كلفة التحوّل الاقتصادي.. من يدفع الثمن؟

أكثر من عقد والمنطقة تعيش على وقع حرب باردة لا تعلن عن نفسها صراحة، لكن آثارها تملأ كل شيء، حربٌ لا تُخاض بالجيوش، إنّما بالموازنات وبالمشاريع وبالكلام، في خضم هذا الاستقطاب وجدت دول الخليج نفسها أمام معادلتين لا يمكن الفكاك منهما في آن واحد: المعادلة الأولى خارجية، وتفرضها لعبة النفوذ والردع، فالاستقرار لم يعد يُشترى فقط بالتحالفات، لكن بميزانيات دفاع ضخمة، وبمشاريع كبرى تهدف إلى رسم صورة جديدة في عيون العالم، وهذه الكلفة لا تخضع لمنطق العائد الاقتصادي، إنّما تُدفع تحت بند البقاء.
وفي الوقت نفسه فتحت المعادلة الثانية الداخلية طموح التحول والتنويع والرغبة في اللحاق بعجلة العالم والذي بدوره فرض إنفاقًا غير مسبوق: مدن تُبنى من الصفر، وبنى تحتية تُحدث، وفعاليات تُستضاف بالمليارات، وكل هذا يجري في لحظة تاريخية يتخبط فيها العالم أصلاً في تحديد مستقبل السلعة التي قامت عليها دولٌ لعقود، ألا وهي النفط. وهكذا وجدت الحكومات نفسها بين مطرقة التزامات خارجية لا يمكن التراجع عنها، وسندان طموحات داخلية لا يمكن تأجيلها.
النتيجة المنطقية لهذا الاستنزاف المزدوج كانت واحدة، وهي نقل الكلفة إلى الطرف الأضعف في المعادلة: المواطن، فقد بدأت القصة بضرائب غير مباشرة، ثم برسوم، ثم بإعادة تسعير للطاقة والخدمات، وكان التبرير دائمًا هو سد العجز،وترشيد الدعم، لكن ما حدث على أرض الواقع كان انكماشًا في القوة الشرائية، وركودًا في الأسواق التي تعتمد على المستهلك المحلي، والأخطر منهما أن كثيرًا من القرارات التشريعية والرقابية التي صدرت لاحقًا جاءت وكأنها لا ترى هذا الانكماش، فجاءت لتزيد العبء بدل أن تخففه، فاتسعت الفجوة بين نص القانون وواقع الناس.
وإذا استمرت الأمور على هذا المنوال فإن ملامح المستقبل القريب تكاد تكون واضحة، سنرى دولة تتحول تدريجيًا إلى دولة جباية الأموال، فكلما تراجع النفط ظهر تشريع مالي جديد، وسنرى اقتصادًا يزداد هشاشة مع استمرار خروج مبالغ ضخمة عبر التحويلات، ومع بقاء قطاعات حيوية كالصحة والتعليم تعتمد على الخارج فتستنزف الداخل، ومع الوقت سيتآكل العقد غير المكتوب بين الدولة والمجتمع، ليس بسبب رفض الناس للتنمية، إنما بسبب شعورهم بأنهم يدفعون فاتورة لا يرون مقابلها.
والحقيقة أن هذا المسار ليس قدرًا، فالحل لا يبدأ بفرض ضريبة جديدة، إنّما يبدأ بإرادة سياسية تقرر التأقلم. والتأقلم هنا يعني شيئين: الأول هو إعادة ترتيب الأولويات بجرأة، أي الانتقال من منطق المشاريع العملاقة والدعاية إلى منطق الخدمات الأساسية التي تمس حياة الناس اليومية، والثاني هو حماية الاقتصاد المحلي من الاستنزاف، وذلك لا يتم إلا بتخفيف الضغط المالي عن كاهل المواطن والمنشآت الصغيرة حتى تعود العجلة الاقتصادية للدوران، وبإيقاف استنزاف الوظائف في القطاعات السيادية، فلا يعقل أن ننفق المليارات على التعليم والصحة ثم نترك خريجينا عاطلين، ونستقدم من الخارج بأموال تخرج ولا تعود.
إن مستقبل المنطقة لن يقرره سعر برميل ولا مؤتمر دولي، سيقرره قرار داخلي مؤلم لكنه ضروري، فإما أن نستمر في تحميل المواطن كلفة نموذج وصل إلى حدوده، حتى نصل إلى نقطة لا عودة فيها، وإما أن نختار اليوم طريق التأقلم ورفع اليد عن جيب المواطن، وإعادة بناء العلاقة على أساسات جديدة.
