الانهيار البنيوي للجامعات

لا تبدأ الجامعات بالانهيار عندما تتقادم جدرانها، ولا تتراجع بتراجع ميزانياتها ونقص تمويلها، ولا حتى عندما تغادرها الكفاءات العلمية. فالانهيار الحقيقي يبدأ من مكان لا تلتقطه الكاميرات ولا تقيسه مؤشرات الأداء؛ إنما يبدأ الانهيار عندما تتغير الفكرة التي قامت عليها الجامعة نفسها.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أية جامعة إنما هو فقدان البوصلة الفكرية؛ عندما تتحول الجامعة من مؤسسة تُنتج المعرفة إلى مؤسسة تُدير المعرفة، ومن فضاء تعالج فيه الأسئلة الكبرى إلى مصنع للمخرجات السريعة، فإنها تدخل ما يمكن تسميته بـالانهيار البنيوي؛ ذلك الانهيار الصامت الذي لا يهدم المباني؛ بل يهدم الوظيفة الحضارية للجامعة.

هذه هي الفكرة المركزية التي ينسجها كتاب “الأكاديميا المظلمة: هكذا تموت الجامعات”، إذ يبين أن الأزمة ليست أزمة أفراد أو إدارات؛ بل أزمة بنية كاملة أعادت تعريف معنى الجامعة. فالمشكلة ليست في وجود مؤشرات أداء، ولا في السعي نحو الجودة، ولا في التنافس الدولي، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها هذه الأدوات غايةً بحد ذاتها، ويتراجع الإنسان أمام الرقم، والفكرة أمام المؤشر، والرسالة أمام السوق.ولعل أخطر مظاهر هذا الانهيار أن الجامعة تبدأ في إعادة تعريف ذاتها وفق لغة الاقتصاد لا لغة المعرفة. فالطالب يتحول إلى “عميل”، والأستاذ إلى “منتج”، والبحث العلمي إلى “سلعة”، والجامعة إلى “علامة تجارية”. ومع مرور الوقت، لا يقتصر التغيير على المفردات؛ بل يمتد إلى الثقافة المؤسسية، وإلى طبيعة القرارات، وإلى الأولويات التي تحدد مستقبل التعليم العالي.

وحين تصبح الجامعة أسيرة لهذا المنطق، تبدأ المفارقات المؤلمة في الظهور؛ فيزداد عدد الأبحاث المنشورة، بينما يتراجع أثرها المجتمعي. وترتفع التصنيفات العالمية، بينما يضعف التفكير النقدي لدى الخريجين. وتتوسع المباني الذكية، بينما تضيق المساحات المخصصة للحوار الفكري. إنها حالة من الازدهار الشكلي تخفي في داخلها تآكلًا بطيئًا في جوهر المؤسسة.

إن الانهيار البنيوي لا يعني توقف الجامعة عن العمل؛ بل استمرارها في أداء وظائفها بصورة تبدو طبيعية، بينما تكون رسالتها قد تغيرت بالكامل. وهذا ما يجعل الأزمة أكثر خطورة؛ لأن المؤسسات التي تنهار بصمت يصعب اكتشافها قبل أن يصبح إعادة إصلاحها أكثر كلفة من بنائها من جديد.ويكشف الكتاب أن البيروقراطية ليست مجرد مشكلة إدارية؛ بل أحد أعراض هذا الانهيار. فعندما يقضي الأكاديمي ساعات طويلة في تعبئة النماذج، وإعداد التقارير، والاستجابة لمتطلبات القياس المستمرة، يتقلص الزمن المخصص للقراءة والتأمل والإبداع.

وبمرور الوقت، يصبح الإنجاز الإداري أكثر حضورًا من الإنجاز العلمي، ويصبح الامتثال للإجراءات أهم من إنتاج الأفكار.ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود المؤسسة؛ بل يمتد إلى الإنسان نفسه. فالاحتراق النفسي الذي تعانيه نسبة متزايدة من أعضاء هيئة التدريس ليس ظاهرة فردية، وإنما انعكاس لبنية مؤسسية تُكافئ السرعة أكثر من العمق، والإنتاج الكمي أكثر من الجودة، والتنافس الفردي أكثر من التعاون العلمي.

وعندما يفقد الأكاديمي شغفه، يخسر الطالب قدوته، وتخسر الجامعة أهم رأسمال تملكه.ومع ذلك، فإن نقد هذه التحولات لا يعني رفض التطوير أو التقليل من أهمية التصنيفات العالمية أو معايير الجودة. فالجامعات الحديثة مطالبة بأن تكون كفؤ، وشفافة، وقادرة على المنافسة. غير أن الكفاءة الحقيقية لا تتحقق عندما تصبح الجامعة أكثر قدرة على إنتاج التقارير، وإنما عندما تصبح أكثر قدرة على إنتاج الأفكار، وأكثر تأثيرًا في مجتمعها، وأكثر نجاحًا في بناء الإنسان.ومن هنا تبرز أهمية رؤية عُمان 2040 التي وضعت الإنسان في قلب التنمية، وربطت التعليم العالي بالابتكار، والاقتصاد المعرفي، والاستدامة. وهذه الرؤية تقدم فرصة حقيقية لتجنب كثير من مظاهر الانهيار البنيوي التي شهدتها جامعات عديدة حول العالم.

فالجامعة التي تخدم أولويات التنمية الوطنية، وتحافظ في الوقت نفسه على استقلالها الفكري، وتمنح الأكاديمي مساحة للإبداع، وتربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع، هي جامعة تبني المستقبل بدل أن تكتفي بإدارته.إن الجامعة ليست مؤسسة تمنح شهادات فحسب؛ بل مؤسسة تمنح المجتمع قدرته على التفكير. فإذا فقدت هذه القدرة، فلن تنفعها التصنيفات، ولن تنقذها المباني الحديثة، ولن يعوضها تضخم المؤشرات. فالأمم لا تقاس بعدد جامعاتها، وإنما بما تنتجه جامعاتها من معرفة، وما تبنيه في الإنسان من وعي، وما تغرسه في المجتمع من قدرة على النقد والإبداع.ولعل أخطر ما في الانهيار البنيوي أنه يحدث تدريجيًا، حتى يعتاد الجميع عليه، ويصبح الاستثناء هو العودة إلى الرسالة الأصلية للجامعة.

ولهذا فإن حماية الجامعة لا تبدأ بإصلاح اللوائح أو زيادة الموازنات فحسب؛ بل تبدأ بإعادة طرح سؤال بسيط وعميق في آن واحد: لماذا وُجدت الجامعة؟ فإذا كانت الإجابة هي بناء الإنسان وإنتاج المعرفة وخدمة المجتمع؛ فإن كل سياسة أو ممارسة تُضعف هذه الغاية – مهما بدت ناجحة في ظاهرها – ليست إصلاحًا؛ بل خطوة أخرى في طريق الانهيار.ظاهرة الانهيار البنيوي للجامعات أزمة تتجاوز تراجع الموارد أو ضعف الأداء الظاهري، لتصل إلى فقدان الجامعة لرسالتها الفكرية والحضارية.

ويوضح الكاتب أن أخطر التحولات تحدث عندما تتحول الجامعة من فضاء لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان إلى مؤسسة تحكمها منطقية السوق والمؤشرات الكمية. كما يبرز أثر البيروقراطية وثقافة النشر السريع، والمنافسة الفردية في إضعاف البيئة الأكاديمية. ويؤكد المقال أن رؤية عُمان 2040 تقدم فرصة لإعادة بناء الجامعة بوصفها مركزًا للابتكار والمعرفة والتنمية، شريطة الحفاظ على استقلالها الفكري ودورها المجتمعي

.ReferencesFleming, T. (2021). Dark Academia: How universities die.

Pluto Press.Ministry of Economy. (2021). Oman Vision 2040. https://vision2040.om

د. خالد الشيدي

كاتب بمجلة إشراق العمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *