كتابٌ يعاين الاستطرادات الثقافيّة في الرّواية العربيّة

عمّان في 6 يوليو 2026 /إشراق/ يقدم الباحث الأردني الدكتور أحمد رحاحلة في كتابه “الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية”، مقاربة جديدة للنقد العربي، من خلال التركيز على جانب أسلوبي وسردي لم يحظَ بالكثير من الدراسات المستقلة، فاتحاً المجال أمام قراءات جديدة تهتم ليس فقط بما تقوله الرواية، بل بكيفية قولها، وبالطرق التي تتشكل بها علاقتها بالقارئ والثقافة والنص.
ويؤكد الناقد المغربي د.سعيد يقطين في تقديمه للكتاب الصادر حديثاً على أن رحاحلة “انفرد بنظره فيما باتت تعرفه الرواية العربية منذ الألفية الجديدة، وما صارت تزخر به من استطرادات ثقافية وزخرفة معرفية”، مشيراً إلى أن الكتاب ينطلق من “تصور دقيق للرواية يبحث فيها عما هو زائد وفائض، ولا يخدم النص الروائي بالطريقة الملائمة التي تجعله نصاًّ جديراً بالقراءة بلا استطرادات زائدة، أو زخرفة معرفية فائضة”.
ويرى يقطين أن خصوصية هذه الدراسة تكمن في تجاوزها القراءات التي تركز على المحتوى المعرفي أو الثقافي الذي ترتبط به الرواية، متجهة إلى فحص طريقة اشتغال هذه العناصر داخل النص، ومدى إسهامها في بناء العمل الروائي وجمالياته، مشيراً إلى أن الباحث أفاد في تحقيق أهدافه من التحليل البنيوي للسرد، ومن جماليات التلقي، لتأتي الدراسة بوصفها مقاربة “سردية-أسلوبية” يمكن أن تشكل مدخلاً إلى تطوير فهم السرد وتحليله من جهة الأساليب التي يقدمها النص الروائي.
وينطلق رحاحلة في كتابه من رؤية ترى أن الرواية جنس أدبي مفتوح على التجريب والتحول، وأن حريتها في استيعاب مختلف الخطابات والمعارف لا تعني غياب الحاجة إلى الوعي الفني، إذ إن نجاح أي تقنية سردية يرتبط بقدرتها على أداء وظيفة داخل العمل الإبداعي، لا بمجرد حضورها أو كثافتها.
ويبحث الكتاب في ظاهرة “الاستطرادات الثقافية” التي أصبحت أكثر وضوحاً في بعض الروايات العربية الحديثة، حيث يلجأ الكاتب إلى إدخال موضوعات معرفية متنوعة مثل التاريخ والفلسفة والفنون والعلوم والأفكار العامة، ضمن النسيج الروائي، وخلا ذلك يركز الباحث على السؤال الأساسي: “متى يصبح هذا الحضور الثقافي إضافة فنية للنص؟ ومتى يتحول إلى فائض يشتت القارئ ويضعف الحركة السردية؟”.
ويتضمن الكتاب ثلاثة فصول، تجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي، يحمل الأول منها عنوان “الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار النظري”، وهو فصل تأسيسي يتناول مفهوم الاستطراد الثقافي من خلال تتبع نشأته ومقارباته النقدية، وينقسم إلى ثلاثة مباحث؛ يرصد الأول مفهوم الظاهرة، ويتابع ظهورها في الرواية، ويبحث في جوانبها الإيجابية والسلبية، وصولاً إلى تحديد مفهوم “الاستطراد الثقافي الروائي”. أما المبحث الثاني فيتناول العلاقة بين دخول أجناس وخطابات مختلفة إلى الرواية وبين ظاهرة الاستطراد الثقافي، موضحاً نقاط التشابه والاختلاف بين المفهومين وتأثير ذلك في تشكيل العمل الروائي. ويتأمل المبحث الثالث العلاقة بين التناص والاستطراد الثقافي، ويبحث في كيفية توظيف النصوص والخطابات السابقة داخل الرواية، ومدى انعكاس ذلك على بناء السرد.
وفي الفصل الثاني يحلل الباحث نماذج روائية مختارة للكشف عن مستويات استخدام الاستطرادات الثقافية. من خلال مبحثين؛ يركز الأول على الأعمال التي نجحت في دمج المعرفة داخل السرد بطريقة تخدم البناء الفني للرواية، أما الثاني فيتناول الحالات التي تتحول فيها المعرفة إلى عنصر زائد أو منفصل عن حاجة النص، بحيث تصبح عبئاً على السرد بدل أن تكون جزءاً من جمالياته.
ويخصَّص الفصل الثالث لدراسة العلاقة بين الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية، ويتناول علاقة الاستطراد الثقافي بثقافة الكاتب ودوره في توجيه هذه العناصر داخل الرواية، كما يبحث في علاقة الاستطرادات بثقافة القارئ وقدرته على استقبال النصوص ذات الحمولة المعرفية، ويُختم هذا الفصل بمبحث يناقش مستوى حضور الثقافة في الرواية العربية بعد مطلع الألفية الجديدة، وعلاقتها بتغيرات الكتابة الروائية وتطور ذائقة القراء.
ويقدم الكتاب في مجمله محاولة لإعادة النظر في العلاقة بين الرواية والمعرفة، بعيداً عن رفض حضور الثقافة داخل السرد أو قبولها بشكل مطلق، إذ يرى أن القضية الأساسية ليست في وجود الاستطراد ذاته، بل في طريقة استخدامه ووظيفته الفنية.


