البنية الرقمية للتعليم عن بُعد

في لحظات الأزمات، حين تختل موازين الاستقرار وتضطرب أنماط الحياة، يبرز التعليم بوصفه أحد أكثر القطاعات تأثرًا، وأشدها حاجةً إلى إعادة التكيّف السريع. فالأزمات —سواء كانت صحية أو سياسية أو اقتصادية أو طبيعية— لا تعطل العملية التعليمية فحسب، بل تكشف في عمقها عن مدى مرونة الأنظمة التعليمية وقدرتها على الاستجابة والتحول. ومن هنا، لم يعد التعليم في زمن الأزمات مجرد استمرارية شكلية للدرس، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لكفاءة السياسات، وفاعلية البنية التحتية، وقدرة المؤسسات على الابتكار لضمان استمرارية التعليم.
يبدو التعليم عن بُعد في ظاهره فكرةً بالغة الجاذبية، غير أن جوهره يرتكز على ضرورة توفير بنية تحتية رقمية وتقنية متقدمة ومستدامة، تشمل خدمات اتصال عالية الكفاءة، تتواءم مع متطلبات هذا النمط التعليمي وأبعاده الأيديولوجية.
ولا يمكن بأي حال إغفال ضرورة توفير الأجهزة والتقنيات الداعمة لجميع الطلبة دون استثناء، بوصفها شرطًا أساسًا لتحقيق فاعلية التعليم عن بُعد والوصول إلى أهدافه المنشودة. فتكافؤ الفرص في الوصول إلى أدوات التعلم يمثل حجر الزاوية في بناء نظام تعليمي عادل وكفء، ويُعد خطوة حاسمة نحو تحقيق التميز، والارتقاء بجودة التعليم بما يتسق مع تطلعات رؤية عمان 2040.
غير أن واقع التجربة الفعلية يكشف أن مستوى الجاهزية لا يزال بحاجة إلى مزيد من الجهود والتطوير، خاصة إذا تحولت الممارسة إلى إطار شكلي يركّز على إبراز الحضور والتوثيق في المنصات الإعلامية، دون الالتفات الكافي إلى جودة العملية التعليمية وجدواها. ويزداد هذا التحدي وضوحًا عند الاكتفاء بمشاركة عدد محدود جدًا من الطلبة، الأمر الذي يضعف من تحقيق الأهداف المنشودة، لتعود العملية التعليمية لاحقًا إلى نمطها التقليدي داخل الصفوف عند استئناف الدراسة الحضورية.
منذ جائحة كورونا، تتواصل الدعوات إلى ضرورة توفير متطلبات مواجهة التحديات التي تعيق فاعلية التعليم عن بُعد، غير أن التوظيف الحالي لا يمكن اعتباره تطورًا قياسًا بما كان عليه الوضع قبل ست سنوات؛ بل بحاجة إلى تطوير يلبي احتياجات التعليم، بالشكل الكافي لدعم العملية التعليمية بكفاءة.
يواجه التعليم عن بُعد جملة من التحديات المتشابكة، في مقدمتها ضعف خدمات الاتصال في القرى الجبلية والريفية، وهو ما يحدّ من فرص الوصول العادل إلى التعلم. وتمثل هذه العوامل مجتمعة عوائق حقيقية أمام تحقيق الجاهزية الفعلية لهذا النمط التعليمي. ولعل اللافت أن هذه التحديات ليست وليدة اللحظة، بل سبق أن برزت بوضوح خلال فترة الجائحة.
وبما أن حق التعليم ينبغي أن يكون مكفولًا لجميع الطلبة دون استثناء، يبرز تساؤل جوهري: هل يحقق واقع التعليم عن بُعد في وضعه الحالي هذا الحق بعدالة وكفاءة؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي العمل الجاد على تعزيز البنية الرقمية، من خلال تطوير شبكات الاتصال وضمان شموليتها وجودتها، وتهيئة بيئة تعليمية ملائمة توفر الأجهزة والتقنيات لجميع الطلبة، إلى جانب تأهيل الكوادر التعليمية والطلبة لاستخدامها بكفاءة. كما تبرز أهمية اعتماد تطبيقات دورية للتعليم عن بُعد خلال العام الدراسي، بهدف اختبار الجاهزية وقياس القدرة على التحول السريع وقت الأزمات، ومعالجة أوجه القصور قبل أن تتحول إلى عوائق حقيقية.
بالفعل لازال التعليم الالكتروني ومن ضمنها التعليم عن بعد في سلطنة عمان يعاني من عدم جاهزيته وقصور كبير وخاصة في ظل تفعيل منصة نور.