20 نوفمبر، وطنٌ يعيد تعريف إنسانه

في العشرين من نوفمبر من هذا العام، لا تحتفل سلطنة عُمان بذكرى وطنية عابرة، ولا تستحضر مجرد تاريخ مكتوب على وثيقة أو موثق في أرشيف. إننا في هذا اليوم نحتفل بشيء أشد رسوخًا من كل الأزمنة؛ نحتفل بفكرة الوطن وهو يتحوّل من جغرافيا إلى ذاكرة، ومن أرض إلى ضمير، ومن حدود إلى روح تسكننا وتربينا وتمنحنا اللغة الأولى للانتماء.
الانتماء ليس نشيدًا نتلوه، بل سلوكًا نعيشه. ولقد أفاض الكثيرون في تعريف الانتماء، لكن العُماني صنع تعريفه الخاص حتى بصمته: الانتماء أن تفعل ما يفخر به الوطن وينفعه، حتى في اللحظات التي لا يراك فيها أحد. أن تكون مسؤولاً عن صورتك الشخصية لأنها تصبح صورة لبلدك. أن تدرك أن كل تصرف صغير منك هو لبنة إيجابية أو سلبية في بناء الوطن، حتى وإن لم تدخل مجلس الوزراء أو مجلس الدولة.
الانتماء أن لا تسأل دائماً: ماذا أعطتني عُمان؟ بل أن تسأل نفسك كذلك: ماذا أضفتُ أنا اليوم لعُمان؟
في جوهر الانتماء أن تشعر أن البلد ليس خدمة تقدّمها الحكومة لك، بل مستقبل تكتبه أنت أيضاً.
والولاء هو الآخر ليس عاطفة قابلة للمقايضة، قد يختلط على البعض الولاء بالامتنان، فيظنون أنه ردّ جميل مقابل ما تقدّمه الدولة من تعليم، وصحة، وأمن وفرص. لكن الولاء أعمق من ذلك بكثير، الولاء هو الاعتراف الوجداني غير المشروط، بأن هذا المكان هو وطنك، حتى لو تعثّرت بعض خطواته. الولاء ليس موافقة عمياء ولا معارضة متمردة. الولاء أن تكون شريكًا في الإصلاح، لا متفرّجًا على العطب.
وحماية مكتسبات الوطن، مسؤولية تبدأ من مكتبك الصغير، فحين نتحدث عن حماية مكتسبات الوطن، يتسابق في الذهن صور نمطية عن المشاريع الكبرى، والإنفاق العام، والاتفاقيات الدولية، والميزانيات السنوية. ولكن الحقيقة أن الوطن لا يُنهب بالفساد المالي فقط، بل حين نضيّع فرصاً ممكنة لأننا نخاف التغيير، ونقلل من شأن بعضنا البعض ونحتقر إنجازات بعضنا، وحين نعمل بأنانية مفرطة لا يوجد أمامها موطئ قدم لهذا الوطن.
وعليه، فإن الوطن ليس أبنية إسمنتية شاهقة، الوطن منظومة قيم. فإذا انهارت القيم، انهار معها البناء بأكمله.
وحين نتأمل مفهوم التنمية، فهي ليست خطة حكومية، التنمية تبدأ من تربية طفل صحيح. لذا يمكن القول إن من أجمل ما صنعته رؤية عُمان 2040 أنها أعادت تعريف التنمية، ورفعت مستوى الرؤية من مستوى “تحسين الخدمات” إلى مستوى “تعظيم المستقبل”. هذه الرؤية تفترض أن كل عائلة هي وزارة تربية، وأن كل بيت هو مؤسسة قيم، وأن كل أب وأم هما أول وزيري تنمية في حياة أبنائهما.
إن الطفل الذي ينشأ في بيت يحترم القانون، ويتعلم قيمة الوقت، ويحفظ الأمانة، ويتربى على الشفافية، ويشاهد أباه أو أمه يعملان بإخلاص، هو مشروع دولة متقدمة بعد 25 عامًا.
فلنسأل أنفسنا:
ما الذي يمكن أن نقدّمه لمؤسسات الدولة لنساعدها على أن تتحسّن؟
كيف نكون جزءًا من عملية اتخاذ القرار لا مجرد مستقبلين؟
هل نحن ننتج معرفة وقيمة للأجيال القادمة أم نستهلك فقط؟
ففي هذا اليوم الوطني، نحن لا نجدّد فقط الولاء لقائد النهضة المتجددة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه، بل نجدّد تعريفنا لأنفسنا كمواطنين. نجدّد إيماننا بأننا لسنا مجرد سكّان، بل شركاء. بأن الوطن هو رأس مالنا الوحيد الذي لا يُعوَّض. وأن كل فرصة، وكل نجاح، وكل أمل، وكل استقرار، يولد من رحم هذه الأرض.
وأخيرًا…
حين ترفع عُمان رايتها في العشرين من نوفمبر، هي لا تحتفل بالماضي. هي تحتفل بنا نحن. نحن الذين يجب أن نكون نُسَخًا أفضل من أنفسنا؛ أكثر صدقًا، وأكثر وعيًا، وأكثر إنتاجًا، وأكثر التزامًا.
وتبقى عُمان، كما هي منذ آلاف السنين، وطنًا لا يقاس بحدوده، بل بأبنائه.
وكل عام وعُمان تزداد قوةً بمن يحبها فعلاً.. لا قولاً.
