التأثير الاجتماعي للتنمر على الأطفال في المجتمعات العربية

يشهد العالم عامة والمجتمعات العربية خاصة طفرة من التحولات على كافة جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية؛ مما أدى إلى تأثيرها على جميع فئات المجتمع وخاصة فئة الأطفال والتي تمثل البذرة الأولى أو النواة للمجتمع ككل ففي مرحلة الطفولة تتكون شخصية الفرد الاجتماعية والنفسية والعاطفية، فهي المرحلة الأساسية في حياة الفرد، والتي يتشكل من خلالها قيمه ومبادئه، مما يؤثر بالإيجاب على إخراج فرد نافع للمجتمع يفيد أسرته ومجتمعه بشكل سوي، أو بالسلب ويخرج لنا فرد غير سوي يهدد حياته وحياة أسرته ومجتمعه؛ لذا وجب علينا التأكيد على تسليط الضوء على أهم وأخطر التحديات الاجتماعية والنفسية التي تواجه الطفل في هذه المرحلة، وكيفية التصدي لها ومواجهتها.
ويُعد التنمر في وقتنا الحالي هو من أخطر التحديات والمشكلات التي يتعرض لها الأطفال خاصة في مراحله الدراسية الأولى، ويُعرف التنمر بأنه نمط سلوكي مُتكرر يتسم بالعدوانية والعنف تجاه شخص مُعين، وتعمد إيذائه سواء جسديًا، أو اجتماعيًا، أو نفسيًا، أو عاطفيًا، وعلى الرغم من أنه منتشر كثيرًا بين الأطفال، إلا أنه قد يستهدف مختلف فئات المجتمع، خاصة المنعزليين، أو الانطوائيين، أو الأكثر خجلًا الذين يترددون في الدفاع عن أنفسهم، بالإضافة إلى الأطفال ضِعاف التعلُّم والتحصيل الدراسي، والأطفال من ذوي القدرات الخاصة.
وتتعدد أشكال التنمر وتتنوع بين التنمر الجسدي وهو من أشكال التنمر المعروفة ويتضمن: الضرب، والدفع، والبصق على الآخرين، وإتلاف ممتلكات الغير، والمزاح بطريقة مبالغ فيها. و التنمر اللفظي ويتضمن: إطلاق أسماء على الآخرين، السخرية، والتوبيخ، والاستخفاف بالمحيطين؛ للتقليل من مكانتهم.و التنمر النفسي وذلك مثل: جرح مشاعر الآخرين نشر الإشاعات، إخافة الآخرين، وإغاظة الآخرين. والتنمر الاجتماعي يكون عبارة عن عزل شخص عن مجموعة الرفاق، ومراقبة تصرفات الآخرين، ومضايقتهم، و الاستبعاد الاجتماعي، وحرمان الزملاء من المشاركة في الأنشطة المختلفة. والتنمر الإلكتروني وذلك يكون من خلال الوسائل الحديثة، كالإنترنت بكل صوره المختلفة والتي تتضمن إرسال رسائل عن طريق البريد الإلكتروني أو نشر إشاعات على صفحات ومواقع الانترنت المختلفة، و التشهير أو برسائل عبر الهاتف المحمول. والتنمر الجنسي، وذلك مثلك التحرش الجنسي، ونشر إشاعات جنسية عن شخص ما، وشتم الآخرين بألفاظ جنسية.
وتفسر نظرية التفاعلية الرمزية التنمر بأنه سلوك يمكن أن يتعلمه الطفل من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، وذلك بطريقة مباشرة من خلال القدوة التي يقدمها الوالدين للأبناء، بقصد أو بدون قصد عند ردود أفعالهم اتجاه هذا السلوك، وهذا السلوك يمكن استعادته لدى الأبناء في مواقف أخرى متى ما تهيأت الظروف المناسبة لظهوره، ولكن تفسر نظرية التبادل الاجتماعي التنمر بأنه فعل ورد فعل بين الفرد قبل ارتكابه للسلوك التنمري وبين بيئته الاجتماعية التي كانت مقصرة بحقه ولم تعطه ما يحتاج إليه، فالفعل التنمري ما هو إلا عملية موازنة يقوم بها المُتنمر بين ظروفه الاجتماعية والنفسية ونوعية السلوك الذي يمارسه، فالظروف السلبية التي يعيشها المُتنمر هي التكاليف، وممارسة السلوك التنمري هي الخسائر التي يتكبدها الفرد نتيجة سلوكه، وعلى هذا الأساس يُعد سلوك التنمر وليد الظروف التي عاشها ويعيشها المُتنمر نتيجة التنشئة الاجتماعية الخاطئة والظروف الاجتماعية والنفسية الصعبة.
ومن هنا يتضح أن التنمر له عدة أسباب فمنها الأسباب النفسية والتي تظهر في العقد النفسية التي تؤدي إلى الإحباط، والقلق والاكتئاب، مما يولد لدى الطفل شعوره بالغضب والانفعال لوجود عوائق تحول بينه وبين أهدافه ويظهر هذا في سلوك التنمر لدى الفرد سواء على الآخرين أو على ذاته لشعوره بأن ذلك يفرغ ضغوطه وتوتراته. ومنها الأسباب الاجتماعية والتي تركز على الظروف المحيطة بالفرد من الأسرة وجماعة الأصدقاء ووسائل الإعلام والمحيط السكني، ومعاملة الوالدين له، ما بين الشدة التي قد تؤدي للإرهاب ، والتدليل الزائد والذي يؤدي بالطفل إلى نتيجة سلبية، فقد تكون العوامل الاجتماعية هي البيئة الخصبة لتوليد العنف والتنمر عند الأبناء. ومنها الأسباب المدرسية والتي ترجع إلى السياسة التربوية والإدارية للمدرسة وعلاقة الطفل أو الطالب بمعلمه، فالعنف الذي يمارسه المعلم على الطلبة يؤدي للتنمر، بينما إذا كان المعلم ضعيف الشخصية وغير ملم بالمادة الدراسية، قد يؤدي لظهور سلوك التنمر عليه من قِبل طلابه.
ويُعد التنمر المدرسي من أشهر الظواهر العالميّة المُنتشرة بين الأطفال، والتي توجد في مُختلف المؤسسات التعليميّة في جميع أنحاء العالم، للحد الذي جعل منظّمة الـ UNICEF وضعتها ضمن أولويّات أعمالها. وتتمثل خطورة التنمر في الآثار الاجتماعية والنفسية طويلة المدى التي تتركها في شخصية الأطفال الذين يتعرضون لها. فلا مُبالغة إذا قلنا أن الكثير من المشكلات الاجتماعية و النفسية التي يعاني منها البالغين، ترجع إلى المواقف السيئة التي تعرضوا لها في فترة الطفولة، والتي من ضمنها التعرض للتنمر.
فيجد العديد من الأطفال ضحايا التنمر صعوبة في تكوين صداقات حقيقية في وقت لاحق من الحياة، وأحد الاحتمالات التي تفسر هذا هو أنهم يكافحون من أجل الثقة في الأفراد والمجتمع من حولهم. وفي هذا السياق تقول أرسينولت: “الأطفال الذين تعرضوا للتنمر، قد يفسرون العلاقات الاجتماعية بطريقة خاطئة تهدد مستقبلهم، مما يجعل من الصعب عليهم التعامل مع المواقف الاجتماعية وإقامة علاقات صحيَّة في المُستقبل، كما أنه يمكن أن يكون منبأ عن السلوك الاجتماعي غير الأخلاقي والإجرامي في المستقبل بما في ذلك العنف ضد الغير والإنخراط في المشاجرات والسلوك المدمر للذات مثل تعاطي المخدرات أو الكحول وغيرها من السلوكيات التي ينتج عنها تأثيرات اجتماعية سلبية على الفرد خاصة والمجتمع عامة.
كما أن التنمر يؤدي إلى التوتر المزمن والاضطراب العاطفي الناتج عن التنمر، كذلك إلى إضعاف الأداء المعرفي، والذاكرة، ومهارات حل المشكلات، مما يعيق قدرة الطفل على التعلُّم والاحتفاظ بالمعلومات، كما أنه يؤثر بشكل كبير على العلاقات والتفاعلات الاجتماعية لدى الضحية، مما يؤدي إلى الانسحاب الاجتماعي وصعوبة تكوين صداقات موثوقة. وقد يشعر الضحايا بمشاعر العزلة والرفض من أقرانهم، مما يؤدي إلى الشعور بالانفصال عن المجتمع وانعدام الانتماء.
ويمكننا التغلب على سلوك التنمر بالعديد من الطرق والوسائل منها تنمية وتطوير الوعي التربوي عند الأسرة وذلك بحضور الاجتماعات والندوات الدورات التثقيفية المختلفة، ويجب على الأسرة ضرورة تحديد السلوك الاجتماعي السيئ و يلزم تعديله. والقيام بتدريب الأبناء على التخلص من أوجه القصور التي قد تسبب السلوك العدواني، والتعرف على الحاجات النفسية والاجتماعية والأساسية لكل مرحلة عمرية وإشباعها بالأساليب والبرامج التربوية المناسة، والابتعاد عن كثرة النصائح واستبدالها بالأفعال لا بالأقوال، وإظهار وتأكيد الجانب الإيجابي في سلوك الطفل المتنمر وإحساسه بإمكانياته وقدراته والبحث عن جوانب القوة فيه وإشراكه في أعمال تمتص طاقته وتجعله يشعر بأهميته وعدم إهماله، وتكثيف المقابلات الإرشادية لهؤلاء الأطفال؛ لمعرفة أسباب المشكلة والعمل على تلافيها، وأخيرا توجيه الأطفال وإرشادهم وتوعيتهم بمفهوم التنمر وأشكاله وأسبابه لتجنبهم السلوكيات التي تسبب الأذى للآخرين وتدريبهم على معالجة السلوك العدواني، تعزيز الجانب الديني الذي يرشد الطفل إلى التوقف عن ممارسة السلوك العدواني.
المراجع
- رجبي، كين .(2018). دليل الوقاية من التنمر في المدارس، المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف).
- أحمد، منى سيد محمد .(2020). دراسة العوامل المؤدية للتنمر ودور الممارسة العامة للخدمة الاجتماعية في التعامل معها، مجلة دراسات في الخدمة الاجتماعية والعلوم الإنسانية، المجلد الثاني، العدد 51.
- العنزي، مريم عبدالهادي .(2024). التنمر الأخوي: مظاهره وأسبابه وسبل مواجهته: دراسة ميدانية على عينة من طالبات السنة الأولى المشتركة لجامعة الملك سعود، مجلة شئون اجتماعية، العدد 161.
- محمد، إيمان قناوي .(2017). دور المؤسسات التربوية في مواجهة التنمر المدرسي لتلاميذ المرحلة الإعدادية: دراسة اجتماعية، مجلة كلية التربية، جامعة الزقازيق، العدد 174، الجزء الثالث.
- السيد، علي رزق طه .(2021). التنمر المدرسي لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية، مجلة بحوث في الخدمة الاجتماعية التنموية، جامعة بني سويف، المجلد الأول، العدد الأول.
- المحجان، أنوار ناصر.(2021). أسباب التنمر المدرسي من وجهة نظر الأخصائيين الاجتماعيين في مدارس المرحلة الابتدائية في دولة الكويت، المجلة العربية للعلوم التربوية والنفسية.
- أبو الليل، رباب عبدالفتاح .(2021). أثر المساندة على التنمر المدرسي لدى عينة من طلاب المرحلة الابتدائية بمحافظة الطائف بالمملكة العربية السعودية، المجلة العلمية لكلية التربية، جامعة أسيوط، المجلد 37، العدد التاسع.
- كشيب، خيرية عمران .(2023). سلوك التنمر عند الأطفال (مفهومه- أسبابه- علاجه)، مجلة العلوم الإنسانية والتطبيقية، كلية الآداب والعلوم قصر الأخيار، جامعة المرقب، المجلد الثامن، العدد 15.