“صحوة الأحلام”.. إعادة التدوير حين تتحول إلى فعل إبداعي

عمّان في 12 أكتوبر 2026 /إشراق/ يقدم معرض “صحوة الأحلام” المقام على جاليري جودار في عمّان، مفهومًا جديدًا لإعادة التدوير الفني، من خلال استثمار أغراض وأدوات فقدت وظيفتها الأصلية ومنحها أدوارًا جديدة عوضًا عن تركها عرضةً للإهمال.

تتسم الأعمال المعروضة بجمالياتها، سواء لجهة الملمس أو اللون أو حتى التكوين، وبهذا المعنى تتحول إعادة التدوير إلى فعل إبداعي، يبدأ باختيار المادة، ثم تفكيكها أو تحويرها أو إعادة تركيبها، ثم إكسابها معنى جديدًا.

ويتميز المعرض بالتنوع الكبير في الخامات وطرق معالجتها، وفي الوقت نفسه التحرر من حدود الخامات الفنية الجاهزة، فقد يحتفظ العنصر المستعمل ببعض صفاته القديمة، وقد يفقدها بالمعالجة، كما يدخل في علاقة جديدة مع عناصر أخرى تتبدل معها وظيفته البصرية وطريقة استقباله، وفي هذا السياق قد تتحول آثار الزمن والاستعمال من علامات تلف إلى جزء من البناء الجمالي للقطع الفنية.

وجاءت الألوان لتكون عنصرًا جامعًا لتلك العناصر متباينة المصدر، مبرزةً التناقض فيما بين الأشكال، ولافتة انتباه المشاهد إلى بؤر بصرية محددة. وفي بعض الأعمال تركت الألوان الأصلية للخامات على حالها، مستفيدة من التنوع البصري الذي يحمل ذاكرة المادة وطبيعتها.

وكشف اختلاف ملمس الأسطح وطبقاتها عن حسّ فني عميق؛ فالسطح الخشن يختلف عن الأملس في أثره، والمادة الصلبة تفرض إمكانات غير التي تتيحها المادة الليّنة أو القابلة للطي، وبتنظيم هذه الفروق تبني الفنانات علاقات بين العناصر، وإيقاعات بصرية قوامها التكرار أو التباين أو التدرج.

أما التكوين فقد جمع هذه العناصر في وحدة متماسكة، فتوزيع الخامات، وأحجام العناصر، والمسافات بينها، والعلاقة بين الكتل والفراغات، تضافرت معًا في تحديد الكيفية التي يستقبل بها المشاهد العمل.

وتتجه مجموعة من أعمال المعرض الذي يستمر حتى 20 أكتوبر الجاري نحو التجريب، لأن الخامات التي اشتغلت عليها الفنانات المشاركات لم تُصنع في البدء لتستخدم في إنتاج أعمال فنية، لذلك تفتح المجال أمام الفنان للبحث عن طرق مبتكرة في التشكيل والتركيب والتثبيت والمعالجة، وقد تنطلق العملية من اكتشاف غير متوقع في المادة ذاتها، أو من تصور مسبق تسعى الفنانات إلى تحقيقه بما هو متاح، وفي الحالتين تتشكل العلاقة بين الفكرة والخامة عبر سلسلة قرارات لا تظهر إلى في النتيجة النهائية لما سيكون عليه العمل.

ويتكئ هذا الاشتغال على بعد مفاهيمي، حيث يعيد النظر في الحد الفاصل بين الفن والحياة اليومية، فالأشياء التي ألفناها بوظائفها المحددة قد تتحول إلى موضوع للتأمل متى انتقلت إلى سياق فني، وعندئذ لا يبقى العمل شكلًا جديدًا لمادة قديمة، بل يصبح اقتراحًا بصريًّا يدعو المتلقي إلى مراجعة أحكامه المسبقة، وإلى التفكير فيما تخبّئه المواد التي تبدو منتهية الصلاحية أو بلا جدوى من إمكانيات جمالية لا حدود لها.

وبهذا الفهم، يقدّم عنوان “صحوة الأحلام” مدخلًا يتناغم مع فكرة التحول التي يقوم عليها المعرض؛ فالصحوة انتقال من السكون إلى الفعل، ومن الإهمال إلى الحضور، ومن مادة خرجت من دورة الاستهلاك إلى عنصر يكتسب قيمة جديدة داخل العمل، والأحلام هي مساحة الاحتمالات التي تفتحها المخيلة، وقدرة الفنانات على تصور ما قد تصير إليه الأشياء بدل الاكتفاء بما كانت عليه في السابق.

يذكر أن الفنانات المشاركات في المعرض هن: أمل صبح، وداليا علي، ورائدة شاهين، ورنا الصفدي، وريم خضر، وشيرين العوران.

محمود السعيدي

محرر صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *