محميّة المأوى.. نموذجٌ للسّياحة البيئيّة شمال الأردن

عمّان في 20 يوليو 2026 /إشراق/ تمتد محمية المأوى للطبيعة والحياة البرية في أعالي جبال محافظة جرش شمال الأردن، وتعد واحدة من أبرز المبادرات البيئية والإنسانية في المنطقة، حيث تحولت إلى بيت كبير آمن لأنواع الحيوانات التي تعرضت للإساءة أو الإهمال أو الاتجار غير المشروع.

ووسط الغابات الكثيفة التي تشتهر بها مناطق شمال الأردن عموماً، يجد الزائر نفسه أمام تجربة مختلفة، لا تقوم على مشاهدة الحيوانات للترفيه، بل على التعرف إلى قصص إنقاذها، والدور الذي يؤديه الإنسان في حمايتها وإعادة الاعتبار لها.

تأسست المحمية عام 2011 لتكون أول مركز متخصص في الشرق الأوسط لإيواء الحيوانات البرية التي لا يمكن إعادتها إلى الطبيعة، سواء بسبب إصاباتها أو بسبب اعتيادها على الأسْر، وقد جاءت هذه المبادرة استجابة لتزايد حالات اقتناء الحيوانات المفترسة بصورة غير قانونية، واستخدامها في عروض أو احتجازها في ظروف غير إنسانية.

تقع المحمية داخل منطقة حرجية تمتد على مساحة واسعة تتيح للحيوانات العيش في بيئات شبه طبيعية، ويُعد الموقع مثالياً بفضل مناخه المعتدل وغطائه النباتي الكثيف؛ ما يخفف من الضغوط النفسية التي تعرضت لها الحيوانات خلال سنوات الأسْر.

ويشعر الزائر منذ خطواته الأولى داخل المحمية أن هذا المكان يختلف عن حدائق الحيوان التقليدية؛ فالأقفاص الواسعة صُممت لتمنح الحيوانات حرية الحركة، كما أن الهدف الأساسي للمحمية ليس عرض الحيوانات، بل توفير الرعاية البيطرية والنفسية لها، مع تقليل الاحتكاك المباشر بينها وبين البشر؛ التزاماً بالمعايير الصحية المعتمدة في المحميات.

ووراء كل حيوان في “المأوى” حكاية مؤثرة، فهناك أسُود كانت تُربى داخل منازل خاصة، ودِبَبة صودرت من حدائق غير مرخصة، ونمور أُنقذت من السيرك أو من تجار الحياة البرية، وعدد من هذه الحيوانات وصل إلى المحمية وهو يعاني من سوء التغذية، أو إصابات دائمة، أو اضطرابات سلوكية ناتجة عن فترات طويلة من الحبس في أقفاص ضيقة، ويعمل فريق من الأطباء البيطريين وخبراء سلوك الحيوان على إعادة تأهيلها، وتوفير الغذاء المناسب والعلاج المستمر لها، كي تعيش ما تبقى من حياتها بأفضل الظروف الممكنة.

وتعتمد المحمية برامجَ متقدمة للرعاية تشمل الفحوص الطبية الدورية، والتغذية المتوازنة، والإثراء البيئي الذي يهدف إلى تحفيز الحيوانات على ممارسة سلوكياتها الطبيعية. ولا تقتصر الرعاية على العلاج الجسدي، بل تمتد أيضاً إلى الجانب النفسي، حيث تُستخدم وسائل مختلفة لتقليل التوتر والملل، مثل إخفاء الطعام داخل الألعاب أو بين الأشجار، وتشجيع الحيوانات على البحث عنه كما تفعل في بيئتها الطبيعية.

وتلعب المحمية دوراً مهماًّ في نشر الوعي البيئي، إذ تستقبل الطلبة، وتقدم برامج تعليمية تشرح أهمية الحفاظ على الحياة البرية، وخطورة شراء الحيوانات المفترسة أو الاتجار بها، وتنظم جولات إرشادية يتعرف الزوار فيها إلى قصص الحيوانات وظروف إنقاذها؛ ما يترك أثراً عاطفياًّ كبيراً، خاصة لدى الأطفال، ويعزز قيم الرحمة واحترام الكائنات الحية في نفوس الزوار.

وأصبحت “المأوى” خلال السنوات الأخيرة محطة مهمّة ضمن السياحة البيئية في الأردن، إذ يقصدها الزوار من كل مكان، خاصة محبي الطبيعة والحيوانات، وتتميز زيارة المحمية بأنها تجمع بين المتعة والمعرفة؛ فالمشي بين الغابات ومشاهدة الحيوانات في مساحات واسعة يمنح الزائر تجربة هادئة بعيدة عن صخب المدن، وفي الوقت نفسه يعرّفه إلى قضايا حماية البيئة والحياة البرية.

محمود السعيدي

محرر صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *