المسؤولية القانونية عن إساءة استخدام البيانات الجينية في التحقيقات الجنائية

    شهدت العقود الأخيرة ثورة علمية في مجال علم الجينات كان لها الأثر البالغ في تطوير أدوات التحقيق الجنائي وأساليبه؛ فقد أصبح الحمض النووي (DNA) حجر الزاوية في الكشف عن الجرائم لما يتمتع به من دقة علمية، وقدرة فريدة على ربط الأدلة المادية بالأشخاص بدرجة عالية من الموثوقية، ولم يعد تحليل الحمض النووي مقتصرًا على إثبات هوية الجناة فحسب؛ بل تجاوز ذلك ليشمل تبرئة الأبرياء، وإعادة فتح قضايا قديمة، وتحديد هوية المفقودين، إضافة لضحايا الكوارث. فتوظيف التقنية الجينية في العدالة الجنائية يمثل نقطة التقاء بين العلم والقانون؛ حيث تتقاطع المعايير العلمية الدقيقة مع مبادئ العدالة والإنصاف مما يجرنا إلى النقاش حول استخدام الحمض النووي في التحقيقات الجنائية، وإلى أي مدى يتعارض ذلك مع الحق في الخصوصية؟ ويطرح تساؤلات جوهرية كذلك حول مدى تقبل النظام القانوني لتوظيف هذه التقنيات في إطار العدالة الجنائية.

 والذي زاد من أهمية هذا الموضوع هو ظهور قواعد بيانات وراثية وطنية أو شبه وطنية تحفظ وتحلل معلومات جينية للأفراد، ما يعزز قدرات التحقيق الجنائي؛ لكنه في الوقت نفسه يثير خطر إساءة الاستخدام سواء من جهة التعسف في جمع العينات، أو الاحتفاظ بها مدى الحياة، أو استخدامها لأغراض غير تلك المقررة قانونًا، أو تداولها بطرق تنتهك خصوصية الأفراد وكرامتهم.

وقد نظمت التشريعات والقوانين الوطنية للدول هذا الأمر، وإليكم بعضها لتوضيح ذلك:

دولة الكويت:

أصدرت دولة الكويت قانونًا رقم 78 لسنة 2015 بشأن قاعدة بيانات الحمض النووي لكافة المواطنين والمقيمين، وتم إلغاؤه من قبل المحكمة الدستورية في أكتوبر 2015 لشبهة دستورية، وفي عام 2025 صدر قرار وزاري رقم 678/2025 تضمن استخدام البصمة الوراثية والبيومترية في مسائل الجنسية، والذي اكتشف معه جرائم تزوير الجنسية الكويتية، والحصول عليها بطرق إجرامية مبتكرة؛ مما أثار حفيظة المزورين وأتباعهم. ودولة الكويت تطبق القوانين والقرارات الوزارية ووفقًا للدستور، وخاصة أن حريات الأشخاص مكفولة؛ حيث تنص المادة(30) من الدستور الكويتي على “الحرية الشخصية مكفولة”، و في جمع واستخدام البيانات الجينية للأفراد يكون وفقًا للقانون وبمسوغ وإذن، وبتدقيق ورقابة وزارة الداخلية؛ لضمان السرية العامة والخصوصية في التعامل مع البيانات الوراثية المتحصل عليها، ويتمثل ذلك في المواد(8) و (10) والإجراءات وضحتها البنود من (1 الى 4) من  المادة (6) وفقًا للقرار رقم 678 لسنة 2025  بشأن استخدام الوسائل العلمية الحديثة في منح أو سحب أو فقد أو إسقاط الجنسية الكويتية، والذي يستند إلى قرار قانون الجنسية الكويتية رقم (15) لسنة 1959 حيث يعاقب المشرع الكويتي على إساءة استخدام البصمة البيومترية، والبيانات الوراثية. وتشمل العقوبات الغرامة المالية، والتي تصل إلى 10 آلاف دينار، والحبس لمدة سنة أو أحدهما، والعقوبة قد تصل إلى الحبس لمدة تصل الى 7 سنوات لمن يقدم عينات مزورة.

والجدير بالذكر أن تقنية البصمة البيومترية كشفت هوية المتهم الرئيس في العصابة التي امتهنت سرقة حسابات مصرفية خلال أقل من  24 ساعة؛ حيث إنه في أغسطس 2025 تمكنت وزارة الداخلية – قطاع الأمن الجنائي – من ضبط التشكيل العصابي الآسيوي الذي استخدم أسلوب إجرامي جديد عبر استغلال خاصية السحب بدون بطاقة من أجهزة السحب الآلي، وذلك بعد مطابقة صور الجاني أثناء قيامه بعمليات السحب مع قاعدة بيانات البصمة البيومترية في الإدارة العامة للأدلة الجنائية، وهو إنجاز رائد لاستخدام التقنيات الحديثة لحفظ أمن وسلامة المجتمعات.

سلطنة عمان:

في عام 2024 أصدرت سلطنة عمان قانونا رقم 21/2024 بشأن البيانات البيومترية، والذي ينظم تلك البيانات بجمعها ومعالجتها، بما في ذلك الحمض النووي؛ للاستعانة بها في التحقيقات الجنائية، ويشترط الحصول على الإذن من السلطات المختصة قبل جمع هذه البيانات، وفرضت سلطنة عمان عقوبات صارمة على إساءة استخدامها. ويظل التحدي قائمًا لضمان تطبيق القوانين بشكل فعال وبمصداقية كبيرة.

المملكة العربية السعودية:

دخل قانون حماية البيانات الشخصية (PDPL) حيز التنفيذ مؤخرًا، وهو يشمل بيانات حساسة، مثل: الجينية، ويضع التزامات أولية لمراقبة معالجة البيانات الشخصية، ومع ذلك لا يزال القانون يفتقر إلى تنظيم محدد فيما يتعلق باستخدام البيانات الجينية في التحقيقات الجنائية، مما يترك مجالًا للثغرات القانونية التي قد تستغل في إساءة الاستخدام.

الجمهورية الفرنسية:

شرعت فرنسا تشريعات محددة تنظم استخدام البيانات الجينية؛ فقانون حماية البيانات الشخصية Informatique et Libertes Loi)) ينظم جمع ومعالجة البيانات الشخصية، بما في ذلك البيانات الجينية، ويتطلب القانون الحصول على موافقة صريحة من الأفراد قبل جمع بيناتهم الشخصية، ويحدد العقوبات في حال المخالفة بإساءة استخدامها وفق تشريع قانوني بإطار تقاضي مميز؛ إذ يحظر المشرع الفرنسي بموجب المادة 226-25 من قانون العقوبات والمادة 2 – 1133L. من قانون    

وقانون الصحة العامة الفرنسي (Code de la Sante puplique) نظم استخدام البيانات الجينية في المجال الطبي، والبحث العلمي، ويحدد الشروط اللازمة لجمع واستخدام هذه البيانات.

الرقابة الدولية إزاء المسؤولية القانونية في حال انتهاك الدول لخصوصية الأفراد:

في واقعة قانونية أثارت قضية انتهاك حقوق الخصوصية بسبب تخزين بيانات الحمض النووي، وكيفية تعامل القضاء معها؛ حيث قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 2017 بأن فرنسا انتهكت حقوق الخصوصية لأحد الأفراد، بسبب تخزين بيانات الحمض النووي الخاصة به لمدة طويلة دون وجود ضمانات كافية، وقد حكمت محكمة فرنسا بدفع تعويض قدره 3.000 يورو لهذا الشخص استجابة لهذا الحكم.

وعلى ضوء ذلك قامت فرنسا بتعديل قوانينها في عام 2021 لتحديد مدة تخزين البيانات بناء على جدية الجريمة المرتكبة، وأتاحت للأفراد إمكانية طلب حذف بياناتهم من قاعدة البيانات الوطنية للحمض في بعض الحالات.

ومن الواضح أن استخدام البيانات الجينية في التحقيقات الجنائية يعد من التطورات العلمية الهامة، إلا أنه يثير تحديات قانونية وأخلاقية، والمسؤولية القانونية  تتطلب تطوير أطر تشريعية واضحة بضمانات فنية وإجرائية، وآليات لحذف البيانات، وإمكانية مساءلة الجهات التي تتعامل بهذه البيانات؛ لنضمن  التوازن بين تحقيق العدالة الجنائية وحماية حقوق الأفراد، فمن الضروري أن توازن كافة التشريعات في جميع الدول بين أهداف الأمن العام والكشف الجنائي، وبين حماية الحقوق للأفراد بمراجعة وتحديث قوانينها بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الانسان، ومواجهة التحولات التقنية المتسارعة  لضمان الاستخدام الأمثل والآمن لهذه البيانات، باستخدام متنامٍ للتكنولوجيا الوراثية.

“إن تعبت في الخير فإن التعب يزول والخير يبقى” سقراط”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *