العمل الوطني لا يتحقق بالأمنيات

تحدث أحد المسؤولين في أحد اللقاءات عن إشكالية وطنية في القطاع الذي يشرف عليه، وأشار إلى أن المعالجة التي تمت لهذه الإشكالية لم تتجاوز نحو 10%، مع تأكيده في الوقت ذاته أن المشكلة تؤثر بصورة كبيرة في مستوى الخدمة التي تقدمها المؤسسة، وأنها ليست مشكلة طارئة أو وليدة اللحظة، وإنما تعود إلى لفترة زمنية طويلة، بل إن مؤشراتها ظلت في تنامٍ مستمر خلال السنوات الماضية، ومع ذلك، جاءت الخلاصة في صورة أمنية مفادها أن هناك أملًا في أن تتم معالجة المشكلة خلال الفترة القادمة. وربما تبدو هذه العبارة في سياقها الطبيعي تعبيرًا عن التفاؤل، لكنها من زاوية الفكر القيادي تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة المسؤولية، وحدود دور القيادة، والفرق بين أن يتمنى المسؤول معالجة المشكلة وأن يقود فعليًا عملية معالجتها.

المسألة هنا ليست في كلمة “نتمنى” بحد ذاتها، فالأمنيات جزء من طبيعة الإنسان، والتفاؤل بالمستقبل أمر إيجابي، ولكن الإشكالية تبدأ عندما تصبح الأمنية بديلًا عن الفعل القيادي، وعندما تتحول المشكلات الممتدة لسنوات إلى موضوعات نعيد الحديث عنها في كل مناسبة، ثم نكتفي بالإشارة إلى أن المستقبل قد يحمل لها حلًا.

فالمؤسسات لا تُدار بالأمنيات، ولا تُعالج تحدياتها الكبرى بانتظار أن تتغير الظروف من تلقاء نفسها، وإنما تُدار بالفكر الاستراتيجي، والقرار، والتخطيط، وتحديد المسؤوليات، وتوفير الموارد، ومتابعة التنفيذ، وقياس النتائج، وكلما كانت المشكلة أكثر تأثيرًا في المجتمع، كان واجب القيادة أن تكون أكثر وضوحًا في تشخيصها، وأكثر جرأة في طرح بدائلها، وأكثر قدرة على تقديم مسار عملي لمعالجتها.

وهنا تحديدًا ينبغي أن نعيد النظر في مفهوم الفكر القيادي داخل مؤسساتنا، فالقيادة ليست أن يكون المسؤول حاضرًا في المشهد، أو أن يمتلك القدرة على الحديث عن التحديات، أو أن يشرح للمجتمع أسباب استمرار المشكلة، وإنما جوهر القيادة أن يمتلك المسؤول القدرة على الانتقال من الحديث عن المشكلة إلى صناعة الحل، فالمسؤول الذي يعرف أن مشكلة ما تؤثر بصورة كبيرة في الخدمة، ويعرف أنها مستمرة منذ أكثر من عقد، ويعرف أنها تتنامى، يفترض أن يكون قد انتقل منذ وقت طويل من مرحلة التشخيص إلى مرحلة بناء السيناريوهات والحلول.

إن المسؤول الناجح لا ينبغي أن ينتظر من المجتمع أن يقتنع بالأمنيات، بل عليه أن يقدم له طرحًا استراتيجيًا يبعث على الثقة، والمجتمع اليوم لم يعد يكتفي بأن يسمع أن المشكلة معروفة، أو أن الجهات المختصة تعمل عليها، أو أن هناك جهودًا تبذل، وإنما يريد أن يعرف: ما حجم المشكلة؟ وما أسبابها؟ وما البدائل المطروحة؟ وما الذي يمكن تنفيذه الآن؟ وما الذي يحتاج إلى قرار حكومي؟ وما الموارد المطلوبة؟ وما المدة الزمنية المتوقعة؟ وما نسبة الإنجاز التي يمكن قياسها؟ ومتى يستطيع المواطن أن يرى أثر هذه المعالجة في الخدمة التي يحصل عليها؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا إعلاميًا، وإنما هي جوهر العلاقة الحديثة بين المؤسسة والمجتمع، وهي جزء من المسؤولية القيادية والشفافية المؤسسية.

أما أن تبقى المؤسسة سنوات طويلة وهي تعرف المشكلة، وتعرف آثارها، وتعرف أنها تتنامى، ثم تظل المعالجة محدودة، فهذا يعني أن هناك خللًا ينبغي أن يُبحث في منظومة صناعة القرار نفسها، فالمشكلة في هذه الحالة قد لا تكون في غياب المعرفة، وإنما في غياب القدرة على تحويل المعرفة إلى قرا، وقد لا تكون في عدم وجود الخطط، وإنما في ضعف القدرة على تحويل الخطط إلى برامج تنفيذية، وقد لا تكون في نقص الإمكانات وحده، وإنما في عدم القدرة على تحديد الأولويات والتفاوض عليها ورفعها بصورة تجعل متخذ القرار أمام خيارات واضحة.

والقيادة الوطنية في المؤسسات لا تقاس بعدد التصريحات أو الاجتماعات أو الخطط التي يتم إعدادها، وإنما تقاس بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس وفي مستوى الخدمات التي تقدم لهم، فالمسؤول الذي يقود قطاعًا خدميًا إنما يقود جزءًا من منظومة العمل الوطني، وكل قصور مزمن في الخدمة لا ينبغي أن يتحول إلى أمر اعتيادي بحكم مرور الزمن، فالسنوات لا تجعل المشكلة طبيعية، وتكرارها لا يجعلها مقبولة، ومعرفة المجتمع بها لا تعفي المؤسسة من مسؤولية معالجتها، بل إن استمرار المشكلة لسنوات طويلة ينبغي أن يرفع مستوى الاستنفار القيادي تجاهها.

إننا بحاجة إلى أن ننتقل في ثقافتنا الإدارية من ثقافة تبرير الواقع إلى ثقافة صناعة المستقبل، فالمسؤول لا ينبغي أن يكون أسيرًا للظروف، بل عليه أن يبحث عن المساحة التي يستطيع من خلالها التأثير والتغيير، وإذا كان جزء من الحل خارج صلاحياته، فإن مسؤوليته لا تنتهي عند هذه النقطة، وإنما تبدأ منها؛ بأن يقدم دراسة متكاملة، وخيارات واضحة، وتقديرًا للموارد، وأثرًا متوقعًا، وجدولًا زمنيًا، ثم يضع القضية أمام صانع القرار بصورة تجعل اتخاذ القرار ممكنًا ومدروسًا، أما أن تبقى المشكلة معلقة بين مؤسسة ترى أنها لا تملك الحل، وجهة أخرى لا يصلها تصور واضح للحل، فإن المواطن هو من يدفع ثمن هذه الفجوة.

ولهذا فإن القضية ليست في أن نقول: “نتمنى أن تتم معالجة المشكلة في الفترة القادمة”، وإنما أن نمتلك الشجاعة لنقول: هذه المشكلة، وهذه أسبابها، وهذه خطتنا لمعالجتها، وهذه احتياجاتنا، وهذا جدولنا الزمني، وهذه مؤشرات نجاحنا، وسنعود إلى المجتمع بما تحقق.

فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الأمنيات بقدر ما يحتاج إلى عقول تخطط، وقيادات تقرر، ومؤسسات تنفذ، ونتائج يلمسها المواطن، والعمل الوطني الحقيقي لا يتحقق بما نأمله للمستقبل، وإنما بما ننجزه اليوم من أجل أن يكون المستقبل أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *