الولاء والقيادة في التاريخ: مسلمة بن عبدالملك بن مروان أنموذجا

لقد مر التاريخ الإنساني بمراحل عدة، برزت من خلاله حِقب تاريخية تمايزت بمنجزها، وخلّد التاريخ عدة أسماء ورموز تاريخية بخلود تلك المنجزات، ولا شك أن التاريخ الإسلامي حفل بالعديد من هذه الشخصيات والرموز منذ بداية الدعوة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام إلى يومنا الحاضر. ولقد كان للدولة الأموية التي تولت زمام السيادة في المشهد السياسي منذ عام 41هـ/661م وحتى سنة 132هـ/749م بروز واضح في صناعة الحضارة الإسلامية وريادتها، وقد كان أكثر ما تميزت به هو قيادتها لحركة الفتوحات شرقا وغربا، هذا المد الذي بدأه السفيانيون في عهد معاوية بن أبي سفيان 41هـ/661م  أكملته الأسرة المروانية منذ أيام عبدالملك بن مروان(65هـ – 86هـ / 685م-705م)، الذي شهد عهد بروز شخصية عسكرية قيادية من البيت الأموي، حظيت بتقدير العديد من المؤرخين الأوائل هو مسلمة بن عبدالملك بن مروان، الذي ولد عام  63هـ / 682م، العام الذي أخرج الأمويون ابن الزبير من المدينة المنورة، هذا الفتى الشاب الذي خصّه والده بالوصية لدى بقية أبنائه وهو على فراش الموت، موصيا إياهم بمسلمة فيقول لهم: ” اتقوا الله ربكم وأصلحوا ذات بينكم، وليُجِلّ صغيركم كبيركم، وكبيركم صغيركم، انظروا أخاكم مسلمة فاستوصوا به خيرا، فإنه شيخكم ومجنكم الذي به تستجنون، وسيفكم الذي به تفترون، أوصيكم به خيرا …” [1]. هذه الوصية جاءت بعد تربية أميرية عسكرية كان للخليفة عبدالملك بن مروان نظر ثاقب في هذا الابن، الذي لولا أن أمه ليست بعربية لكان أحق بالخلافة من غيره من إخوته. هذه التربية التي كان الأب حريصا عليها فجعل لأبنائه ومنهم مسلمة مؤدبا يدعى إسماعيل بن مهاجر، أوصاه الخليفة عبدالملك بن مروان فقال له : ” علم بني القرآن، وخذهم بمكارم الأخلاق، وحثهم على صلة الأرحام، ووقرهم في الملأ، وأخفهم في السر، فان الأدب أملك بالغلام من الحسب وتهددهم بي، وأدبهم دوني، ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يفهموه فان ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم ” [2]. وكان من اهتمام عبد الملك بن مروان بابنه مسلمة عسكريا إرساله إياه مع عمه محمد بن مروان حين كان واليا على الجزيرة الفراتية في عهد وكان من اهتمام عبد الملك بن مروان بابنه مسلمة عسكريا إرساله إياه مع عمه محمد بن مروان حين كان واليا على الجزيرة الفراتية في عهد والده، فعلمه فنون القيادة والإدارة التي جعلت مستشرق كـ Rotter  يرى الشبه بين مسلمة وعمه. يقول الأصمعي : ” … ولم يكن لعبد الملك ابن أسد رأي ولا أذكى عقلا ولا أشجع قلبا ولا اسمح نفسا ولا أسخى كفا من مسلمة … ” [3] .

وكان مسلمة بالرغم من طبيعته العسكرية رجلا قديرا عطوفا، محبا للخير، يحبه الناس ويتذاكرون مناقبه. روى المدائني قال: كان لمسلمة صديق وأليف يقال له شراحيل، فمات. فجزع عليه مسلمة جزعا شديدا، وخرج فصلى عليه، فأتاه عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني فعزاه فبكى وقال:

وهوّن وجدي عن شراحيل إنني            إذا شئت لاقيت أمرا أمات صاحبه [4]

هذه التربية التي كان لها دورها في اكتساب هذا الأمير القدرة والإمكانات التي جعلت ولاءه للدولة أعلى من كرسي الخلافة الذي لم يستحقه وفق البروتوكول الذي وضعه الامويون لأنفسهم أن يكون الخليفة من أم عربية. وفي هذا المقال سنستشهد بموقف واحد من مواقف عدة سطرها هذا الأمير من علو همته وولائه للدولة التي أسسها أجداده.

يتجلى هذا الموقف إبان وفاة الخليفة الوليد بن عبدالملك( 86هـ/705م – 96هـ/714م ) المفاجئة، والتي جاءت في فترة ارتفعت فيها حدة الحملات نحو العاصمة البيزنطية القسطنطينية التي كانت الحلم الكبير لدى الأمويين لفتحها، ومع إعلان وفاة الخليفة،  خطب قائد الثغور الشمالية مسلمة بن عبدالملك في الناس معلنا لهم نبأ وفاة الخليفة، فما كان من القادة والجنود إلا الاجتماع حوله قائلين له:” هَلُّمَ أيها الأمير حتى نبايعك،فأنت أحق بهذا الأمر” فما كان من القائد إلا العودة لمنبره قائلا للناس: مهلا عافاكم الله! فإني رجل قد بلغ الناس عني ما قد فعلت بأرض العدو طول هذه المدة، ولا أحب أن أشُقَّ العصا، وأخرج على رجل قد بايعه الناس طائعين غير مكرهين، وأنا قد بايعت أخي سليمان فبايعوه رحمكم الله!” [5]. هذا الموقف يبرز لنا الدور المهم للقيادة الواعية بمكانتها وولائها لوظيفتها ولشرف عهدها الذي يركز على صناعة الأهداف وتحقيقها دون الالتفاف للمصالح الشخصية، فقد كان بإمكان مسلمة وهو قائد الجيوش الإسلامية المرابطة بعدتها وعتادها أن يشق العصا ولا يثبت ولي العهد سليمان على الإمارة، لكنه آثر أن يخدم دولته ووظيفته، هذا المشهد كان والجيوش الإسلامية بقيادة مسلمة بن عبدالملك على بعد 150 ميلا من القسطنطينية كما يذكر ذلك المؤرخ   Glubb في كتابه The Empire Of the Arabs، ولم يكتف مسلمة بأخذ البيعة للخليفة الجديد من جنوده والأهالي فهو لم يتحرك من موقعه حتى أتته التعليمات من الخليفة سليمان بن عبدالملك بن مروان لأي حملة، ليأتي العام 97هـ ليأمره بقيادة الشاتية لاستكمال غزو أرض الروم.

 وهكذا يؤكد هذا الأمير القائد الذي كان بشاهدة عصره وعصر غيره خليفة بدون كرسي خلافة، يؤكد لقارئ التاريخ الأهمية العليا للولاء للوطن وللوظيفة؛ ليكون هذا الولاء طريقا لصناعة المُنجز الذي سيبقى الأثر والشاهد عبر التاريخ لشخص من قام به ورسّخه.

المصادر:


– [1] ابن قتيبة،  أبي محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (ت : 276هـ/889م) . الإمامة والسياسة  ؛ تحقيق طـه محمد الزيني . ج1 . مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع : ب. م : 1967م،ص46.

[2] – البلاذري، أبو العباس احمد بن يحيى بن جابر (ت:279هـ/ 892م )  . جمل من كتاب أنساب الأشراف ؛ تحقيق محمد حميد الله، ج8.  دار المعارف : القاهرة، 1959،، ص 2984 .

[3] – ابن عبد ربه، شهاب الدين احمد الأندلسي ( ت:328هـ/939م) . العقد الفريد . ج6 . دار مكتبة الهلال : بيروت، 1986م، ص 101 .

[4] – البلاذري، المصدر السابق ، ص 360 .

[5] – ابن أعثم، احمد الكوفي (ت: 314هـ/ 926م) . كتاب الفتوح ؛ تحت مراقبة محمد عبد المعين خان . ج4.  دار الندوة الجديدة: بيروت، 1968، ص 226 .

د. بدرية بنت محمد النبهانية

باحثة ومحاضرة في التاريخ/مدريرة تحرير مجلة إشراق العمانية/ نائب رئيس لجنة كتاب وأدباء الداخلية/ عضو مجلس إدارة الجمعية التاريخية العمانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *