إضاءا ت قانونية

العدالة التصالحية: بين الردع العقابي والتصالح المجتمعي

قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان” سورة النحل الآية:90 وفي سورة النور الآية 22:” وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم”.

  في خضم التحولات العميقة التي يشهدها الفكر القانوني الحديث تتعالى الأصوات، وتنادي بإعادة النظر في منظومة العدالة الجنائية التقليدية، التي طالما ركزت على العقاب كردة فعل على الجريمة، مغفلة في كثير من الأحيان أبعادًا إنسانية واجتماعية أعمق، ومن رحم هذا الجدل الفلسفي والقانوني برزت العدالة التصالحية كبديل يعيد الاعتبار للضحية، ويمنح الجاني فرصة للتفكير والمصالحة، ويعيد للمجتمع توازن الذي اختل.

إن فلسفة العقاب – كما تجسدت في القوانين الوضعية – لم تعد قادرة وحدها على تحقيق العدالة المنشودة؛ بل بات من الضروري إرساء مقاربات أكثر رقيًّا وإنسانية، تعترف بأن الغاية من العقوبة ليس الإيلام؛ بل الإصلاح والتقويم والتأهيل، والردع العام والخاص. والعدالة التصالحية هي فرصة لإعادة تشكيل مفاهيم العدالة على أسس أكثر شمولًا، ويكون فيها “التصالح لا الانتقام” هو عنوان العدالة الجنائية القانونية الأخلاقية الإنسانية الراقية التي تتسم بالعدالة.

والنزاهة تيسر التصالح التوافقي بين الأطراف المتنازعة من جاني وضحية، وأي شخص متضرر من الجريمة؛ وذلك بتسوية ملائمة بموافقة الأطراف. وبالتالي يعد تطورًا للعدالة الجنائية التقليدية،وأسسها العقابي الذي يمتد لجذور فلسفية لفكرة العقاب (نفعية- ردعية – انتقامية).

فالعدالة التصالحية هي طريقة عملية للتصالح بين أطراف النزاع يتشارك فيها الجاني والضحية، وعند الاقتضاء يشارك فيها فرد أو عدة أفراد من المجتمع الوطني المحلي، بواسطة المصلح أو المسهل للعملية التصالحية بينما أطراف النزاع في العملية التصالحية، هم: الجاني والضحية، وأي فرد آخر تضرر من الجريمة. أما المصلح أو المسهل، فهو: الشخص الذي يتمثل دوره في أن ييسر بطريقة عادلة ومنصفة وبنزاهة بين الأطراف في العملية التصالحية، وتحقيق إعادة الضحية والجاني إلى الاندماج في المجتمع.

يتشارك المتضررون من الجريمة والجاني والمجتمع، أو أطراف أخرى متضررة والمصالح التي تجمعهم بمشاركة فاعلة عادلة لتسوية الضرر الواقع نتيجة الجريمة، ويمكن أن تتضمن العمليات التصالحية: الوساطة، والمصالحة، والتفاوض بين المحامين والقضاة، والتشاور بشأن أصغر الأحكام للوصول إلى الناتج التصالحي، وهي المحصلة النهائية التي يتوصل إليها أطراف النزاع بالاتفاق (تعويض مالي-ارجاع الحقوق- الخدمة المجتمعية. الخ).

ولابد أن تسير العدالة التصالحية بمنهاج سليم يوازن بين العقاب والتعامل برقي وإنسانية، وأن الهدف هو أن يدرك الجاني الضرر الذي تسبب فيه، ويتحمل مسؤولية أفعاله، وأن يوفق بينه وبين المجني عليه بالاعتذار والتعويض والصلح، وأن يتم إعادة إدماج الجاني في المجتمع، والوقاية من الجريمة بتقليل التكرار والعنف،وتحسين السلم الاجتماعي؛ فمن خلال إشراك المجتمع وأصحاب العلاقة يمكن فهم الأسباب التي تقف خلف الجرائم وتخفيفها،سواء كانت بيئية أم اقتصادية أم اجتماعية؛ فعندما يشعر الجاني بالمسؤولية، فأنه غالبًا يتحول من حالة عدائية إلى شخص نادم، مما يقلل احتمال تكرار الفعل، إضافة إلى توفير وسائل بديلة للمحاكمة والعقاب، مما يقلل الضغط على النظام القضائي ويسرع في معالجة النزاعات، وبالتالي تزيد ثقة الناس في العدالة، كما أن تعويض المجني عليه ومن تضرر هو جبر للضرر، مما يقلل من التوترات الاجتماعية والثأر، وبالتالي فإن العدالة التصالحية غالبًا ما تكون للجرائم الأقل خطورة، مثل:المخالفات، والجنح، وقضايا الأحداث، وقضايا الأسرة، والأفعال التي يكون فيها ضرر قابل للتعويض أو الصلح.

وعند التوسع بالمصطلح فأننا بصدد العدالة الجنائية الدولية، وهي أشمل كونها تمثل المجتمع الدولي، ليتم التعامل مع الجرائم العابرة للحدود أو التي تمس المجتمع الدولي، وهي النظام القانوني، مثل: المحكمة الجنائية الدولية التي تركز على مقاضاة ومعاقبة مرتكبي الجرائم خصوصًا الجرائم الخطيرة (جنايات – جرائم دولية كالإبادة – الجرائم ضد الإنسانية – جرائم الحرب) حيث تتدخل الدول أو الهيئات الدولية، ويتم إجراء تحقيق قانوني، وتعقد جلسات محاكمة وقضاة، وتصدر أحكام قضائيةبعقوبات تطال الجاني.

وبالنظر في قوانين بعض الدول وجدنا الآتي:

أولا: دولة الكويت

العدالة التصالحية في الكويت تبدأ من تدخل الأسر والأهل والأصدقاء، ومن ثم من داخل المخفر، والشرطة المجتمعية لها دور كبير في رأب الصدع في قضايا الأسرة، كما أن قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي ينص على إمكانية وقف تنفيذ العقوبة إذا تم الصلح بين الأطراف، كذلك في كثير من الحالات – ولاسيما الجرائم البسيطة – تشجع النيابة العامة الكويتية على الصلح بين الأطراف، كما  أكدت محكمة التمييز أن الأحكام الجزائية الصادرة ضد الأحداث لا تدخل ضمن السوابق الجنائية عند بلوغهم السن القانونية، وأن يودع الأحداث في مراكز إصلاحية متخصصة بدلاً من السجون، وكذلك في قضايا الطلاق، والنزاعات الأسرية تشجع الكويت على الصلح (لجنة إصلاح ذات البين) وتعد مركزًا تابعًا لوزارة العدل، يعمل على حل الخلافات وتعزيز قيم المصالحة بين الزوجين، وذلك تفاديًا للطلاق وهدم استقرار الأسرة الكويتية. كما أن الكويت تشارك في “وثيقة” النظام (القانون) للسلطة القضائية لدول مجلس التعاون الخليجية للتعاون القانوني والقضائي الدولي، وهذا مرتبط بجانب العدالة الدولية، والقوانين الجنائية عبر الحدود.

ثانيا: جمهورية فرنسا

فرنسا تستخدم عدالة جنائية تقليدية على النطاق المحلي، ولكن لها تجارب في بعض الحالات لوسائل بديلة، أو إجراءات تصالحية، أو وساطة قضائية في بعض قضايا الأحداث البسيطة، ومحكمة دولية للمسائل الدولية، ولا سيما في الجرائم الخطيرة، مثل: جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة.وفرنسا طرف في نظام روما الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية.

يتضح لنا أن العدالة التصالحية ليست ترفًا قانونيًا؛ بل ضرورة إنسانية واجتماعية تقتضي منا إعادة التفكير في أسس العقاب وجدواه، والانفتاح على مسارات تحقق التوازن بين الحقوق والواجبات والكرامة، فبعد كل جريمة لا نحتاج إلى محاكمة الجاني فقط؛ بل إلى ترميم النسيج الاجتماعي الذي اعتراه التمزيق، فالعدالة التصالحية نهج مكمل للعدالة التقليدية وليست بديلاً كاملاً، وبالذات للجرائم جسيمة الأفعال. ولعل العدالة الجنائية الدولية هي التقليدية، فهي تضمن وجود عقاب ومحاسبة قانونية، وضمانات رسمية بمحاكمة عادلة، وتعد ضرورية لاسيما في الجرائم الكبرى التي تستدعي ردعا دوليا.

ثالثا: المملكة المتحدة

تعد العدالة التصالحية أحد المكونات الرسمية للعدالة الجنائية في المملكة المتحدة، ولا سيما بعد صدور قانون العدالة الجنائية لعام 2003 الذي فتح بابًا للعمل بالممارسات التصالحية بشكل أوسع،وقد وجدنا أن النظام البريطاني يركز على الضحايا لشرح الضرر وتأثيره عليهم، وتمكينهم من مواجهة الجاني، وطرح الأسئلة عليه،ومساعدتهم للوصول إلى الشعور بالعدالة والإنصاف، مع تحميل الجاني المسؤولية عما ارتكبه بحق ضحاياه، وتأثير أفعاله بحقهم،والاعتذار إليهم، وتعويضهم أو المشاركة في التعويض سواء رمزيًا أو فعليًا. والعملية التصالحية تكون طوعية لكلا الطرفين (الجاني والضحية)، وبالنظر إلى الجهات التي تنفذ العدالة التصالحية، وجدنا أربع جهات:

– الشرطة (تقدم مبادرات تصالحية في القضايا البسيطة).

– خدمات الشباب (برامج تصالحية خاصة بالجناة الأحداث القصر).

– النيابات والمحاكم (قد توصي أو تقبل الاتفاقات التصالحية).

– منظمات المجتمع المدني وأبرزها Restorative Justice Council وهي هيئة تنظيمية تقدم الإرشاد والتوجيه.

وفي تطبيق العدالة التصالحية في المملكة المتحدة في النظام القانوني القضائي، وجدنا أنها تمارس في مراحل مختلفة منها قبل المحاكمة، كبديل للملاحقة القضائية خاصة أذا كان الجناة من الأحداث أو الأعمار الصغيرة، وتمارس بعد الإدانة لتقليل الحكم أو كجزء من عملية إعادة التأهيل، وكذلك داخل السجونللمصالحة بين السجناء والضحايا كجزء من برامج الإدماج في المجتمع. 

والجدير بالذكر بشأن النتائج الملموسة للعدالة التصالحية في بريطانيا، ومن خلال  تقارير حكومية ومراكز بحثية أشارت إلى تحسن في الصحة النفسية للضحايا بعد مواجهة الجاني،وانخفاض معدلات العود للجريمة للمشاركين في برامج ودورات العدالة التصالحية، ولعل العيب الوحيد أو لنقل التحدي الذي تواجهه المملكة المتحدة هو عدم توفر تلك البرامج والدورات في جميع المناطق، إضافة إلى التحفظ المجتمعي أو القضائي أحيانًا على جدواها، وكذلك التمويل المحدود الذي لا يغطي التكاليف، وصعوبة تنفيذها لا سيما في الجرائم الخطيرة بالرغم من التجارب الناجحة.

ولعدالة تصالحية فاعلة في الدولة لابد من الآتي:

– إصدار قانون خاص بالعدالة التصالحية (واضح ومحدد للقضايا القابلة للتصالح، وإجراءات الوساطة، ودور الجاني والضحية). 

– مراكز عدالة تصالحية مستقلة أو ضمن الأجهزة القضائية(النيابات والمحاكم).

– تدريب الكوادر القانونية والاجتماعية على مفاهيم الوساطة والعدالة التصالحية.

– تعزيز دور المجتمع المدني في الإصلاح المجتمعي.

– نشر الوعي المجتمعي بأهمية التصالح كبديل للعقوبة.

بالنظر إلى ما سبق، نجد أن العدالة التصالحية لم تعد مجرد فكرة طوباوية أو خيارًا ثانويًا، بل أصبحت حاجة ملحة وواقعية في منظومة العدالة الجنائية الحديثة، خصوصًا في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المجتمعات على الصعيدين المحلي والدولي. فهي تمثل مسارًا أكثر إنصافًا وإنسانية، حيث تُعطى الأولوية لإصلاح الضرر بدلًا من الاقتصار على إنزال العقاب. كما أنها تُعزز من فرص إعادة الاندماج المجتمعي وتمنح الجاني فرصة لتحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية، في الوقت الذي تُعيد فيه للضحية شيئًا من الكرامة المهدورة والشعور بالعدالة.

إن التجارب الدولية، كما في الكويت وفرنسا والمملكة المتحدة، توضح لنا أن تطبيق العدالة التصالحية لا يتعارض مع متطلبات الردع والمحاسبة، بل يُكملها بطريقة أكثر توازنًا وفاعلية، خاصة في القضايا التي تقبل الإصلاح والتهدئة، دون التفريط في الحقوق أو الإضرار بأمن المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *