الصيف بوابة الحياة… والشاشات حوائط العزلة

في بدايات الصيف، نودع عامًا دراسيًا مليئًا بالعمل والجد، ونستقبل الإجازة الصيفية، حيث تُلَمِّعُ الشمسُ نوافذ الصباح بأشعتها الطرية، فتخرج الطفولة من التزاماتها المدرسية، مهرولة نحو ساحات اللعب، وفضاءات الاكتشاف. الصيف ليس مجرّد فصل في تقويم حياتنا، بل هو بوابة مشرعة على الأسئلة الكبيرة، التي تدور في رؤوس الصغيرة مثل نحلٍ يبحث عن رحيق الحياة.
هناك، على عتبات البيوت وتحت ظلال النخيل، تبدأ الطاقة الطفولية تتفتح كأزهار برية، وتلك التجمعات الصغيرة التي كان الكبار بالأمس القريب يسمّونها “الملتقيات الصيفية”، تعود من جديد بأنماطها المتعددة، بين نوادٍ ثقافية، ومراكز صيفية، ومساجد حاضنة، وفرق كشفية، كلها تجمع الأطفال على قصص وقيم، وعلى أنشطة تزرع في أرواحهم معنى الانتماء، وحب التعلم، وقيمة التعاون.
في هذه الملتقيات، يتعلم الطفل كيف يُصافح الحياة بابتسامة، وكيف يرفع يده ليستأذن لا ليسأل وحسب، وكيف يُصغي لمن يتكلم، ويحاور قبل أن يحكم. هناك يتربّى على المشاركة لا التملّك، وعلى الاعتزاز بهويته لا الهروب منها. إنها منابر عظيمة تبني أبناء الوطن من الداخل.
لكن – بموازاة هذا النور- هناك ظلّ يمتد بلا خجل؛ ظلّ الأجهزة الذكية، والتطبيقات الغريبة التي تسكن راحات الأيدي، وتُصادر الطفولة من بين الأصابع. فكم من طفل جلس أمام شاشة الهاتف وقد ظنها نافذة على العالم! بينما هي تسحبه رويدًا رويدًا إلى عزلة صامتة، ينهار فيها حسّه الإنساني، وتتآكل شخصيته في أروقة افتراضية لا ترحم.
لقد بات واضحًا أن وسائل التواصل الاجتماعي سلاحٌ ذو حدّين، تمطر على الأطفال مشاهد تفوق أعمارهم، وتغذي فيهم أنماط حياة وهمية، وتزرع فيهم قيمًا مشوهة. تراه يتحدث بلسان غير لسانه، ويحاكي سلوكيات لم يعهدها بيته ولا بيئته. يتشوه إدراكه للجمال، ويضيع مقياسه للصواب والخطأ، فلا يبقى للطفولة من طهرها سوى صورٍ قديمة في ذاكرة الأمس.
وفي هذا كله، تظل الأسرة هي الجدار الأول والأخير. فإن هي أحسنت الغرس؛ كانت الحصون منيعة، وإن هي فرّطت؛ فتحت للعواصف كل النوافذ. دور الأسرة اليوم لا يتوقف عند توفير الأمان الجسدي، بل يتجاوزه إلى التأمين التربوي والروحي. فعليها أن تحتضن طاقات أبنائها في الصيف، من خلال تسجيلهم في الملتقيات النافعة، ومشاركتهم في جلسات حوارية، وتفتح لهم أبواب القراءة والرياضة والفنون، قبل أن تفتح أمامهم تطبيقات الشاشات الافتراضية.
الأب لا يُربّي فقط حين يتحدث، بل حين يُنصت ويشارك، والأم لا تبني فقط حين تُحضّر الطعام، بل حين تحضن قلبًا وتغرس في صدر أطفالها يقينًا بأن الحياة أكثر من لعبة فيديو، وأعمق من “ترند” عابر.
يظلّ الصيف فرصةً لا تُعوّض، ليس للراحة فقط، بل لصياغة ملامح المستقبل في نفوس أبنائنا. هو امتحان خفيّ للبيوت: هل تترك أطفالها لتيارات التقنية تقتلع جذور البراءة، أم تمسك بأيديهم نحو برّ القيم والمعرفة والانتماء؟ الطفولة لا تنتظر، وإن أهملناها اليوم، فلن تعود بالغد كما كانت. فلنصنع من هذا الصيف موسمًا للوعي، ومرفأً تربويًّا دافئًا، نزرع فيه في أرواح أبنائنا ما نحبّ أن نحصد في أوطاننا غدًا
على عتبات الصيف، تقف الطفولة بعيون تفيض براءة، تبحث عن يد حانية، وصوت ينصت، ورفقة تشبهها. فإما أن نفتح لها دروب النور بالحب والرعاية والقدوة، وإما أن نتركها وحيدة في متاهات الشاشات الباردة، تربيها مقاطع عابرة، وتشكلها ثقافات غريبة. فلنكن نحن من يمنح الصيف معناه الحقيقي، حين نختار أن نكون في حياة أطفالنا نورا لا ينطفئ.


