أطفال خارج السيطرة: الإدمان الرقمي يهدد مستقبل أسرنا وأبنائنا

في عصر الرقمنة الذكية، وفي زمنٍ تسللت فيه التكنولوجيا إلى تفاصيل حياتنا وحياة أطفالنا، بات الكبير والصغير أسرى الشاشات المضيئة التي لا تنطفئ. إن الإدمان الإلكتروني لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أزمة تربوية وصحية تتفاقم بصمت؛ فالألعاب والتطبيقات المختلفة تخطف البالغين قبل الصغار من أحضان واقعهم، فتبهت ملامح الطفولة، وتتراجع المسؤولية الوالدية خلف ضوء أزرق لا ينام.

وبينما ينشغل العالم بتطوير هذه “الأسلحة الناعمة” التي غزت عقولنا وبيوتنا، وتتنافس الدول في سباق التحول الرقمي، يغيب عنّا الثمن الباهظ الذي ندفعه نحن وأطفالنا. فها هم الصغار يعانون عزلة واضطرابًا وتشتتًا، وتغيرات تمس سلوكهم ونموهم، لتصبح هذه الحقيقة المؤلمة واقعًا يفرض نفسه على كل بيت.

فهل أصبح العالم الرقمي هو من يدير أطفالنا بدلًا عنّا؟ وهل تحولنا ـ نحن وأبناؤنا ـ إلى أسرى في قبضته؟ وكيف نكون قدوة لأطفالنا إذا كنّا نحن أوّل ضحاياه؟ وما السبل التي تضمن حماية أبنائنا، وصون صحتهم البدنية والنفسية والعقلية داخل أسرة آمنة مستقرة؟

لقد أصبحت معظم دول العالم تواجه تحديًا متصاعدًا يتمثل في الجرائم الإلكترونية، لا سيما تلك التي يرتكبها الجناة من فئة الأحداث والمدمنين على وسائل التواصل. فبين أيديهم أدوات رقمية واسعة التأثير، قد يُساء استخدامها جهلًا أو عمدًا، فتُرتكب الجرائم، وتُنتهك الأعراض، ويُطال شرف وسمعة الأبرياء بلا وعي بعواقب تلك الأفعال أو إدراك لخطورتها القانونية والاجتماعية.

وقد كانت الأمريكية د. كيمبرلي يونغ من أوائل أطباء النفس الذين عكفوا على دراسة ظاهرة الإدمان الإلكتروني (Internet Addiction Diorder) منذ العام 1994 وتعرف إدمان الإنترنت بأنه: “استخدام شبكة الإنترنت أكثر من 38 ساعة أسبوعيًا”.

وعرفت الإدمان الإلكتروني من الناحية القانونية على أنه: “الرغبة الملحة لدي الشخص البالغ أو الحدث في تكرار سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار، والتعرض لارتكاب سلوك مجرم قانونيًا بنفسه، أو بتحريض، أو مساعدة أو تسهيل من غيره عمدا أو بجهل، ويترتب عليه عقوبة وفقًا للقانون”.             

فالمشاكل التي تعاني منها الدول بسب الإدمان الإلكتروني كثيرة ومعقدة رغم تحديث التشريعات ومنها:

  • صعوبة التقاضي الإلكتروني الجنائي في كثير من الأحيان، كذلك طول مدة التتبع للخوادم بسبب ذكاء مستخدمي المواقع الالكترونية من الإفلات من المساءلة القانونية.
  • غزو فكري حديث ومعقد يسيطر على الأشخاص البالغين والأحداث تواجهه المجتمعات.
  • وجود مشاكل الانفلات الأخلاقي عند بعض الأطفال في المجتمع.
  • توافر خدمة الإنترنت في جميع الأماكن والمحلات، وبعض الدول بمجرد الدخول إلى أراضيها يتم الدخول إلى الإنترنت، والفضاء الكتروني بتوفير الأبراج الهوائية في كافة الشوارع والطرق.
  • دور البيئة الافتراضية في جذب الأشخاص وفقًا للحوافز المقدمة لمرتادي الفضاء الإلكتروني، ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي
  • التساهل في تطبيق القانون على الوالدين خاصة بشأن العقوبات الواجب تطبيقها في حال تعرض الطفل للخطر.
  • وفرة الأجهزة الكترونية وبأسعار تنافسية رخيصة مع توافر خدمة التوصيل. انتشار الشائعات

وتوجد عدة آثار سلبية لمرض الإدمان الإلكتروني، ولعل أهمها: التفكك الأسري الكبير والذي ترتب عليه حالات الطلاق، وانتشار الشائعات، والاكتفاء بأصدقاء من العالم الافتراضي، والتوتر والقلق والذهان، والانطواء والعزلة، تغير المفاهيم لدى الأطفال؛ فأطفال هذا الجيل يتميزون بفكر وعقلية مختلفة بسبب التواصل الإلكتروني مع مختلف الأشخاص، والمواقع من داخل الدولة وخارجها، وآلام في العمود الفقري والرقبة والكتفين، والصداع والخمول، السمنة، الرهبة والقلق، أمراض الانفصام في الشخصية، معاناة المتولي لرعاية طفل في المراقبة والسيطرة على سلوك الطفل.

ولعل من أبرز المشاكل الخطيرة أقولها – وكلي أسف – أن الكثير من الأطفال الذين تعرضوا ومازالوا يتعرضون للخطر لا أحد يعلم بهم؛ فهؤلاء الأطفال لم يبلغوا عما وقع لهم، واحتفظوا بما مروا فيه بمكنونات صدورهم وعقولهم بما فيه من ألم ودمار لأي سبب كان، والراجح هو الخوف من العقاب البدني، أو الخوف من حرمانهم استخدام التواصل الاجتماعي، أو الابتزاز من قبل من استغلهم وعرضهم للخطر؛ فالكثير من الأطفال ضعاف من الداخل، متزعزعي الثقة، ومنغلقين على أنفسهم يعانون نفسيًا.

والجدير بالذكر أن الإدمان الإلكتروني لوسائل التواصل الاجتماعي، هو مرض نفسي اجتماعي يحتاج إلى علاج المدمن عليه بخضوعه لعلاج نفسي سلوكي بحسب الحالة. 

إلا أن الإدمان الإلكتروني مرض غير معدٍ، بدليل أن المجتمعات ليس الجميع فيها مدمنًا لوسائل التواصل الاجتماعي؛ فمنهم من يكتفي بتلقي المكالمات والرسائل النصية، سواء لجهله بالتكنولوجيا أو لعدم رغبته في التعامل مع العالم الرقمي. ويبرز السؤال: متى يكون التدخل العلاجي حتميًا ولازمًا للعلاج من مرض الإدمان الالكتروني؟

وأختصر الإجابة بأن التدخل يصبح واجبًا حينما يعرض الشخص نفسه أو غيره للمساءلة القانونية، بسبب ارتكاب أفعال تشكل جرائم يعاقب عليها القانون، وترتكب عبر الفضاء السيبراني. كذلك الطفل أو البالغ حينما يصل إلى مرحلة الإدمان الإلكتروني وتبعاته بأعراضه ونتائجه؛ فيكون عرضة لتكرار هذا السلوك نفسه بأية صورة كانت، فنحن أمام حالة مرضية نفسية سلوكية تستدعي التدخل العلاجي السلوكي؛ فالشخص قد أدمن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وليس لديه القدرة في الكف أو التحكم أو الابتعاد عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بنفسه، ويحتاج إلى التدخل من الآخر لانتشاله من هذا المرض.

ونحن أمام هذا الغزو الالكتروني الصامت – لم يعد الصمت خيارًا، وإنقاذ الطفولة من فخ الإدمان يبدأ بوعي الوالدين المسؤولين عن الأسرة واستقرارها، وصحة أبناءها، ثم مسؤولية المدرسة، ويقظة المجتمع.  فنحن بحاجة لمراقبة أبناءنا بعيوننا، واحتوائهم بقلوبنا، وبحاجة لحدود رقمية تحميهم وتحمينا دون أن تعزلهم أو تعزلنا.

إنها لا شك معركة ليست ضد التكنولوجيا؛ بل من أجل توازن صحي لنا جميعا سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع، لنعيد للطفولة حيويتها وحضورها، وللحياة الطبيعة ألوانها ورونقها، وكلنا مسؤولون عن أطفالنا الذين أضحوا في العالم الرقمي ضحية؛ فهل نمتلك الشجاعة والقدرة على إعادة أبنائنا من العالم الافتراضي إلى واقع يستحقون أن يعيشوه بكل أمواجه وتقلباته وتحدياته؟

دمتم بود…

عندما يخطف الضوء الأزرق طفولة أبنائنا تصبح الرقابة والوعي حصن الأبناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *