من مهندس ديكور زراعي إلى خبير التمازج العقلي المهيكل!: هل نعيش عصر التخصصات الوهمية؟

استوقفني أثناء تصفحي لمنصة إنستغرام مقطع عفوي لطفل عبّر فيه ببراءة “أريد أن أكون مهندس ديكور زراعي”، قبل أن يستدرك ويصححها إلى “مهندس زراعي”. قد تمر العبارة على كثيرين بوصفها طرافة لغوية، لكنها في حقيقتها نافذة تربوية ثرية تكشف آليات تشكّل المفهوم، وطبيعة العلاقة بين اللغة والمعرفة، وحدود التأثير الذي تمارسه البيئة السمعية والبصرية في بناء وعي الفرد صغيرا كان أم كبيرا.
فالطفل هنا لم يكن يكرر مصطلحا محفوظا، بل كان يمارس فعلا معرفيا مركبا تمثل في إعادة تركيب الدلالة؛ حيث جمع بين مفردتين مألوفتين لديه “ديكور” و”زراعي” ليبني مفهوما جديدا يبدو – من زاويته – منطقيا، ثم مارس درجة من الوعي الذاتي مكّنته من تصحيح هذا البناء. هذه العملية، في جوهرها، تمثل ما تصفه الأدبيات التربوية بالتعلّم البنائي؛ حيث لا تستقبل المعرفة جاهزة، بل تُبنى عبر التفاعل، والتجريب، والمراجعة.
غير أن المفارقة اللافتة لا تكمن في قول الطفل، بل فيما يقابله في عالم البالغين، فبينما يخطئ الطفل ليبني فهما أدق، نجد لدى بعض الراشدين ميلا متزايدا إلى ابتكار مسميات تخصصية لا تستند إلى إطار علمي راسخ أو ممارسة مهنية يمكن التحقق منها. فظهرت مسميات من قبيل مختص في التمازج العقلي المهيكل ومهندس الفضائيات السوداء وأخصائي تكامل العوالم المتوازية! تعكس هذه الظاهرة الآخذة في الاتساع، تحوّل المسمى من وصف للممارسة إلى بديل عنها.
هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في سخرية لغوية، بل ينبغي قراءتها في ضوء تحولات أعمق؛ فقد أفرزت البيئات الرقمية وثقافة الاقتصاد المعرفي نزعة متنامية نحو التسويق الشخصي، حيث يغدو الاسم – بوصفه علامة – أداة للتميّز وجذب الانتباه، ومع غياب الأطر التنظيمية الصارمة في بعض المجالات الناشئة، تتسع المناطق الرمادية التي تسمح بتوليد مسميات غير منضبطة، لا يُعرف على وجه الدقة ما الذي تشير إليه؟ ولا حدودها المعرفية؟ ولا الأسس التي تستند عليها!
غير أن الإشكال لا يكمن في حداثة المسمى بحد ذاته؛ فالتاريخ المهني والعلمي حافل بتخصصات بدأت غريبة على الأذن، ثم ترسّخت مع الوقت، مثل تصميم تجربة المستخدم وعلم البيانات. غير أن الفرق الجوهري هو أن هذه الحقول نشأت من حاجة واقعية، وتطورت عبر ممارسة تراكمية، واستندت إلى أطر نظرية وأدوات قابلة للتعليم والتقييم، أي أن الاسم جاء لاحقا ليصف واقعا حقيقيا وملموسا، لا ليصنعه من العدم.
هنا يبرز سؤال جوهري كيف نميّز بين الابتكار المفاهيمي المشروع والتضخم اللغوي الذي يفتقر إلى مضمون حقيقي؟ ويمكننا الاقتراب من الإجابة عبر جملة من المعايير الحاكمة التي تكشف طبيعة أي مسمى. أولها وضوح التعريف الإجرائي؛ أي قدرة صاحب المسمى على تحديد ما يقدمه بدقة، ماذا يفعل؟، ولمن؟، وبأي طريقة؟، إذ إن الغموض غالبا ما يكون إشارة إنذار مبكرة. وثانيها السند المعرفي، بحيث يستند المسمى إلى نظريات أو نماذج أو مراجع علمية معروفة، ولا يقوم على ادعاءات عامة أو انطباعات شخصية. ويأتي ثالثا مبدأ قابلية التحقق والتقييم، من خلال وجود مخرجات ملموسة أو نتائج قابلة للقياس، أو شواهد تطبيقية يمكن فحصها وتقويمها. أما المعيار الرابع فهو إمكانية التعلم المنهجي، أي قابلية هذا المجال لأن يُنقل إلى الآخرين عبر برامج أو مسارات تعلم واضحة، لا أن يبقى حكرا على ادعاء فردي يصعب تعميمه. وعند غياب هذه الشروط مجتمعة، فإننا لا نكون أمام تخصص حقيقي، بل أمام ما يمكن وصفه بـمسمى تسويقي هش يستمد حضوره من جاذبية لفظه أكثر مما يستند إلى عمق معرفي أو ممارسة راسخة.
تربويا، تتجاوز خطورة هذه الظاهرة حدود اللغة إلى بناء الوعي المهني لدى الناشئة؛ إذ قد ينشأ الطلاب في بيئة يختلط فيها الحقيقي بالمصطنع، فيفقدون القدرة على التمييز بين التخصص القائم على المعرفة، وذلك القائم على الانطباع، كما قد تتآكل قيمة الجهد العلمي المنهجي لصالح مسارات سريعة تقوم على إعادة تسمية المألوف بألفاظ براقة.
من هنا، تبرز الحاجة إلى دور تربوي واع لا يقوم على مصادرة الإبداع بقدر ما يسعى إلى تقويمه وتأطيره ضمن مسارات معرفية واضحة؛ وهو دور يمكن للمؤسسات التعليمية والمعلمين الاضطلاع به من خلال تنمية مهارات التفكير النقدي لدى المتعلمين، ولا سيما في تحليل المصطلحات وتفكيك المفاهيم، وربط المسميات المهنية بمساراتها التعليمية والتطبيقية بدل الاكتفاء بتداولها الإعلامي، إلى جانب ترسيخ ثقافة السؤال الجوهري ما الذي تفعله فعلا؟ عوضا عن الاكتفاء بسؤال ماذا تُسمّي نفسك؟، فضلا عن تقديم نماذج مهنية واقعية تجسّد العلاقة المتكاملة بين الاسم والمعرفة والممارسة، بحيث يصبح المسمى انعكاسا صادقا لكفاءة حقيقية لا مجرد عنوان جذاب.
وقد يكون الطفل ببراءته أقرب إلى المنهج العلمي من بعض ممن يبتكرون مسميات دون سند، لقد أخطأ، ثم راجع، ثم صحّح! أما حين يسبق الاسم العلمَ، ويتمسك به صاحبه دون مراجعة، فإننا لا نكون أمام إبداع، بل أمام وهم لغوي يتخفى في هيئة تخصص!