إضاءة قانونية

بين القاضي والمتقاضي: التغذية الراجعة جسر التحسين والتطوير لمرفق القضاء

      تعد التغذية الراجعة أحد المكونات الأساسية لتطوير الأداء في كافة المجالات التعليمية والمهنية والتدريبية، وما يهمنا هو أثرها في المجال القانوني، ولا سيما في مجال حماية الحريات والمبلغين عن المخالفات، وفرض القيم المجتمعية الحقة، وسمعة الأجهزة الأمنية والقضائية في الدولة، ومن خلال سلامة إجراءاتها وشفافيتها ومصداقيتها.

    وفي تطبيق التغذية الراجعة في المجال القضائي (القضاة – النيابة العامة – المحامون – المتقاضون – الشهود – الموظفون – متلقو الخدمات وغيرهم )، فأننا نجدها من الأدوات المهمة لضمان سير الدعوى بأفضل السبل، وتكفل سير الإجراءات القانونية بالطريقة الصحيحة مع حفظ كافة الضمانات وحقوق أطراف الدعوى، كما أنها تعزز الرقابة الذاتية في المؤسسة القضائية، ويعد توجهًا حديثًا لتطوير أنظمة العدالة خاصة في الدول التي تسعى لتحقيق الحوكمة القضائية، ويمكننا تعريف التغذية الراجعة في الإجراءات القضائية بأنها: “مجموعة من الآليات والأساليب التي يتم من خلالها تقييم الأداء القضائي واستنباط نقاط القوة ومواطن الضعف؛ بهدف التحسين المستمر، وسد مواطن القصور على مستوى السلوك المهني للقضاة في المحاكم، وفعالية الإجراءات وجودة الأحكام القضائية”.

وعند المقارنة بين الدول في استخدامها لهذا المفهوم في المجال القانوني سأتطرق لأمثلة توضيحية في تلك الدول تباعً ا:

  • المملكة المتحدة(بريطانيا):

  تكمن أهمية التغذية الراجعة في النظام القضائي البريطاني في: تعزيز الشفافية، والمساءلة حال القصور، وتحسين تجربة المتقاضين، والكشف عن أوجه القصور، وتطوير أداء الأجهزة القضائية، وإصلاح النظام القضائي بشكل عام وتطويره. فنجد التغذية الراجعة في النظام القضائي البريطاني واضحة وبشكل رسمي من حيث معالجة الشكاوى حول سلوك القضاة عبر هيئات الرقابة والتفتيش القضائي، وبإتمام مهامها بكل دقة من استطلاع رضا المتقاضين، واحترام القضاة وسرعة الإجراءات،  والحرص على جودة الأحكام القضائية من خلال تمكين المتقاضين من الطعن في الأحكام  ضمن درجات التقاضي، والتفسير القانوني، ويأخذ بالحسبان المراجعة البرلمانية والإعلامية ودورهما في التغذية الراجعة في النقد لأداء النظام القضائي، إضافة إلى التقارير الدورية المتضمنة إحصائيات والتي تنشرها اللجنة القضائية العليا تتعلق بالممارسات القضائية وفاعلية الأداء.

  • فرنسا:

  تشكل التغذية الراجعة في القضاء الفرنسي أداة فعالة لضمان حسن سير مرفق العدالة واستقلاليته، مع الحفاظ على المساءلة وجودة الأداء، وهي جزء من المنظمة القضائية الحديثة التي تسعى لتحقيق العدالة الناجعة في إطار احترام الحقوق الأساسية ومبادئ الحوكمة القضائية، وقد شجعت التغذية الراجعة في تحديث البنية التحتية الرقمية للمحاكم الفرنسية، وتجلى ذلك في تخفيض مدد الفصل القضائي في العديد من المحاكم، ووضع برامج تدريب وتطوير مهنية مخصصة للقضاء، وعزز مبدأ الشفافية القضائية بناء على تقارير التفتيش القضائي والتقييم الدوري للقضاة كل أربع سنوات، والاستبانات التي تقيس رضا المحامين والمتقاضين ومتلقي الخدمات من المواطنين، وكمثال على التغذية الراجعة فقد قامت فرنسا لغرض حماية المبلغين عن المخالفات بتشريع قانون Loi Sapin II في ديسمبر 2016 والذي يحمي الأشخاص المبلغين حسني النية عن مخالفات (فساد – اختلاس) من الفصل أو التمييز، ويشمل القانون عقوبات على من يعرقل الإبلاغ (سنة حبس وغرامة 15000 يورو).

  • سلطنة عمان:

   تعد سلطنة عمان من الدول الرائدة التي تحولت من الحكومة الرقمية (e.Oman) إلى منصة عمان الرقمية للربط المؤسسي (Omanuna) لتبادل البيانات والمعلومات، وتقديم خدمات مترابطة دون الحاجة إلى تكرار البيانات من المتعاملين إلى الهوية الرقمية(PKI)، لتسهيل المعاملات الحكومية الرقمية  إلى مركز الخدمات السحابية الحكومية (G-Cloud)، لتوفير بنية تحتية موحدة وآمنة لجميع الجهات الحكومية، ونظام “الربط البيني”، ونظام “بياناتي”  الحكومي، فسلطنة عمان تبنت الحكومة الذكية بربط مؤسسي باستخدام التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي في التعامل والتحليل، وبما لديها من التشريعات التي كفلت استخدام التغذية الراجعة في التحسين في الخدمات وتطويرها وفق ضوابط قانونية تحافظ على استقرار المجتمع وأفراده، وكانت التغذية الراجعة واضحة وتجلت في كفاءة العمل الحكومي وتحسين تجربة المواطن ودعم اتخاذ القرار وتسريع المعاملات وتقنين التكاليف .

  • الإمارات:

   تعد دولة الإمارات العربية المتحدة من الدول المتميزة في تبني كل ما يعزز التطوير والكفاءة في الخدمات، ونجد آليات التغذية الراجعة في نظامها القضائي قد تمثل في: الاستبانات الإلكترونية والميدانية، وقنوات الشكاوى والمقترحات، والمجالس القضائية واللجان التقييمية)، وأنشأت قنوات رسمية ومراكز اتصال ومراكز تقديم الخدمات.

ولعل المبادرة الحكومية “جائزة محمد بن راشد للأداء الحكومي المتميز” مثال واقعي على تعزيز ثقافة التغذية الراجعة؛ حيث التقييم للأداء الذاتي للمؤسسات، والتنافس فيما بينها لإثبات الجدارة والكفاءة بما فيها مرفق القضاء، إضافة إلى التحول الرقمي، واستخدام الذكاء الاصطناعي لسد مواطن القصور وتطوير الخدمات.

  • الكويت:

  لم تكتفِ الكويت بالتحول الرقمي للمعاملات، بل قامت بربط مؤسسي بين الجهات الحكومية والتحليل الذكي للبيانات، والتعامل معها بخدمات استباقية ودون طلب المواطن، كما في تطبيق “سهل” وتطبيق “Kuwait Mobile ID ” والذي يستخدم لتوقيع العقود إلكترونيًا، وتقديم الإثبات القانوني للمواطن والوافد، وتعد الكويت من أوائل الدول العربية التي تطبق توقيع الهوية الرقمية بشكل رسمي معتمد.

وتعد الكويت في المرتبة الرابعة من تصنيف نضج الحكومات الرقمية وفق معايير الأمم المتحدة (المستوى التكاملي القائم على الحوكمة الرشيدة والشفافية وجودة الخدمة)، بل وتنافس بعض الدول الأوروبية في مدى توفر الخدمة الحكومية عبر الانترنت، وعبر مراكز الخدمة المنتشرة في كافة المحافظات وتعمل ليلاً ونهارًا لتسهيل الخدمات وسرعة الإنجاز.

وبذلك تمثلت التغذية الراجعة في تسهيل تقديم الخدمات بسهولة وجودة عالية من خلال قياس رضا المستخدم، وتطوير الخدمات بناء عليه؛ حيث إن الكويت تطلب تقييم خدمات الحكومية إلكترونيًا من المستخدمين بعد إنجاز المعاملات وتبني مؤشرات أداء (KPis) بناء على التقييمات والتحليل، واعتمدت سياسة   Zero Trust” ” للحماية الرقمية، وغيرها من التطبيقات الذكية المتطورة؛ لحماية البيانات الشخصية وحصنتها بقوانين.

وبناء على ما أسلفنا سرده؛ فأنه يمكننا ربط التغذية الراجعة للنظام القضائي بالممارسات الآتية:

  • التغذية الراجعة من المحكمة:
  • دعم مبدأ استقلال القضاء: فالقاضي المطلع على نتائج تقييم أدائه يتمكن من تطوير نفسه دون توجيه خارجي أو تدخل مباشر من الغير.
  • تحسين جودة الأحكام: بتمكن القضاة من تجنب الأخطاء السابقة التي تم التنبه لها.
  • تعزيز الشفافية والمساءلة: تكفل المصداقية؛ فتعزز ثقة أفراد المجتمع في المؤسسة القضائية.
  • تقليل عدد الطعون: بتحسين جودة الأحكام الابتدائية.
  • التغذية الراجعة في الإجراءات القضائية:
  • قرارات الاستئناف والنقض: لا شك أن الأحكام الصادرة عن محاكم الاستئناف والنقض تعد أداة مركزية في التغذية الراجعة؛ حيث تبين مواضع الثغرات والقصور في الأحكام السابقة.
  • تقارير التفتيش القضائي: تقوم هيئات القضاء بدور رقابي وتصدر تقارير بالأداء، وتتضمن توصيات قابلة للتنفيذ؛ لتحسين جودة العمل.
  • آليات التقييم الذاتي: وجدنا أن بعض الأنظمة القضائية في الدول المتقدمة تعتمد التقييم الذاتي للقضاة؛ حيث يطلب منهم إجراء مراجعة دورية لأدائهم وسلوكهم المهني، بما يعزز من الوعي الفردي بالمسؤوليات، ويكرس ثقافة التطوير المستمر.

ردود فعل الأطراف المتقاضين: مع تطور وسائل التواصل المؤسسي وتحول أغلب الدول إلى الحكومة الالكترونية، قامت أنظمتها القضائية بإنشاء منصات لتلقي ملاحظات المتقاضين سواء عبر استبانات أو من خلال القنوات الرسمية، ويعد نوعًا من التغذية الراجعة بشكل مباشر حول أداء المحاكم.

   وتتخذ التغذية الراجعة أشكال متعددة منها:

  • تقييم الأداء من قبل الجهات الرقابية القضائية.
  • ملاحظات المحاكم العليا على قرارات المحاكم الأدنى.
  • تعليقات الأطراف على حسن سير الدعوى.
  • تقييم القاضي نفسه لأدائه السابق.

ولا شك أنه توجد عدة تحديات لإدماج التغذية الراجعة في القضاء بشكل عام تتمثل في الآتي:

  • ضعف البنية الإحصائية والتقنية لتحليل الأداء القضائي.
  • خشية القضاة من المساس باستقلاليتهم القضائية.
  • غياب الثقافة التقييمية الذاتية داخل بعض الأنظمة القضائية.
  • عدم وجود أطر قانونية ومعايير واضحة تنظم عملية التغذية الراجعة.

   وفي نهاية مقالنا نجد أنه على الرغم من تشابه الهدف بتبني التغذية الراجعة؛ فأن القوانين تختلف حسب ثقافة المجتمع والمنظومة القانونية التي تناسب الدولة، ففرنسا وبريطانيا توفران حماية قانونية منظمة وبالأخص في شأن الشكاوى، بينما نجد أن سلطنة عمان والكويت تفرضان قيودًا على التعبير العام الذي يشكل جرائم أمن سيبرانية وخاصة عبر التواصل الاجتماعي، وأما الإمارات العربية المتحدة فنجدها أكثر حزمًا في التطبيق.

  ويتضح من خلال استعراض الأطر القانونية في كل من دولة فرنسا وبريطانيا والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان ودولة الكويت أن التغذية الراجعة ليست مجرد أداة تطوير إدارية، بل هي ممارسة تتداخل مع مبادئ تطبيقية بإجراءات قانونية تحت مظلة الدستور والقانون المنظم، واللوائح التنفيذية التي تضمن نجاح التغذية الراجعة من خلال الوعي القانوني الذي يضمن الموازنة بين الحقوق والواجبات، ويحول دون الانزلاق إلى ممارسات خاطئة أو تقصيرية في تنفيذ القانون مما يشكل ثغرات في الإجراءات تستوجب سد النقص – وإن كانت غير مقصودة – وعندما تدرج التغذية الراجعة ضمن السياسات القضائية الوطنية، فإنها تكون موسومة بإطار تشريعي قانوني واضح يوازن بين التطوير المؤسسي وحماية استقلال القضاء.

مقالات ذات صلة

‫7 تعليقات

  1. جميل ورائعة كالعادة انتقاء الموضوع ووضع الجوانب التي تبين حقيقة الربط .
    طرحك المستمر لمواضيع مختلفة تلامس حقيقة الواقع ينعكس اثرها في ايجاد بيئة تغيير لمفاهيم عدة وتطور مثري الى الافضل.
    هكذا عرفتي عقل متنقل في التحديث والتطوير والاسهام المباشر في ايجاد التنوع المتميز.
    دمتي دكتورة تهاني وتقبلي مروري

  2. قواك الله اصاءات قانونيه مفيدع للايضاح والفهم ببعض قانون الدولة بوركت جهودك دكتوره ومزيدا من الغطاء الي الامام نستفيد من امثالكم ❤️🌺🌸

  3. مقاله كافيه ووافيه وفعلا التغذيه الراجعه تساهم بفعاليه في خلق بيئة عمل قانونيه تتسم بالشفافية والعداله والتحقق من مطابقه الممارسات للقوانين ، كل الشكر للدكتوره تهاني .

  4. مقاله كافيه ووافيه ، فعلا التغذيه الراجعه ضروره لخلق بيئة قانونيه تساهم في تحقيق الشفافيه والعداله وتطبيق القانون على الممارسات القانونيه في الواقع العملي ، لكن كيف نضمن استمراريه التغذيه الراجعه وعدم انقطاعها ! شكرا للدكتوره تهاني .

اترك رداً على نادية علي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *