متطلبات تعزيز رفاهية المعلم العماني في ضوء تحولات الممارسة المهنية

يشهد قطاع التعليم المدرسي في سلطنة عُمان مرحلة إعادة تشكيل جوهرية تهدف إلى مواكبة التحولات المعرفية المعاصرة وتحديات الثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي، انتقالاً من الأنماط التلقينية الكلاسيكية إلى نماذج التعلم النشط وتوطين الابتكار. ويتوافق هذا التحول مع التوجهات الاستراتيجية لأولوية “التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية” ضمن وثيقة رؤية عُمان 2040، التي جعلت من بناء منظومة تعليمية ذات جودة عالية مدخلاً حاسماً لبناء اقتصاد المعرفة. وفي هذا المضمار، يبرز المعلم بوصفه المحرك الفعلي وحجر الزاوية لأي إصلاح مؤسسي منشود، وهو ما تجلى في التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في خطابه التاريخي، حينما أكد: «إن الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار سوف يكون في سلم أولوياتنا الوطنية، وسنمده بكافة أسباب التمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناؤنا من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة» (مجلس التعليم، 2020). ومن هذا المنطلق الفكري، تتجاوز رعاية المعلم حدود التكريم الرمزي لتغدو متطلباً تنموياً يرتبط مباشرة بمفاهيم الرفاه الوظيفي والاستقرار النفسي والمهني (وزارة التربية والتعليم، 2022).

وقد أرست وزارة التعليم عدداً من المبادرات النوعية الرامية إلى تحسين المناخ التعليمي، تمثلت في توفير غرف مهيأة ومستقلة للمعلمين مزودة بالأجهزة والوسائط التقنية التي تدعم التحضير والإدارة الصفية الرقمية، وبذل جهود تنظيمية مستمرة لتسريع تقريب الكوادر التدريسية من مقار سكناهم عبر لجان التنقلات (وزارة التربية والتعليم، 2023). يضاف إلى ذلك إدراج الحقل التربوي ضمن منظومة قياس الأداء الفردي والتمكين المؤسسي (إجادة)، وتفعيل مسابقات الإجادة التربوية لتحفيز المبادرات وتكريم الإنجازات المتميزة، مما يعكس توجهاً مؤسسياً لتأصيل ثقافة الجدارة والتقدير داخل المنظومة التعليمية.

غير أن تعميق التحول التعليمي يقتضي اليوم الانتقال من الحلول الإجرائية الجزئية إلى معالجات بنيوية شاملة تمس عمق الرفاه الوظيفي والاجتماعي للمعلم؛ ذلك أن ثنائية الأداء والإنتاجية التربوية تظل رهينة بمدى شعور المعلم بالعدالة المكانية والأمان المالي والتوازن الحياتي (الحوسنية وآخرون، 2021). وتأسيساً على هذا المنظور، تبرز حزمة من المداخل التطويرية الضرورية لتعزيز رفاهية الكادر التدريسي.

منها ابتكار نموذج رقمي لتوزيع وتنقلات المعلمين يرتكز على تقنيات التحليل الجغرافي وخوارزميات التوفيق المكاني. إن ظاهرة الاغتراب المناطقي وما يصاحبها من تنقلات شاقة عبر المحافظات لا تستنزف ميزانية المعلم فحسب، بل تُهدر طاقته الذهنية والبدنية في مخاطر الطرقات، مما يرفع من معدلات الإجهاد النفسي. ومن ثمّ، فإن حوكمة هذا المسار وتطبيق معايير تفضيلية مرنة للاستقرار المكاني، وتقديم بدلات انتداب واغتراب عادلة لمن يخدمون في المناطق البعيدة، يشكل ضمانة للاستقرار الأسري والصفاء الذهني.

أضف إلى ذلك مراجعة البنية التشريعية والمالية المرتبطة بالمسار الوظيفي، وتحديث سلم الرتب والوظائف التعليمية ليتماشى مع متطلبات الاحتراف التخصصي. ويتطلب ذلك صياغة معالجات جذرية لملف استحقاقات الترقيات الوظيفية المتأخرة التي أثرت تراكمياً على المسارات المعيشية لشريحة واسعة من المربين، جنباً إلى جنب مع مراجعة بدلات التدريس والإشراف وإعادة تخطيط علاوة طبيعة العمل؛ بما يعكس واقع التضخم والأعباء المضافة الناتجة عن المناهج الحديثة ومتطلبات جودة التعليم، ويمنح الكفاءات التدريسية شعوراً بالتقدير المجزي لنبل مهمتهم ورسالتهم الوطنية.

كذلك الارتقاء بجودة الحياة اليومية داخل البيئة المدرسية من خلال معالجة متطلبات الرعاية الجسدية والغذائية. إن المعلم يقضي ساعات ممتدة في البذل والشرح والتوجيه، وفي ظل غياب منظومة غذائية متخصصة، يضطر كثير من المعلمين إلى مغادرة المدارس أثناء فترات الاستراحة أو الاعتماد على مقاصف متواضعة لا تلبي الاحتياجات الصحية. ومن هنا، يبرز مقترح إبرام شراكات استراتيجية بين وزارة التعليم ومؤسسات الضيافة والتغذية لتوفير وجبات غذائية صحية ومتوازنة بأسعار رمزية مدعومة داخل استراحات المعلمين؛ مما يحفظ كرامة المربي، ويوفر وقته وتركيزه، ويحد من مشتتات الخروج من المبنى المدرسي خلال ساعات الدوام الرسمي.

أضف إلى ذلك تحصين الصحة النفسية وخفض الهدر الإداري عبر تخليص المعلم من المهام المكتبية والبيروقراطية وتفريغه لمهمة التعليم الخالص، مع تأسيس مراكز استشارية مهنية تُعنى بمكافحة الاحتراق النفسي، بما يُشيع مناخاً تنظيمياً إيجابياً محفزاً للابتكار والعطاء الصفي (اليونسكو، 2021).

إن رفاهية المعلم العماني لا تمثل ترفاً أو استحقاقاً هامشياً في حسابات التنمية، بل هي الاستثمار الوطني الأكثر جدوى واستدامة لصناعة جيل قادر على المنافسة والمبادرة؛ فالأفكار الملهمة لا تصنعها إلا عقول مستقرة، والمدارس الرائدة لا تبنيها إلا سواعد تشعر بالأمان والتقدير والكرامة الإنسانية والمهنية.

المراجع

الحوسنية، هدى، والمعمرية، ريا، والبلوشي، عبد الله. (2021). الاحتراق النفسي وعلاقته بالرضا الوظيفي لدى معلمي مدارس التعليم الأساسي في سلطنة عُمان. المجلة الدولية للأبحاث التربوية، 45(2)، 112–145.

مجلس التعليم. (2020). الخطاب الأول لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- حول قطاع التعليم. سلطنة عُمان.

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”. (2021). المعايير الدولية للتنمية المهنية ورفاه المعلم: نحو بيئات عمل تربوية ممكنة ومستدامة. مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية.

وزارة التربية والتعليم. (2022). التقرير السنوي لإحصاءات ومؤشرات التعليم المدرسي 2021/2022. سلطنة عُمان.

وزارة التربية والتعليم. (2023). دليل حركة تنقلات أعضاء الهيئة التدريسية والوظائف المرتبطة بها للعام الدراسي 2023/2024. المديرية العامة للشؤون الإدارية، سلطنة عُمان.

وزارة الاقتصاد. (2020). وثيقة رؤية عُمان 2040: دليل التوجهات الاستراتيجية للأولويات الوطنية. سلطنة عُمان.

د. خالد الشيدي

كاتب بمجلة إشراق العمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *