لماذا تستهدف عُمان اليوم؟

عُمان ليست دولةً عابرة في صفحات التاريخ، ولا وطنًا تشكل حضوره على هامش الأحداث؛ إنها دولةٌ ضاربة الجذور، صنعت عبر قرونٍ من التاريخ والحضارة الشخصية العمانية الراسخة، ونسجت من موقعها الجغرافي وانفتاحها على العالم حضورًا تجاوز حدود المكان، فقد عرفت عُمان منذ زمنٍ بعيد أن قوة الدولة لا تُقاس بما تملكه من أدوات القوة فحسب، وإنما بقدرتها على حماية استقلالها، وصون مصالحها، وبناء علاقاتها مع الآخرين على أساس الاحترام المتبادل، ومن هذا الإرث تشكلت دولةٌ تعرف قيمة موقعها، وتحافظ على هويتها، وتدرك أن المكانة الحقيقية لا تُنتزع بالصخب، وإنما تُبنى بالتاريخ والمواقف والثبات.
فالسياسة العمانية تمثل امتدادًا طبيعيًا لهذا الإرث؛ فحين تتعقد الأزمات، لا تتقدم بمنطق التصعيد، وإنما بمنطق الحكمة وحسن تقدير العواقب، وحين تضيق مساحات الحوار، تحرص على إبقاء أبوابه مفتوحة، وتتمسك باستقلال قرارها واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، إن عُمان لا تحتاج إلى رفع صوتها لتثبت مكانتها؛ فتاريخها يشهد، وحكمتها تمنحها حضورًا يزداد وضوحًا كلما اشتدت الأزمات من حولها.
لذا لا تنظر عُمان إلى الأحداث بمنطق اللحظة العابرة، ولا تسمح لاختزال الزمن أن يختزل مواقفها أو يحدد خياراتها، فالدول الراسخة لا تُدار بردود الأفعال، ولا تُقاس مواقفها بارتفاع الأصوات، وإنما بقدرتها على قراءة المشهد، واستيعاب تعقيداته، وحماية مصالحها دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية والسياسية.
ومن هذه الرؤية تتشكل إحدى دعائم الوحدة الوطنية العُمانية؛ فحين يكون الوطن حاضرًا في وعي أبنائه، تصبح محاولات التأثير في تماسك المجتمع أقل قدرة على النفاذ إلى وعيه، وفي زمن تتعدد فيه المنصات الإعلامية وتتسارع فيه صناعة الأخبار والمواقف، لم تعد المعركة الحقيقية في امتلاك المعلومة فحسب، وإنما في القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين النقد الموضوعي ومحاولات التشويه، وبين الخبر الذي يُنقل كما هو والمعلومة التي يعاد تشكيلها لخدمة اجندة سياسية خارجية.
فلم تعد المعارك اليوم تُحسم في ميادين السياسة وحدها، بل امتدت بسطوتها إلى الفضاء الرقمي والإعلامي، حيث تُدار حرب ناعمة لتزييف الحقائق، وصياغة روايات مظللة، وصنع انطباعات وهمية تستهدف وعي المواطن العُماني بشكل مباشر قبل أن تستهدف موقف الدولة، بغية التأثير في مكانة عُمان الراسخة ودورها التاريخي المتوازن.
تخوض عُمان اليوم وسط تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي معركة كبرى، إثر ما تتعرض له من حملة إعلامية صهيونية مغرضة، يتكامل معها للأسف إعلام عربي مُخطط له، ضمن أجندات سياسية وأمنية خبيثة تستهدف النيل من ثوابت سياستها الخارجية، وزعزعة التفاف مواطنيها حول قيادتهم ووطنهم.
إن ما تتعرض له عُمان اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو أمرٌ طبيعي وممنهج، ومخطط له بعناية؛ فمواقفها الراسخة ودورها الريادي البارز في تحقيق الاستقرار السياسي والعسكري في المنطقة، ودعمها الثابت والراسخ للقضية الفلسطينية العادلة، وموقفها الثابت الذي يرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، كلها ثوابت شكلت شوكة في حلق أعداء الأمة.
هذا التوجه السيادي والاستقلال التام في القرار الخارجي لم يرضِ الصهاينة ومن دار في فلكهم، فشرعوا في حياكة الخطط واستهداف سلطنة عُمان، قيادةً وسياسةً ومواطنين، ضمن حملة شعواء وحاقدة، وأمام هذه النوايا المكشوفة والأجندات الخبيثة، لم يعد الوعي خياراً، بل ضرورة حتمية؛ إذ تقتضي المرحلة منا قدراً أضاعف من الحكمة والتبصر لقراءة ما تبطنه تلك الحملات، وإدراك أبعادها الحقيقية، لنفشل مرادهم بوعي يزداد صلابة ومواقف راسخة في سبيل الحفاظ على مكانة عُمان ووحدتها.
ولأن السياسة لا تنتهي عند حدود غرف القرار، فإن معركة الوعي تصبح جزءًا من معركة الوطن، ففي زمن المنصات المفتوحة، قد تتحول المعلومة المجتزأة إلى حقيقة في أذهان البعض، وقد يصبح تكرار الرواية بديلًا عن التحقق منها، وقد يُدفع المواطن إلى اتخاذ موقف قبل أن يعرف أصل القضية أو سياقها، وهنا لا يكون الخطر في وجود رأي مختلف، فاختلاف الآراء أمر طبيعي، وإنما في أن يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين النقد والتضليل، وبين الاختلاف المشروع ومحاولات صناعة صورة ذهنية لا تستند إلى الحقيقة.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للرصانة الوطنية: أن ندرك أن بعض المواقف لا تُقاس بنتائجها العاجلة، وأن بعض المبادئ لا تُختبر في أوقات الرخاء، وإنما في لحظات الضغط، وحين تختار الدولة أن تحافظ على استقلال قرارها، وتحترم سيادة الآخرين، وترفض أن تكون طرفًا في الاعتداء على أي دولة، فإن مسؤولية المواطن ليست أن يشرح العالم لعُمان، بل أن يفهم عُمان أولًا؛ أن يعرف لماذا اختارت هذا الطريق، ولماذا تتمسك به، ولماذا قد يكون الصمت في لحظة ما أكثر حكمة من الانخراط في صراع لا يخدم الوطن؟
إن شموخ عُمان لا يصنعه صخب المواقف، وإنما يصنعه ثبات المبدأ، ورصانة المواطن لا تظهر عندما تتفق الأصوات من حوله، وإنما عندما تتعدد الأصوات ويظل قادرًا على أن يفكر، ويتثبت، ويميز، ثم يقف حيث يرى أن مصلحة وطنه ومبادئه تستحق أن تُصان، فحين يشتد اضطراب الخارج، يصبح اتزان الداخل قوة، وحين تتسابق المنصات إلى تشكيل الوعي، يصبح المواطن الواعي خط الدفاع الأول عن الحقيقة.




