السيدة الجليلة عهد البوسعيدي: المرأة العُمانية شريكة في صناعة المجد

إن قيمة الكلمات في المناسبات الوطنية بما تحمله من عبارات التهنئة والتقدير، ليس فقط بما تفتحه من آفاق للتفكير، وإنما بما تكشف عنه من رؤية للإنسان والوطن والمستقبل، فالكلمة التي تستحق التأمل هي تلك التي لا تكتفي بوصف ما تحقق، بل تستنطق التجربة، وتضيء ما وراء الإنجاز، ومن هذا المنطلق، تستوقفنا كلمة السيدة الجليلة عهد بنت عبد الله البوسعيدي، حرم جلالة السلطان هيثم بن طارق _حفظه الله_، بمناسبة يوم المرأة العُمانية في السابع عشر من أكتوبر، لما تتضمنه من معانٍ تتجاوز الاحتفاء بالمناسبة إلى تأمل مكانة المرأة في المشروع الوطني، وحدود مسؤوليتها، وآفاق مشاركتها في صناعة المستقبل.
تبدأ الكلمة من علاقة المرأة بإرث الوطن ورسالته، وتنتقل إلى استحقاقها في المشاركة الوطنية، ثم تتعمق في دورها في بناء الإنسان عقلًا ووجدانًا وهويةً، وبين هذه المستويات الثلاثة تتشكل رؤية متكاملة لا تفصل تمكين المرأة عن مسؤوليتها.
تصف السيدة الجليلة نساء عُمان بأنهن حملن على أكتافهن إرث الوطن المجيد ورسالته النقية، فازدانت عُمان بهن ضياءً وابتهاجًا، وهذه العبارة، بما تحمله من دلالات، تضع المرأة في قلب الحكاية الوطنية، لا على هامشها؛ فهي ليست مجرد مستفيدة من مسيرة التنمية، وإنما إحدى القوى التي أسهمت في استمرار المجتمع وتماسكه، وفي نقل قيمه ومعارفه عبر الأجيال.
فإن استحضار هذا الإرث لا يعني إبقاء المرأة أسيرة الأدوار التقليدية، كما لا يعني فصلها عن جذورها باسم التحديث، وإنما يحمل دلالة أعمق: أن يكون التطور امتدادًا واعيًا للهوية، وأن تنطلق مشاركة المرأة في المستقبل من إدراك لقيمة ما ورثته من مجتمعها، وما تستطيع أن تضيفه إليه من معرفة وخبرة وإبداع.
فالهوية الحية ليست ذاكرةً مغلقة، بل قدرة على الاستمرار والتجدد. والمرأة التي تشارك في إنتاج المعرفة، وتقود المؤسسات، وتخوض مجالات الابتكار، تستطيع في الوقت نفسه أن تكون شريكة في صيانة الذاكرة الثقافية للمجتمع، ونقل قيمه إلى الأجيال الجديدة، ومساعدتها على التعامل مع هذا العالم المتسارع دون أن تفقد المرأة صلتها بذاتها ومجتمعها.
تكتسب الكلمة أيضا بُعدًا وطنيًا مباشرًا حين تربط الاحتفاء بيوم المرأة العُمانية بتخصيص مقعد إضافي للمرأة في مجلس الشورى عن كل محافظة، في خطوة تهدف إلى تعزيز حضور المرأة في المشاركة الوطنية وتوسيع فرص إسهامها في الشأن العام.
غير أن أهمية هذه الإشارة في كلمة السيدة الجليلة لا تكمن في استحضار القرار وحده، بل في الطريقة التي تربط بها بين هذا الاستحقاق وواجب العمل والإخلاص فيه؛ وبالتالي فتعزيز مكانة المرأة وتمكينها من المشاركة في بناء الوطن ينبغي أن يقابله جهد وطني مخلص ومشاركة فاعلة أساسا.
حيث أن وجود المرأة في مواقع المشاركة العامة ليس غاية شكلية، ولا يُقاس أثره بمجرد عدد المقاعد التي تشغلها، بل بما تستطيع أن تقدمه من رؤية، وما تسهم به في مناقشة القضايا العامة، وما تضيفه إلى صناعة القرار من خبرة وفهم دقيق لاحتياجات المجتمع.
تبلغ الكلمة عمقها الفكري حين تنتقل إلى الحديث عن تعاظم دور المرأة في بناء الأمم والمجتمعات والإنسان عقلًا ووجدانًا وهوية راسخة، ففي هذه العبارة يتسع مفهوم التمكين ليغادر حدود الوظيفة والمنصب والمشاركة المؤسسية، ويدخل إلى المجال الأوسع الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان، وتنمو فيه قيمه، وتتحدد من خلاله علاقته بمجتمعه ووطنه والعالم.
فالتنمية، مهما بلغت من تقدم اقتصادي وتقني، تظل محدودة الأثر إذا لم يصاحبها بناء إنسان يمتلك المعرفة والوعي والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وقد تتوسع المجتمعات في إنشاء المؤسسات، وتطوير البنية الأساسية، وتبني التقنيات الحديثة، لكنها تظل في حاجة إلى الإنسان الذي يمنح هذه المنجزات معناها، ويوجهها نحو خدمة المجتمع، ويحسن التعامل مع نتائجها وتحدياتها.
وهنا يتعاظم دور المرأة في التربية والتنشئة والتعليم والعمل الثقافي والاجتماعي، لا باعتبارها المسؤولة الوحيدة عن تكوين الإنسان، بل بوصفها شريكًا رئيسًا في منظومة متكاملة تتقاسم فيها الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية مسؤولية بناء الوعي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في زمن تتعدد فيه مصادر المعرفة والتأثير، وتتجاوز فيه عملية تشكيل الوعي حدود الأسرة والمدرسة إلى الفضاء الرقمي المفتوح. فالناشئة اليوم لا يتلقون أفكارهم من محيطهم المباشر وحده، وإنما يتعرضون لفيض متواصل من المعلومات والصور والآراء، بما يتيح فرصًا للتعلم والانفتاح، لكنه يطرح أيضًا تحديات تتصل بالتمييز بين المعرفة والتضليل، وبين حرية التفكير والتأثر غير الواعي، وبين الانفتاح على الثقافات وفقدان القدرة على النقد والاختيار.
لذا لا يعود دور المرأة في بناء الإنسان مقتصرًا على الرعاية أو التوجيه المباشر، بل يتسع ليشمل تنمية التفكير المستقل، وتعزيز الحوار، وترسيخ المسؤولية، وإكساب الأبناء القدرة على التعامل الواعي مع المتغيرات، وهذه مهمة لا تتحقق بالتلقين وحده، وإنما ببناء بيئة أسرية وتربوية تمنح الإنسان القدرة على السؤال والفهم والمراجعة واتخاذ الموقف.
إن الإشارة إلى العقل والوجدان والهوية في كلمة السيدة الجليلة تتيح قراءة متكاملة لبناء الإنسان؛ فالعقل يحتاج إلى المعرفة والتفكير، والوجدان يحتاج إلى القيم والتوازن الإنساني، والهوية تحتاج إلى وعي بالجذور وقدرة على التفاعل مع العالم، وحين تتكامل هذه الأبعاد، يصبح الإنسان أكثر استعدادًا للمشاركة في التنمية، وأقدر على التوفيق بين متطلبات العصر وخصوصية المجتمع.
لا تكتمل قراءة هذه الكلمة من دون الانتقال إلى ما يتصل بجهود السيدة الجليلة في دعم المرأة العُمانية، إذ تبرز مؤسسة عهد للأعمال الخيرية مجالًا آخر من مجالات العمل المجتمعي المرتبط بالسيدة الجليلة، فقد ارتبطت أهداف المؤسسة بدعم مبادرات التمكين المجتمعي، ولا سيما المبادرات المتصلة بالمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر ذات الدخل المحدود، فضلًا عن مساندة خدمات الرعاية الاجتماعية والعمل الإنساني.
وتكتسب مبادرات العمل الخيري والاجتماعي قيمتها حين تتجاوز المساعدة الآنية إلى مساندة الإنسان في استعادة قدرته على الاعتماد على الذات والمشاركة في الحياة العامة، كما تتعزز فاعليتها حين تتكامل جهود المؤسسات الخيرية مع مؤسسات الدولة والجمعيات الأهلية، بما يضمن الوصول إلى المستفيدين وتوجيه الموارد إلى الاحتياجات الفعلية.
إن كلمة السيدة الجليلة عهد البوسعيدية بمناسبة يوم المرأة العُمانية تقدم مدخلًا للتفكير في معنى الشراكة الوطنية، لا في حدود الاحتفاء بالمرأة فحسب، فهي تستحضر إرثها، وتؤكد استحقاقها للمشاركة، وتربط حضورها بمسؤوليتها في بناء الإنسان، وتفتح المجال لقراءة التمكين بوصفه عملية متكاملة تجمع بين الفرصة والتأهيل والعطاء.
وإن إشراقة حضور السيدة الجليلة في هذا اليوم الأغر لتجسد أسمى معاني الرعاية السامية، وومضة وعي حقيقية من إنسانة راقية جدًا ومتفائلة بغدً أفضل، مؤكدة أن استنهاض طاقات المرأة هو استثمار حقيقي في استدامة رفعة الوطن ومجده.



