إضاءة قانونية

حماية الملكية الفكرية في الفضاء السيبراني: “تحديات رقمية في قبضة القانون”

          في عصرنا الحاضر تتسارع وتيرة الابتكار والتطور التكنولوجي بدرجة كبيرة ومخيفة خاصة مع انتشار المعلومات والأفكار بحركة بسيطة وهي بالضغط على زر الارسال بسرعة البرق ومع هذا الانفتاح الرقمي برزت عدة تحديات غير مسبوقة تهدد حقوق المؤلفين والمبدعين والمخترعين أصحاب الابتكارات من قرصنة وتوزيع غير مشروع.

وفي هذا المقال نسلط الضوء على الإشكاليات القانونية المرتبطة بحماية الحقوق الملكية في الفضاء السيبراني مع تسليط الضوء على الإشكاليات القانونية من وجود الثغرات في القوانين الحالية ومدى كفايتها للتصدي الحالي والمستقبلي لهذه الجرائم السيبرانية وسأستعرض أبرز المستجدات التشريعية التي كفلت الحماية وضمنت التوازن بين حرية الوصول الى المعرفة الأدبية والعلمية والاختراعات وحقوق أصحابها والحدود الفاصلة بينها في كل من سلطنة عمان ودولة الكويت ودولة الامارات العربية المتحدة والسعودية وفرنسا.

 المقصود بعبارة الملكية الفكرية هي مجموعة الحقوق القانونية التي تمنح للأشخاص أو المؤسسات على ابداعاتهم الفكرية من أعمال أدبية وفنية واختراعات وتصاميم ورسوم ونماذج صناعية وعلامات تجارية والأسرار التجارية.

أولا: سلطنة عمان

ان القوانين العمانية كفلت حماية حقوق الملكية الفكرية بالمرسوم السلطاني رقم 67/2008 والذي ينظم براءات الاختراع والتصاميم الصناعية والأسماء التجارية والأسرار التجارية وغيرها ومن بين اختصاصاته الجوهرية تحديد شروط منح الاختراع- المدة- الحقوق الحصرية للمخترع- العقوبات عند الانتهاك.

كذلك قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة (المرسوم السلطاني 65/ 2008) حيث حمت حقوق المؤلف تلقائيا وذلك منذ لحظة الإنشاء وتشمل الأعمال العلمية والأدبية والفنية والبرمجيات وقواعد البيانات فأسست مكتب وطني للملكية الفكرية بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار بمنصة إدارية وقضائية متخصصة لغرض التنفيذ وتعزيز الحماية القانونية بآليات وفقا للشروط الآتية:

  • التسجيل الرسمي (وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار (براءات الاختراع والعلامات- في وزارة الاعلام للأعمال الأدبية والفنية).
  • التقاضي أمام المحاكم المختصة (مدنية- تجارية).
  • العقوبات (تتراوح بين الغرامات المالية والسجن اضافة الى المصادرة وإغلاق المحل التجاري) وهو ما يعرف بالعقوبات التبعية للعقوبات الأصلية.

وحرصت سلطنة عمان على الانضمام الى المجتمع الدولي  فيما يخص حماية الملكية الفكرية والحقوق المجاورة فوقعت العديد من الاتفاقيات الدولية في شان الملكية الفكرية ومنها المنظمة العالمية الوايبو(WIPO) بمرسوم سلطاني رقم 74/ 1996 كما انضمت كعضوة(رقم العضوية:139) في منظمة التجارة العالمية (WTO) في عام 2000 بمرسوم سلطاني رقم 112/2000 -اتفاقية باريس لحماية حقوق الملكية الصناعية- اتفاقية TRIPS ضمن منظمة التجارة العالمية- اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية  والفنية حقوق المؤلف واتفاقية بروتوكول مدريد بشأن التسجيل الدولي للعلامات التجارية ووثيقة جنيف لاتفاق لشبونة بشأن تسمية المنشأ والمؤشرات الجغرافية (1,2,3,4) واتفاقية لاهاي بشأن التسجيل الدولي للتصاميم والنماذج الصناعية لها وغيرها ويأتي هذا الانضمام لتحفيز الابتكار وتعزيز الاستثمار والاقتصاد وتطوير القوانين المحلية ودعم لرؤية عمان 2040.

وقد نص المرسوم السلطاني العماني رقم 65 لعام 2008 على حماية حقوق المؤلفين والفنانين ومزودي التسجيلات الصوتية ومنظمات البث الإذاعي.

كما يكفل القانون العماني حرية التعبير طالما كان بحدود القانون (مادة رقم 35 من النظام الأساسي للدولة والذي صدر في عام 1996) كما أباح القانون استخدام المنصات للتعليم أو في مكتبات غير تجارية دون ضرر بالمصالح المادية للمؤلفين وألا يكون الاستخدام لتحقيق ربح مادي وهو الذي يقع تحت بند(الاستخدامات المشروعة)أو (الاستثناءات والقيود على حقوق المؤلف)وذلك في المواد (4-6-8) من المرسوم السلطاني رقم 47/1996 مما يعد توازنا بين حماية حقوق الحقوق وحرية الوصول للمحتوى الرقمي والجدير بالذكر أن قانون الإعلام الجديد رقم 58/2024 منح وزارة الإعلام سلطات واسعة مثل الترخيص الالزامي وحظر النشر وسحب الرخص بنظام قانوني صارم مما يعزز دورها الرقابي في القطاع الإعلامي.

ثانيا: دولة الكويت

كفلت دولة الكويت حماية الملكية الفكرية وما يجاورها من حقوق فحمت حقوق المؤلفين على مؤلفاتهم والمخترعين على ابتكاراتهم بعدة قوانين (قانون رقم 64 لسنة 1999 وقانون رقم  22 لسنة 2016)واستحدثت قانون حقوق نشر جديد وهو قانون رقم 75 لسنة 2019 ودمجت حقوق المؤلف في القانون المدني وتشمل الحماية المقررة لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الكويتيين والأجانب المقيمين إقامة دائمة في دولة الكويت والأجانب .

كما أن دستور الكويت يكفل حرية الرأي بما لا يخالف القانون فقد حظر قانون الجرائم الالكترونية (2015) انتقاد الذات الأميرية والنظام القضائي أو التشهير بها كما حظر التعبير السياسي أو المحتوى الذي يخل بالأمن العام أو يوقع الكراهية بين أطياف الشعب وحظر نشر ما يسيء للدول الصديقة.

الكويت قطعت شوطا كبيرا في الموازنة بين حرية التعبير وحماية حقوق الملكية الفكرية وتبذل جهودا كبيرة في تنظيم العلاقة بينهما تشريعا وقضاء.

ثالثا: دولة الإمارات العربية المتحدة

حقوق الملكية الفكرية والحقوق المجاورة ينظمها القانون الاتحادي الاماراتي رقم 38 لسنة 2021  بشان حق المؤلف والحقوق المجاورة والقانون الاتحادي رقم 11 لسنة 2021 في شأن تنظيم حماية حقوق الملكية الصناعية يحظيان بحماية قانونية بما يتماشى مع المعايير الدولية في ظل توجه الامارات لأن تصبح مركزا إقليميا ودوليا للابتكار والابداع وبالفعل يتم تطبيق القانونين بصرامة على المخالفين والقانون يحظر التنازل عن الحقوق الأدبية ويمنح المؤلف حق سحب العمل من التداول لأسباب مبررة وقد أثيرت عدة قضايا بشأن انتهاك الخصوصية والمحتوى الهابط على منصات التواصل الاجتماعي فآليات القانون الاماراتي صارمة جدا لحماية وانفاذ حقوق الملكية الفكرية مثل:

  • الجزاءات المدنية (أوامر قضائية بعدم التعدي-تعويضات).
  • الجزاءات الجنائية (غرامات – حبس في بعض الحالات)
  •  الإجراءات الجمركية (منع دخول البضائع المقلدة أو المقرصنة).

وتوجد عدة جهات تعمل في إنفاذ حقوق الملكية الفكرية منها(وزارة الاقتصاد- إدارة الملكية الفكرية-المحاكم الاتحادية-دائرة الجمارك- الهيئة الاتحادية للملكية الفكرية(FIP)

 وفي المقابل ولأغراض تعليمية وبحثية ونقدية أقر القانون الاستخدام المشروع لبعض المصنفات المحمية مع الالتزام بالنزاهة والشفافية وعدم الاضرار بالمصالح المشروعة للمؤلف من جهة وتحقيق المصلحة العامة في نشر العلم والمعرفة من جهة أخرى.

ودولة الأمارات العربية المتحدة كحال بقية الدول الخليجية حرصت على المشاركة والتفاعل الدولي كضو في العديد من الاتفاقيات الدولية بما يعزز مكانتها مصداقيتها وبناء الثقة الدولية لمن يتعامل معها مثل:

  • اتفاقية بيرن لحماية المصنفات الأدبية والفنية(2004) والتي تعطي الحماية التلقائية بدون الحاجة الى اتسجيل تسجيل .
  •  اتفاقية تريبسTRIP عام (1996) تعد من أكثر الاتفاقيات شمولا وتربط حماية الملكية الفكرية بالتجارة العالمية
  • اتفاقية باريس (1974) لحماية الملكية الصناعية.
  • اتفاقية الوايبو (WIPO) وهي الهيئة المعنية بتطوير سياسات ومعايير الملكية الفكرية(1974).
  • اتفاقية مدريد للتسجيل الدولي للعلامات التجارية(2021) يمكن التسجسبل قي بطلب واحد

والجدير بالذكر أن دولة الامارات العربية المتحدة تقوم بتحديث قوانينها بشكل منتظم يتماشى مع الاتفاقيات الدولية مثل (تعديل قوانين حقوق المؤلف – البراءات – العلامات التجارية)

رابعا: المملكة العربية السعودية

القانون السعودي يكفل الحماية القانونية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة والصادر بالمرسوم الملكي م/41 بتاريخ  1424/2/7 هجري 25 سبتمبر (2003م) وحماية المؤلف والمبدع تمتد الى 50 سنة بعد الوفاة مع منصة متكاملة تابعة للهيئة السعودية للملكية الفكرية ((SAIP  واستراتيجية المملكة العربية السعودية الوطنية (2022-2030) تعزز بيئة الابتكار حيث تنظم الملكية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع اعتماد التصاريح بإجراءات دقيقة فالمملكة تحمي جميع أنواع الحقوق الملكية الفكرية (حقوق النشر-براءات الاختراع-العلامات التجارية-الرسوم والنماذج الصناعية- الاسرار التجارية) وحرية التعبير مكفولة وفقا للضوابط الإسلامية والقانون وتطبيق العقوبات بكل صرامة حيث يقوم النظام بتجريم استخدام المصنفات بدون اذن صاحب الحق أو التعدي على العمل (تشويه- تعديل- توزيع غير مرخص …)كما يمكن لأصحاب الحقوق إقامة دعاوى لتعويض الأضرار ووقف التعديات  لكل من يخل بأمن المملكة وتصل العقوبة الى الإعدام وتم تطبيقها في قضايا التحريض على الاخلال بأمن المملكة العربية السعودية ومن الجرائم المصنفة ضمن هذا الإطار (الإرهاب أو دعمه- التجسس- الخيانة- زعزعة المن الوطني- التعامل مع جهات معادية- نشر الشائعات أو المعلومات الكاذبة التي تمس الأمن) في حال ثبت أن الجريمة تسببت في خسائر فادحة او تهديد مباشر لأرواح المواطنين أو استقرار الدولة .

خامسا: الجمهورية الفرنسية

تحمي فرنسا الملكية الفكرية من خلال قانون HADOPI الذي أدخل آلية (الثلاث إنذارات) لكن تم إلغاء إمكانية قطع الانترنت خلف الأبواب محققا توازنا نسبيا بين حقوق النشر وحرية التعبير والجدير بالذكر أنه قد تم الطعن على قانون Aviva لمحاربة الكراهية على الانترنت وقد تم تعطيل وحذف أغلب نصوصه المخالفة للدستور كما أوقفت فرنسا تطبيق Tik Tok بشكل مؤقت في كاليدونيا الجديدة إثر اضطرابات لانتقادات تطول الحريات بانتهاج رقابة صارمة لحرية التعبير.

وعلى الرغم من أن القضاء الفرنسي يكفل التوازن فيما بين حرية التعبير وحقوق الملكية الفكرية الى ان المطالبات الراديكالية ومبادراتها مثل Avivaو HADOPI قد أثارت جدلا واسعا بشأن مدى تناسب العقوبات مع الحرية فتم تعديل قانون مكافحة الكراهية بعد تدخل المحكمة الدستورية بناء على ذلك وفي قضايا محددة اعتبر أن حق التعبير أحيانا قد يعلو على حقوق المؤلف إذا كان الضرر من حقوق الملكية بسيطا مقارنة بأهمية التعبير كأن يكون عملا فنيا حرا أو نقدا كذلك في قضايا أخرى (مثل دعاوى الأزياء) فإن المحكمة الأوروبية أقرت أن الحكام الفرنسيين قد حافظوا على التوازن بطريقة مقبولة بين التعبير والملكية.

أن تحقيق التوازن بين حماية الحقوق الفكرية وضمان حرية التعبير على الانترنت يتطلب:

  • مبدأ التناسب: بينت فرنسا أن أي تقييد لحرية التعبير يجب أن يكون ضروريا ومقدرا بقدره ومتناسبا وهو معيار يمكن اعتماده ضمن النظم الخليجية لتفادي التجاوزات.
  • ضمانات قضائية مستقلة: أكدت المحكمة الدستورية الفرنسية أن منع قطع الانترنت يكون بقرارات موثقة ومستقلة.
  • ثقافة قانونية سيبرانية رقمية: حيث تشجع على الاستخدام المسؤول وحماية الحقوق وتعزز الوعي العام.
  • استدامة دور الاعلام والمبدعين: تجلى واضحا في قضية الصحف الفرنسية ضد منصة X   فإن دعم صانعي المحتوى ماليا يعزز استدامة التعبير في المجتمع.
  • وضوحا تشريعيا: لا شك أن السعي نحو التوفيق بين حماية حقوق الملكية الفكرية وضمان حرية التعبير على الانترنت يتطلب تشريعات متوازنة تجمع بين حماية صاحب الحق ومرونة قانونية كافية لإشاعة المعرفة وحرية التعبير ولعل سلطنة عمان أبرز مثال على ذلك حيث يتضمن قانونها على استثناءات محددة وهو أمر محمود حيث حددت الاستثناءات لحماية النظام العام وحقوق الآخرين في الممارسات التي تعد جريمة مثل نشر أخبار كاذبة والتحريض على الكراهية أو التشجيع على ارتكاب جرائم والتحريض على النظام العام عبر الشبكة المعلوماتية (قانون حقوق المؤلف بمرسوم سلطاني رقم 65/ 2008) وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (مرسوم سلطاني 12/2011).

ففي سلطنة عمان يتيح قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة (65/ 2008) والقانون الاماراتي رقم 38  لسنة 2021  وقانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة الكويتي (75/2019) وقانون استخدام المصنفات لأغراض تعليمية ونقدية ضمن حدود واضحة مع التزام بالشفافية والانصاف وتعد هذه المرونة القانونية خطوة متقدمة تعزز من دور عمان والكويت في دعم البحث العلمي والحرية الأكاديمية مع الحفاظ على حقوق أصحاب المصنفات في انسجام مع التوجهات الدولية المعاصرة في مجال الملكية الفكرية وأما في فرنسا فقد وضع القضاء كما في قرارات محكمة باريس والمبدأ الدستوري معيارا صارما بان أي تقييد يجب أن يكون متناسبا وضروريا وأن حرية التعبير لا تقلص الى مجرد تغطية قانونية للتعدي على حقوق المؤلف لذا فإن أفضل تشريعات تحترم الحقوق وتقوي أساسيات الحقوق الرقمية هي التي:

  • تتضمن استثناءات واضحة ومحددة كما في سلطنة عمان وفي دولة الكويت ودولة الامارات العربية  المتحدة، ويتجلى ذلك في مواد القوانين المحلية التي تحمي الحق العام وتضمن حقوق الملكية الفكرية في الفضاء السيبراني والواقعي وتجلى ذلك في دور القضاء الكويتي بموازنة القضايا بين حماية الحقوق وضمان حرية التعبير بموجب الدستور الكويتي في المادة (36) التي نصت على “حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ولكل انسان حق التعبير عن رايه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما وذلك وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون”  كما في الممارسات الإعلامية والرقمية ودور الرقابة في التفريق بين التعدي المادي والاستخدام العادل فهي حرية مشروطة ومقيدة تشريعيا وقضائيا وترتبط بالآداب العامة و النظام العام وبعدم المساس بالدين أو الذات الأميرية وبعدم التعدي على حقوق اخرين بما في ذلك حقوق الملكية الفكرية.

من خلال تجميع هذه النماذج في إطار قانوني متكامل تستطيع الأنظمة المستند اليها الوصول الى حماية حقيقية للمبدعين مع حمايتها القوية لحق الأفراد في التعبير والمشاركة في المجتمع الرقمي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. برأيي أن المطلوب حمايه حقوق الملكية الفكرية مع الموازنة بحرية الرأي والتعبير، يجب تحقيق توازن دقيق بين حماية المبدعين والمخترعين من جهة، وضمان عدم تقييد حرية الأفراد في التعبير عن أفكارهم من جهة أخرى. من الضروري جدا نشر الوعي بأهمية احترام حقوق المؤلف والمخترع. وتثقيف المجتمع حول حقوقه في التعبير والنقد وللقانون دائمًا الدور الأكبر في تنظيم هذه الحقوق
    شكرا للدكتوره تهاني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *