“رمادة”.. رواية تنسج من الطبيعة السّاحرة ذاكرة للوجع

الجزائر في 12 أكتوبر 2026 /إشراق/ يحاول الكاتب الجزائري، رابح بوشارب في روايته الصّادرة تحت عنوان “رمادة”، عن دار إسكرايب للنشر والتوزيع بالجزائر، الأخذ بيد القارئ إلى عالم سرديّ تتجاور فيه الطبيعة السّاحرة مع هشاشة الإنسان، وتتحوّل الأمكنة إلى ذاكرة نابضة بالأسرار، فيما تتقاطع الحكايات بين الحب والجراح، وبين جمال الحياة وقسوة ما تخبّئه القلوب.

ولا يبدو المكان في “رمادة”، مجرّد فضاء تجري فيه الأحداث، بل يتحوّل إلى شخصية قائمة بذاتها؛ حيث تتعانق فيه البساتين مع مجرى الوادي، وتنسكب شمس المساء على الحقول الخضراء، فيما يُرخي جبل “السّماء” ظلاله على قرية تتنفس تفاصيلها بين سكون الطبيعة وحركة البشر. وهناك، تتشكل صورة عالم ريفيّ يفيض بالجمال، وتطلُّ من بين تفاصيله عيونُ القرويّات وملامح الحياة اليومية، في مشهد يشي بصفاء ظاهريّ يُخفي وراءه الكثير من الحكايات.

وبلغة تنزع إلى الشّعرية، ينسج الروائيّ رابح بو شارب عالمًا روائيًّا تتداخل فيه رومانسية المكان مع وجع الإنسان؛ فمع سمر الليالي، وصوت الناي الطويل الذي يشقُّ صمت القرية، تتقدّم الحكاية في إيقاع شجيّ، لتكشف عن قلوب أنهكها الانتظار، وأرواح تبحث عن خلاصها في الحب، بينما تظلُّ الجراح القديمة حاضرة في تفاصيل الشخصيات ومصائرها.

وتظهر الطبيعة في الرواية أكثر من خلفية جماليّة؛ فهي مرآة عاكسة للمشاعر الإنسانية، تتبدّل ألوانُها وإيقاعاتها كلّما تبدّلت أحوالُ الشّخصيات؛ فالربيع، والبساتين، والوادي، والجبال، والليالي الحالمة، كلُّها عناصر تتضافر لصناعة مناخ سرديّ يستحضر دفء الذاكرة ومرارة الفقد، ويمنح الحكاية بُعدًا وجدانيًّا عميقًا.

ومن خلال هذا التداخل بين الهيام والجراح، وبين جمال المكان وانكسارات الإنسان، يُقدّم الكاتب نصًّا روائيًّا يراهن على اللُّغة والصُّورة والإحساس، ويمنح القارئ فرصة للغوص في عوالم تتجاوز الحكاية المباشرة نحو أسئلة الحب والذاكرة والانتماء ومصير الإنسان أمام ما يخبئه له الزمن.

“رمادة” ليست مجرّد رحلة في جغرافيا ريفيّة آسرة، وإنما هي رحلة في أعماق القلوب أيضًا، رحلة تبدأ من المكان، لكنّها سرعان ما تقود إلى الإنسان، حيث تختبئ خلف الهدوء الظاهري حكايات من الشوق والانكسار والأمل.

وبين نغمات الناي، وهدوء المساءات، وعبق البساتين، يفتح رابح بو شارب للقارئ نافذة على عالم روائيّ تتجاور فيه الشّاعرية مع السّرد، والجمال مع الألم، والحب مع الذاكرة، لتبقى “رمادة” فضاء مفتوحًا للتأمل في الإنسان حين يبحث عن الحب وسط رماد الجراح.

محمود السعيدي

محرر صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *