العدّاءة رقية الحسنية.. مسيرة رياضية واعدة نحو المنصات الدولية

مسقط في 10 مارس 2026 /العُمانية/ تُعدّ رياضةُ الجري إحدى الرياضات التي تحظى باهتمامٍ واسعٍ في سلطنة عُمان، كونها رياضةً تجمع بين التحدّي البدني والإصرار والعزيمة، وتسهم في صقل المواهب وإبراز طاقات الشباب وتجسيد طموحاتهم.

وتبرز العدّاءة العُمانية رقية الحسنية كإحدى الشابات الرياضيات اللاتي أثبتن حضورهن في مجال رياضة الجري، مقدّمةً نموذجًا في الإصرار والطموح من خلال مشاركتها في السباقات المحلية والدولية، ممثّلةً صورةً مشرّفةً للجهود الرياضية المبذولة في سلطنة عُمان، ومعبّرةً عن قوة وعزيمة المرأة العُمانية.
وقالت الحسنية في حديثٍ لها لوكالة الأنباء العُمانية: «بدأت ممارسة الرياضة خلال فترة علاجي من مرض السرطان والأورام التي أعاني منها كوسيلةٍ للهروب من الأمر الذي أعيشه، دون أي تفكيرٍ بأن تتحوّل إلى هوايةٍ أو احتراف، ومن هنا بدأ شغفي يزداد تدريجيًّا بعد أن وجدت تحسّنًا في صحتي الجسدية والنفسية. ولطالما كنت أعشق متابعة رياضة الجري وكنت أحلم بأن أمارسها، ولكن في تلك الفترة كان أقصى ما أستطيع فعله هو الجري على جهاز المشي في النادي الرياضي، حيث لم أكن أتمكّن من إكمال 1 أو 2 كيلومتر. ومع اكتشاف قدرتي على قطع المسافات الطويلة تحوّل الشغف إلى قرار؛ فلم يعد الجري بالنسبة لي نشاطًا بدنيًّا، بل أصبح رسالةَ كل محارب ووسيلةً لإظهار قوة المرأة العُمانية وقدرتها على تحويل الألم إلى إنجاز. ومن هنا أصررت على خوض التجربة، فسجّلت في أول سباقٍ لي في ماراثون مسقط، وبدأت بمرحلة التدريب اليومي بإشراف مدرّبٍ محترف، ولكن بحكم موعد السباق الذي تحدّد بعد عمليتي دفعني ذلك للبحث عن سباقٍ آخر، لأجد الفرصة في سباق صحار الذي أُقيم قبل موعد العملية بيومين، فخضت من خلاله تجربةً مع صديقتي التي كانت الداعم الأكبر لي في هذه المرحلة.
وأضافت: قرّرت أن أتحدّى نفسي وتمكّنت من إنهاء سباق 10 كيلومترات محقّقةً المركز الرابع على مستوى النساء، وكان إنجازًا استثنائيًّا كوني قطعت مسافةً طويلةً رغم المرض، وبعدها خضعت للعملية الجراحية، وكان للاستعداد البدني والنفسي الذي وفّرته الرياضة أثرٌ واضحٌ في تسريع التعافي والعودة إلى ميادين السباق بإصرارٍ أكبر.

وعن التحدّيات الذهنية، أشارت رقية إلى أن هناك العديد من الأفكار والصراعات التي واجهتها عند اتخاذ القرار في بداية مسيرتها، ومنها كيفية إقناع الجسد بأنه قادرٌ على الصمود في سباقاتٍ تتطلّب قوةً بدنيةً كبيرةً رغم العلاجات المكثّفة، وإعادة بناء الثقة وتخطّي أفكار المجتمع ونظراته وتدخّلاته، وكذلك الصراع الداخلي والألم الذي كانت تشعر به واستبداله بروح المحارب الذي يتفوّق على المرض قبل السباق.
وحول الآراء المجتمعية المتباينة التي واجهتها، أشارت إلى أنها استطاعت الموازنة بين الشغف الرياضي والحفاظ على الهوية والقيم بما يتوافق مع توجه المجتمع في سلطنة عُمان، وهو ما ساعدها على إيصال رسالةٍ مفادها أن الاحتراف الرياضي لا يعني التخلّي عن الثوابت، وأن المرأة العُمانية قادرة على الظهور في المحافل الرياضية بهويةٍ تعكس التزامها بالسمت العُماني. وقد أسهم ذلك في التقليل من حدّة الانتقادات وزيادة تقبّل المجتمع الذي أصبح يدرك أن ممارسة الرياضة أمرٌ مهمٌّ ولا يتعارض مع العادات، ما جعل العدّاءة نموذجًا للقوة والالتزام، وأدّى إلى تشجيع العدّاءات العُمانيات على الظهور في الساحة الرياضية وعلى منصات التتويج.
وتطرّقت إلى الداعمين الحقيقيين الذين كانوا خلفها في لحظات الألم، فبيّنت رقية الحسنية أن الدور الكبير فيما وصلت إليه يعود إلى المدرّب فهد العبري، حيث شكّلت ملاحظاته وتوجيهاته الدائمة دعمًا قويًّا ساعدها في تحقيق عدة مراكز متقدمة في سباقات 10 و5 كيلومترات، منها سباق بدية الصحراوي الذي أحرزت فيه المركز الثاني عام 2023 والمركز الرابع عام 2024، وسباق صحار الذي حصلت فيه على المركز الرابع، وسباق صلالة الذي حصلت فيه على المركز الخامس، كما حصلت على المركز السابع في سباق الركض الجبلي بنزوى. كما كان للعائلة والمؤسسات الرياضية دورٌ كبيرٌ في تذليل العقبات للوصول إلى منصات التتويج؛ فما وفرته لها العائلة من دعمٍ نفسي وثقةٍ بالقدرات أسهم في تلاشي الضغوطات المتباينة، كما ساعدها تشجيعهم المستمر في أوقات التدريبات الشاقة على الإصرار والتقدّم. ومن جانبٍ آخر، لعبت المؤسسات الرياضية في سلطنة عُمان، بتنظيمها الاحترافي المتوافق مع المعايير الدولية، وحرصها على الحماية والخصوصية، ومن خلال منصاتها، دورًا في صقل مواهبها.

وفيما يتعلق بالسباق الذي شكّل نقطة تحوّل في مسيرتها، أشارت إلى أنها شاركت في جميع سباقات سلطنة عُمان، إلا أن سباق العُلا الجبلي يظلّ النسخة الفارقة في مسيرتها؛ فعلى الرغم من إحرازها مراكز متقدمة في سباقاتٍ أخرى، فإن هذا السباق مثّل تحدّيًا لقدرتها على الصمود نظرًا لصعوبة تضاريسه وأجوائه، إذ كان في منطقةٍ جبليةٍ صحراوية. أما فيما يتعلق بلحظة رفع علم سلطنة عُمان، فقد تولّد لديها شعورٌ وطنيٌّ عميقٌ وفخرٌ طغى على مشاعر التعب والإرهاق، إذ إن هذا الشعور لا يقتصر على الإنجاز الشخصي، بل يجسّد الوطن ويعبّر عن إنجاز المرأة العُمانية وقدرتها على العطاء والمثابرة وإثبات نفسها في مختلف الميادين.
وأشارت الحسنية إلى أن الإخفاقات والمواقف الصعبة التي واجهتها في مسيرتها كانت بمثابة اختبارٍ لصمودها وصبرها، وأن التحدّي كان على الصعيدين الجسدي والنفسي، مرورًا بظروفٍ اجتماعية أثّرت على جاهزيتها وأبعدتها مؤقتًا عن التدريب والمنافسات. وأوضحت أن تجاوز هذه المرحلة تطلّب منها وقتًا لإعادة التأهيل وترتيب أهدافها، إلى جانب الاستفادة من الدعم الأسري والإيمان بالقدرة على تخطّي العقبات والعودة بروحٍ أكثر إصرارًا.
وفيما يتعلق بالجدول الزمني لرقية، بيّنت أن التجهيز لبطولةٍ محليةٍ أو دوليةٍ يتطلّب الكثير من التدريبات المكثفة والتغذية الجيدة والراحة البدنية، وأن الأمر يحتاج إلى تخطيط جدولٍ زمنيٍّ دقيقٍ يتماشى مع تقوية العضلات والاستشفاء السريع. كما أوضحت أن الوصول إلى منصات التتويج يقف خلفه الكثير من التضحيات، تمثّلت في الاعتذار عن العديد من المناسبات الاجتماعية، والعزلة في الجري المنفرد، وتكريس العطلات وأوقات الاسترخاء للتدريبات، والموازنة بين العمل والشغف.
وترى رقية أن مستقبل رياضة الجري على المستوى المحلي يعدّ واعدًا ومؤمّلًا، وقد سعت سلطنة عُمان، ممثلةً في مؤسساتها الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني، إلى إطلاق العديد من المبادرات الوطنية لتعزيز مشاركة المرأة العُمانية في القطاع الرياضي واستقطاب العدّاءات العُمانيات ومنحهن ميزةً تنافسيةً. كما تأمل أن تحظى رياضة الجري النسائية باهتمامٍ أكبر، وأن تحظى اللاعبات بالدعم والتأهيل للمشاركة في السباقات الدولية.



