأساس للتحكيم، ولعل في الحديث الشريف ما يوضح ذلك، فعن الإمام علي – رضي الله عنه – قال: “بعثني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى اليمن قاضيًا، فقلت: ” يا رسول ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فأنه أوجب للحكم”. (رواه أبو دواد – حديث حسن صحيح) والترمذي والنسائي.
وفي حال الخطأ في التحكيم، فيمكن تصويبه إن أمكن وإلا فأجره على الله وفقًا لنيته، فقد قال الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم -: ” إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد”. رواه البخاري ومسلم.
فالتحكيم في الإسلام سنة صحيحة وطبقه الرسول – صلى الله عليه وسلم – بنفسه، وأجاز التفويض فيه.
وكثير من الأحيان تثور المشاكل بين الأطراف بشأن تنفيذ العقد سواء أثناء تنفيذه أو بعد التنفيذ، فيلجأ أطراف العقد إلى التحكيم، وبدوره يخضع للقانون الوطني الذي يحدد القواعد القانونية بشأنه، وينظم مراقبة التحكيم، والطعن في أحكامه ما لم ينص العقد على جهة أخرى تحكم العقد حال التنازع بين الأطراف، والذي يلجأ أطرافه إلى جهة محايدة تنظر في التنازع، وفي أغلب الأحيان يتفق أطراف العقد على بند يحدد فيه جنسية المحكم، فإما القانون الوطني لأحد الأطراف أو قانون أجنبي محل البضاعة مثلا، أو أي قانون آخر يتفقان عليه للنظر في واقعة النزاع والحكم، وهو أمر متعارف عليه ومنظم قانونيًا ويعمل به.
وهذه هي الطريقة التقليدية للنظر في الدعاوى، وتستلزم سفر الأفراد من دولهم إلى مقر دولة المحكم، أو الدولة التي سيتم التحكيم فيها، ولكن مع التطور في زمننا الحاضر واختصارًا للوقت والجهد، وحفظًا للمصروفات وتقنينها، أخذت الدول المتطورة بالتحكيم الإلكتروني، وشرعت القوانين المناسبة للتقاضي والتحكيم عبر الوسائل الحديثة.
فالتحكيم الإلكتروني هو: التحكيم الذي يتم عبر وسائل التواصل الحديثة، مثل: المنصات الرقمية الإلكترونية؛ لتسهيل عملية التحكيم في القضايا، وتسهيل عمل المحاكم في التخفيف عنها (المحاكم الوطنية – الدولية) المحاكم محل التقاضي بحس العقد المبرم.
إن التحديد المادي في التحكيم التقليدي واضح وجلي ومفهوم، أما في التحكيم الإلكتروني فأنه مربك، ويثير الغموض بمشكلة “اللامكان” والذي يتم دون لقاء مباشر.
ولعل الكثير من الأسئلة قد تثار بشأن جنسية التحكيم الإلكتروني إذا لم يوجد مكان محدد لانعقاده، وما المعايير المستخدمة لتحديد جنسية التحكيم الإلكتروني؟
لا شك أن تحديد جنسية التحكيم توضح لنا الكثير مثل:
- تحديد القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم.
- معرفة الجهة القضائية صاحبة الاختصاص للنظر في:
- طلبات الإبطال.
- الاعتراف والتنفيذ.
- ضمان خضوع التحكيم لنظام قانوني معين.
فجنسية التحكيم الإلكتروني تحدد غالبًا نسبة إلى المكان القانوني الذي اتفقت عليه الأطراف، أو قدرتْه هيئة التحكيم بغض النظر أن الإجراءات تتم عن بعد.
وسأتطرق إلى المعايير المستخدمة لتحديد جنسية التحكيم الإلكتروني، والتي تتمثل في الآتي:
- اتفاق أطراف العقد:
إن العقد شريعة المتعاقدين، فيضمنان العقد ما يشاءان من بنود متفق عليها بينهم، فإذا اتفقت الأطراف على تحديد قانون بلد معين للتحكيم، فقد تم حسم جنسية التحكيم.
- مكان إصدار الحكم:
يجوز اعتبار المكان القانوني للتحكيم هو جنسية التحكيم ولو لم يعقد فيه فعليا، حتى ولو كان التحكيم إلكترونيًا.
- مركز التحكيم الإلكتروني:
في كثير من الأحيان يعتمد مركز التحكيم الإلكتروني كجنسية للتحكيم، في الاستدلال والمقارنة ضمن السياق القانوني، فسأستشهد بعدة قوانين تنظم التحكيم الإلكتروني وسأستهلها بقانون التحكيم الكويتي رقم 11 لسنة 2015 والذي يستند إلى قانون الأونيسترال النموذجي، فمعيار التطبيق هو النصوص القانونية المنظمة، و بشأن معيار تحديد جنسية التحكيم الإلكتروني فإنه يعتد باتفاق الأطراف على مكان التحكيم القانوني ولو لم يكن ماديًا فعليًا؛ كونه يتم عن بعد، فالكويت تعترف بالتحكيم الإلكتروني وتأخذ به طالما كان منصوصًا عليه في الاتفاق، وواضحًا في الإجراءات، وبشأن معيار الاختصاص فإن محكمة الكويت هي المختصة بالتحكيم إذا كانت الجنسية كويتية، ويكون التحكيم فعليًا ماديًا.
فالكويت مرنة بتسهيل التحكيم في القضايا وفقًا لمنظور قانوني واضح.
وأما المملكة المتحدة (بريطانيا) فقانون التحكيم الإنجليزي لعام 1996 يعترف ويقر التحكيم الإلكتروني، ويعتمد القصد القانوني للمكان، والمحكمة البريطانية العليا هي صاحبة الاختصاص للنظر في التحكيم إذا كان المقر القانوني في بريطانيا، وتوجد عدة سوابق قضائية بريطانية في أحكام التحكيم الإلكتروني.
وأما سويسرا فقانون التحكيم الإلكتروني المعدل لسنة (2015) يعد مرنًا في التحكيم الدولي، كما أنه يعتمد على مكان التحكيم القانوني المتفق عليه، وإن تم عن بعد؛ فسويسرا تعترف بالتحكيم الإلكتروني، والمحكمة الفيدرالية السويسرية هي المختصة في الطعن إذا كانت الجنسية سويسرية، وتعتبر سويسرا في صدارة الدول في قبول التحكيم الإلكتروني الرقمي.
وأما سلطنة عمان، فأن قانون التحكيم العماني رقم 54 لسنة 2017 قد أخذ أيضًا بقانون الأونسيترال النموذجي، واعترف بالتحكيم الإلكتروني وإجراءاته بشرط اتفاق الأطراف، ولا يشترط المكان المادي في حال تحديد الدولة في الاتفاق.
ويلاحظ في قانون التحكيم العماني الآتي:
- أنه مرن ويواكب التحديات والتقنيات الحديثة.
- يعتمد على مبدأ الإرادة الحرة للأطراف في تنظيم مكان، وإجراءات التحكيم.
- لا يشترط المكان المادي للانعقاد طالما تم تحديد مكان قانوني (الجنسية) للتحكيم.
- أن المادة رقم (3) نصت على أن اتفاق التحكيم يشمل الوسائل الإلكترونية.
- والمادة (20) سمحت للأطراف بتحديد مكان التحكيم، وفي حال عدم الاتفاق تكون هيئة التحكيم صاحبة الاختصاص.
- والمادة (24) أتاحت للأطراف الاتفاق على لغة التحكيم تسهيلاً للإجراءات.
- والمادة (25) أعطت الأطراف الحرية في الاتفاق على الإجراءات المتبعة في التحكيم.
والملاحظ أن الكويت وعمان وسويسرا تتبع قانون الأونسيترال النموذجي، مما يعني تحديد مكان التحكيم هو المعيار الأساسي للجنسية، بينما بريطانيا تربط الآثار القانونية للتحكيم في مكان التحكيم التقليدي والإلكتروني فقهًا وقضاء.
ولعل أبرز الإشكاليات المتوقعة مستقبلاً في موضوع التحكيم الإلكتروني هي:
- حجية العقود المبرمة عبر منصات إلكترونية في الفضاء الرقمي.
- الاعتراف بقرارات التحكيم الصادرة عبر الذكاء الاصطناعي، وهل يعد هذا القرار “قرارًا تحكيميًا” وفقا لمعاهدة نيويورك أو القوانين الوطنية؟
- القرصنة الإلكترونية للمستندات المتبادلة والبيانات الشخصية.
- الاختراقات للمحاكم الإلكترونية وعرقلة قرارات التحكيم لصالح طرف على حساب طرف آخر، ونقصد بذلك تزوير الهويات والتوقيعات الرقمية، أو سرقة الهوية الإلكترونية، ويبرز في هذا النطاق معيار المسؤولية في حال اختراق قاعدة بيانات التحكيم.
- تفاوت البنية التشريعية الرقمية بين الدول، فبعض الدول مازالت لا تعترف رسميا بالتحكيم الإلكتروني؛ مما يخلق عقبات مستقبلية في التعاون، وتنفيذ الأحكام عبر الحدود.
- مسؤولية المنصات الرقمية للتحكيم حال وقوع خطأ إلكتروني، مثل منصة (ODRplatforms)
- اللغة الخوارزمية المستخدمة، والحياد التكنولوجي، والتنافس في التمييز التقني، وغلبة ثقافات برمجية محددة على بيئات التحكيم الإلكتروني.
- التحكيم عبر تقنيات الميتافيرس، والواقع الافتراضي، ومحكمة افتراضية، ومن يملك السيطرة القانونية على هذا الفضاء.
إن التحكيم الإلكتروني يفتح آفاقًا واسعةً، لكنه في المقابل يطرح تحديات قانونية وتقنية غير مسبوقة، ومستقبل التحكيم الإلكتروني سيتوقف على قدرة المنظومات التشريعية على إعادة تعريف مفاهيم، ومصطلحات قانونية تقليدية تلائم عالم رقمي يتجاوز الحدود الجغرافية.
دمتم بود.



كلام مسهب ووافي تطرق لجميع اطراف الموضوع
مقالة متشعبه مجال القانون والتحكيم وبما اننا الان في زمن التكنولوجي وعسر الذكاء الصناعي .. لابد من ايجاد
قوانين تلائم هذا العصر لا يكون هناك ثغرات للطعون في التحكيم الاكتروني
وبالتوفيق للاستاذه تهاني .. والى مزيد من المقالات ذات الفائدة للجميع وشكراً
كلام عميق وحفنة من محيط . على الرغم من كوني قاريء نهم للصحف بما تتضمنها من مقالات . لم اجد لقوة العنوان مثيل من حيث اهمية الموضوع و اثارته للفضول ولم اجد لعمق الكاتبة مثيل من حيث التمكن والإلمام بالموضوع .
سلمت الايادي على الشرح الوافي والتوعية بهذا الشق القانوني المهم
بارك الله بك👏🏼
دوم مبدعه الدكتوره تهاني
يعطيك العافيه دكتوره تهاني
مقال رائع ، و فعلا أعطاني فكره عن التحكيم الإلكتروني الذي اول مره اسمع عنه ،،، و اعتقد انه فعلا يوعد بتطور للمنظومة القضائية بالمستقبل
و شكرا حبيبتي عالمقال
يعطيكي العافيه دكتورتنا الغاليه الراقيه المبدعه تهاني ربي يسعدك دايم مواضيعك فيها الشرح العميق كفيتي ووفيتي من نجاح الي نجاح دايم