عُمان… إرثٌ خالد يزهو برؤيةٍ تصنع المستقبل

في فجر العشرين من نوفمبر من كل عام، تتجدد في عُمان مشاعر الفخر والانتماء، إذ تحل المناسبة الغالية لليوم الوطني العُماني بثوبها المتجدد، مستذكرةً مسيرة تأسيس سلطنة عُمان المجيدة. يومٌ يحمل عبق التاريخ، ووهج الحاضر، وآمال المستقبل. فيه يحتفي العُمانيون بما صنعته أمتهم من مجدٍ بعزيمةٍ راسخة، وبما أنجزته من نهضةٍ بحكمةٍ رائدة، مواصلين طريق التنمية والعطاء في ظل القيادة الحكيمة لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – وبرؤيته المتجددة نحو المستقبل.

لقد كانت النهضة التي أطلقها السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – البذرة الأولى للأمل، التي أنبتت أمةً فخورة بذاتها، وراسخة بعطائها. واليوم، يواصل الشعب العُماني مسيرته بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – مستندًا إلى إرثٍ متين، ومنطلقًا برؤيةٍ عصريةٍ واستشرافية نحو آفاقٍ أرحب من التنمية والازدهار.

في هذا اليوم المجيد، لا يُقاس الزمن بالساعات والدقائق، بل بالفخر الذي يسكن وجدان كل عُماني. إنه فخر لا يُقدَّر بثمن، متجذر في عمق الحضارة الإنسانية، ومتصل بجذور التاريخ وامتداد المستقبل. فاليوم الوطني ليس مجرد استذكارٍ لماضٍ مضيء، بل هو تجديدٌ للعهد ومراجعةٌ لمسيرة 281 عامًا من التطور، من النهضة الأولى إلى رؤيةٍ حديثة تُعيد صياغة المستقبل بثقةٍ وطموح.

ويمثل اليوم الوطني العُماني محطة تاريخية خالدة تستحضر بدايات الدولة البوسعيدية عام 1744م، حين أرسى الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي دعائم الوحدة والسيادة والاستقلال، لتبدأ عُمان مرحلة جديدة من تاريخها المجيد. ففي العشرين من نوفمبر من كل عام، لا يحتفي العُمانيون بذكرى وطنية فحسب، بل يحتفون بولادة دولةٍ موحدةٍ متماسكة، استطاعت أن تحافظ على كيانها وهويتها رغم التحديات وتقلبات الزمن. إنه يوم يختزل مسيرة ثلاثة قرون من البناء والعطاء، ويجسد استمرار العهد بين الأجداد والأحفاد في حماية الأرض وصون الكرامة ومواصلة مسيرة النهضة، ليبقى هذا التاريخ رمزاً للثبات والسيادة والمجد العُماني الأصيل.

ومن هذا الإرث العريق الذي أسسه الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، وتواصل عبر الأجيال بسواعد القادة المخلصين، انطلقت مسيرة النهضة الحديثة لتجسّد امتدادًا طبيعيًا لذلك المجد التاريخي. فقد شكلت مبادئ الوحدة والسيادة والاستقلال التي قامت عليها الدولة البوسعيدية الأساس المتين الذي تستند إليه عُمان اليوم في بناء حاضرها واستشراف مستقبلها. ومع تعاقب العصور، لم تتوقف عجلة التطور، بل استمرت بروحٍ وطنيةٍ واعية، تؤمن بأن الحفاظ على الهوية لا يتعارض مع الانفتاح على العالم، وأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار في نهضة الأوطان.

إن “الرؤية الجديدة” التي تتبناها سلطنة عُمان ليست مجرد خطة اقتصادية أو وثيقة تنموية فحسب، بل هي نهج حياةٍ متكامل يتمحور حول الإنسان باعتباره صانع التنمية وغايتها. فـ”رؤية عُمان 2040″ تجسّد طموح وطنٍ عريق، يستمد قوته من قيمه الأصيلة، ويمنح أبناءه الفضاء الواسع للإبداع والمشاركة في بناء مستقبلٍ يليق بعُمان المجد والحكمة.

تمثل رؤية عُمان 2040 استجابة استباقية واعية للتحولات العالمية المتسارعة، إذ تمضي السلطنة بثبات نحو التحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والابتكار، والتعليم عالي الجودة، مع حفاظها على هويتها الثقافية المتفردة، وجذورها العربية والإسلامية الراسخة. إنها رؤية تُجسد توازناً فريداً بين الأصالة والمعاصرة، وتُعيد صياغة العلاقة بين التراث العريق والطموحات المستقبلية في انسجامٍ يربط عُمان بالعالم بثقةٍ ورصانة.

وفي هذا اليوم الوطني المجيد، يلتف الشعب العُماني تحت راية واحدة، يجمعهم الحب والولاء والعهد المتجدد، في لوحةٍ وطنيةٍ نابضة تُجسد معاني التضامن والتفاني. فالوطن ليس مجرد حدودٍ على خريطة، بل روحٌ نابضة في القلوب، وذاكرةٌ متوارثة عبر الأجيال. من أقصى شمال مسندم إلى جنوب ظفار، تصدح القلوب بصوتٍ واحدٍ يملأ الآفاق: “عُمان أرض المجد والعز.”

ويُعرف العُمانيون بحكمتهم واتزانهم، ففي عالمٍ يموج بالتقلبات، ظل اسم عُمان مرادفاً للعقلانية والسلام. بسياساتها الثابتة ومواقفها المتزنة، أصبحت السلطنة واحةً آمنة وموئلاً للثقة والاستقرار، تدعو إلى الوحدة لا التفرقة، وإلى البناء لا الهدم، مقدمةً للعالم نموذجاً يحتذى به في الاعتدال والتوازن.

وفي ظل هذه المسيرة، تواصل المؤسسات الوطنية والمجتمع المدني، ومعهم الشباب والمبدعون، المضي بثقة نحو مستقبلٍ أكثر إشراقاً، مؤمنين أن التقدم لا يُختزل في الاحتفالات، بل يُبنى بالعمل اليومي الجاد. ففي المدارس والجامعات، في المصانع والمزارع، وفي المختبرات ومراكز الابتكار، يتجلى العطاء العُماني الأصيل، مؤكداً أن الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل سلوكٌ يُمارس، وإخلاصٌ يُترجم إلى إنجاز.

الأدب والفن هما مرآة الأمة وصوت وجدانها، وفي هذا اليوم المجيد يتجدد الإبداع العُماني في أبهى صوره؛ فالشعر يصدح، والأغاني تنبض بالولاء، واللوحات الفنية تشع بروحٍ عُمانيةٍ أصيلة تعبّر عن انتماءٍ عميقٍ وحبٍ صادقٍ للوطن. عُمان، مهد اللغة والفكر والروح منذ القدم، تواصل نسج مستقبلٍ يليق بمجدها وتاريخها العريق، فكيف لا وهي التي علمت الأجيال معنى الأصالة والعطاء؟

وفي اليوم الوطني العُماني، نقف جميعاً، أبناء هذا الوطن العزيز، بفخرٍ وإجلالٍ أمام علمنا المرفرف، نجدد العهد والولاء، مؤكدين التزامنا بأن نحيا من أجل عُمان، ونعمل من أجل ازدهارها، ونحافظ عليها كما صانها الآباء والأجداد. فاليوم الوطني ليس مجرد ذكرى عابرة نحتفي بها، بل هو روحٌ نابضة نعيشها كل يوم، تلهمنا وتدفعنا لمواصلة العمل والعطاء دون توقف.

عُمان، يا أرض النور والسلام، ستبقين وعداً لا يزول في قلوبنا، ومجداً خالداً تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل. دمتِ حرةً كريمة، ودام سلطاننا المفدى هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – ذخراً لهذا الوطن، ودام شعبك الوفي مخلصاً لعُمان، سائراً بثباتٍ نحو المستقبل برؤيةٍ متجددةٍ وعزيمةٍ لا تعرف الانكسار.

حليمة بنت محمد السعدية

كاتب بمجلة إشراق العمانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *