الذكاء الاصطناعي في قفص الاتهام: من يتحمل المسؤولية الجنائية؟

مع التقدم السريع في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتوسع استخداماتها في مختلف المجالات برزت تساؤلات قانونية مهمة حول مدى مسؤولية الذكاء الاصطناعي بصفته فاعلا في الجرائم الجنائية وهل يمكن تحميل أنظمة الذكاء الاصطناعي مسؤولية جنائية مباشرة؟ وما موقف التشريعات المختلفة من هذه المسألة؟ لا شك أن الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب بحثا ودراسة تحليلية للمبادئ القانونية الجنائية التقليدية التي تستند إلى المسؤولية الشخصية ومدى قابليتها للتطبيق على الذكاء الاصطناعي لاسيما مع الفروق الجوهرية بين الفاعل البشري والفاعل الاصطناعي.

أولا: مفهوم الذكاء الاصطناعي( Artificial Inteligence )

هو كل نظام تقني يمكن الآلات أو الأنظمة الحاسوبية من محاكاة الذكاء البشري لفهم اللغة الطبيعية والكلام والتعلم من البيانات والتجارب والاستنتاج بحل المشكلات واتخاذ القرارات والإدراك كالتعرف على الصور والأصوات والتفاعل مثل التحدث وقيادة السيارة.

فهو المجال العام الذي يهدف إلى جعل الآلات “تفكر” أو “تتصرف بذكاء” مثل الانسان (الروبوت الآلي) وتوجد عدة طرق لذلك ومنها التعلم الآلي والتعلم العميق.

       التعلم الآلي (ML): وهو فرع من الذكاء الاصطناعي حيث تتعلم الآلة من البيانات التي يتم برمجتها يدويا (برنامج يتعلم منه كيف يميز بين القطط والكلاب من الصور).

       التعلم العميق (DL): وهو فرع يستخدم شبكات عصبية عميقة وتشبه عمل الدماغ البشري للتعلم من كميات ضخمة من البيانات (برنامج يتعرف على الوجوه بدقة عالية باستخدام ملايين الصور ومنها البصمة البيومترية والسيارة ذاتية القيادة).

ثانيا: مفهوم المسؤولية الجنائية والذكاء الاصطناعي

ان المسؤولية الجنائية في القانون ترتكز على عنصرين أساسيين هم الركن المادي (الفعل المرتكب والمجرم قانونا) والركن المعنوي (القصد الجنائي) وهما مرتبطان ارتباطا وثيقا بالإنسان كفاعل يتمتع بالإرادة والوعي بينما الذكاء الاصطناعي بطبيعته هو نظام تقني لا يمتلك إرادة أو وعيا مما يثير تحديا في تطبيق مبادئ المسؤولية الجنائية عليه.

ثالثا: استعراض التشريعات الوطنية لكلٍّ من القانون (الكويتي – العماني- الفرنسي)

·      القانون الجنائي الكويتي الحالي لا يحتوي على نصوص مباشرة تتناول الذكاء الاصطناعي كون موضع الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته يعد علما حديثا متسارعا فالمسؤولية الجنائية تقع على الأشخاص الحقيقيين والاعتباريين فقط ولا يعترف القانون حتى الآن بأي شخصية قانونية مستقلة للذكاء الاصطناعي ولذا فإن المسؤولية عن الأفعال التي يرتكبها الذكاء الاصطناعي تلقى على مستخدميه أو المطورين بناء على مبادئ المسؤولية التقصيرية أو العقابية التقليدية.

·      القانون العماني يحصر المسؤولية الجنائية في الأشخاص الطبيعيين ويعطي الحق للمؤسسات الاعتبارية في بعض الحالات مع غياب نصوص خاصة بالذكاء الاصطناعي ويتم التعامل معه كأداة يستخدمها الإنسان مع تحميل المسؤولية الجنائية للمشغل أو المبرمج إذا ثبت أن التعمد أو الإهمال أديا الى وقوع الجريمة.

·      القانون الفرنسي يعد القانون الفرنسي من أكثر التشريعات تقدما في المجال؛ إذ يجري النقاش في الأوساط القانونية حول الاعتراف بإمكانية تحميل الذكاء الاصطناعي المسؤولية الجنائية إلا أن النصوص الرسمية لم تمنح صفة الجاني للذكاء الاصطناعي.

إن فرنسا تعتمد على مبدأ المسؤولية القائمة على الخطأ البشري المرتبط باستخدام الذكاء الاصطناعي وتدرس إمكانيات تحديث القانون لمواكبة التطورات التقنية.

الإشكاليات القانونية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بصفته فاعلا:

       غياب القصد الجنائي: فالذكاء الاصطناعي لا يملك وعيا أو إرادة ولا يمكن معه إثبات القصد.

       تحديد الفاعل الحقيقي: هل هو المبرمج أم المستخدم أم نظام الذكاء الاصطناعي نفسه.

       ثغرات التشريعات: نقص النصوص القانونية الخاصة بالذكاء الاصطناعي يجعل تطبيق المسؤولية الجنائية معقدا.

       مسؤولية الشخص الاعتباري: التوسع في تحميل المسؤولية على المؤسسات والشركات المتطورة.

مما سبق تبين لنا أن تطور الذكاء الاصطناعي وأدواره المتنامية المتسارعة في المجتمعات يفرض علينا تطوير الأطر القانونية الجنائية بما يتناسب مع هذه التطورات التقنية وذلك لتوفير ضمانات قانونية فعالة لحماية الحقوق والمصالح العامة ولا شك أن التشريعات الكويتية والعمانية والفرنسية بحاجة إلى مراجعة مستمرة وإدخال نصوص تنظيمية واضحة تحدد المسؤوليات الجنائية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي سواء عبر تحميل المسؤولية للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين أو عبر صياغة أطر قانونية مبتكرة تعترف بخصوصية الذكاء الاصطناعي كفاعل جديد في البيئة القانونية ومن ثم يبقى البحث القانوني مقترنا بتطور التقنية ليتمكن من تحقيق التوازن المطلوب بين حماية المجتمع وحث الابتكار في المجال التكنولوجي.

‫4 تعليقات

  1. موضوع مهم يتمشى مع سرعة التصور يتطلت اعداد كبيره في الامن الالكتروني ويقع على عاتق اولياء الامر تثقيف عيالهم

  2. ماشاءالله دكتورة متميزة بطرحج وهذي الاطروحات لازم تكون في محاضرات مباشرة للموظفين والموظفات في الوزارة

    ألف شكر لج وإلي الامام والتوفيق يارب

  3. موضوع مهم و أشكركم على التوضيح لخطورة استخدام الذكاء الاصطناعي و اهمية الضوابط القانونية لمنع الضرر .. بارك الله جهودكم

اترك رداً على بوههد إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *