الحادي عشر من يناير: ميلاد النهضة المتجددة ومسار الدولة العُمانية الحديثة

إن الحادي عشر من يناير ليس مجرد رقم عابر في التقويم؛ بل هو يوم يحمل في طياته ذاكرة الشعب العماني، يوم تطوي فيه عُمان صفحة جديدة في تاريخها المجيد، صفحة كتبت بحكمة وثقة وعزيمة لا تلين. في هذا اليوم، تولى جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – زمام النهضة المتجددة. هذا اليوم يبشر بأن النهضة الحديثة ستستمر بروح متجددة، ورؤية أعمق، وشعور أشمل بالمسؤولية اتجاه الشعب والوطن والمستقبل.

في هذا اليوم التاريخي، لم تبدأ عُمان من الصفر، ولم تقطع صلتها بتقاليدها؛ بل واصلت مسيرتها التاريخية، مستندة على أساس متين من التنمية، وإنجازات تراكمت بوعي، وانتقلت سلميًا وبحكمة إلى مرحلة جديدة تتطلب فهمًا جديدًا، وأدوات أكثر مرونة، وتخطيطًا طويل الأمد. كان انتقال القيادة اختبارًا حقيقيًا لمرونة هذه الشعب العظيم، وقد أثبتت عُمان -قيادةً وشعبًا- نموذجًا فريدًا للاستقرار السياسي الخارجي، والوحدة الوطنية الداخلية، والثقة المتبادلة.

   الحادي عشر من يناير يوم يجسد معنى الدولة الحديثة، لا مجرد كيان إداري، بل مشروع حضاري شامل الركائز. في هذا المشروع، تدار الموارد المادية والمعنوية إدارة رشيدة، وتصان القيم والمبادئ، وتعتبر الإنسانية غاية ووسيلة في آن واحد. منذ تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- الحكم، ترسخ خطاب وطني واضح، يتسم بنبرة سلمية ومضمون عميق. يضع هذا الخطاب المواطن في صميم اهتماماته، وينظر إلى التخطيط الإستراتيجي كمنهج لا كخيار. وقد أكد جلالته على ذلك في اجتماعاته مع مجلس الوزراء، وأصدر توجيهات حكيمة.

أعاد هذا اليوم تعريف مفهوم “النهضة”، متجاوزًا المشاريع الضخمة، والبنية التحتية إلى نهضة في الوعي، والتشريعات، والإدارة، والفكر. وتؤمن هذه النهضة إيمانًا راسخًا بأن التنمية المستدامة لا تتحقق إلا بتكامل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ فالإصلاح الحقيقي يبدأ بتنمية المواهب من خلال الفهم والمبادرة والمسؤولية.

وفي خضم هذه النهضة، تبلورت رؤية عُمان المستقبلية 2040 ضمن إطار شامل يربط الحاضر بالمستقبل، ويوازن بين الطموح وإمكانات التنمية، ويؤكد أن التقدم لا يعني التضحية بالهوية، وأن الانفتاح لا يعني الذوبان في المجتمع. وقد أصبحت السياسات أكثر شفافية، وصنع القرار أكثر وضوحًا، والمساءلة أكثر بروزًا، مما يعكس نضج التجربة العُمانية وثقة القيادة في الشعب.

يوم الحادي عشر من يناير هو يوم لإعادة تأكيد الالتزامات، يوم يلتقي فيه التاريخ بالمستقبل، وتتلاقى فيه الحكمة بالإرادة. في هذا اليوم، يدرك المواطن العُماني أن التقدم مسؤولية جماعية؛ فالأمة لا تبنى بالانتظار؛ بل بالعمل، وأن الإنجازات لا تصان إلا بالعمل الجاد والتفاني والإيمان الراسخ بأن لكل فرد دورٌ حيوي في عملية البناء.

ومن أبرز سمات هذه المرحلة من النهضة تركيزها الواضح على التنمية المستدامة، التي لا تنعكس في المجال الاقتصادي فحسب؛ بل في الفكر والسلوك أيضًا. وتقوم هذه التنمية المستدامة على تنويع مصادر الدخل، وتشجيع الابتكار، وتمكين الشباب، وترسيخ ثقافة العمل الدؤوب، وحماية الموارد، وكلها تتناغم تماما مع القيم العُمانية الأصيلة التي تشكل حجر الزاوية لاستقرار عُمان وتماسكها الاجتماعي.

يوم النهضة المباركة -الحادي عشر من يناير- ليس مجرد احتفال بالماضي؛ بل هو دعوة صريحة للتأمل في الحاضر واستشراف المستقبل. في هذا اليوم، نتأمل ذواتنا، ونقيم مسؤولياتنا، ونسأل أنفسنا: ما الذي قدمناه لهذا الوطن الغالي الذي منحنا كل شيء؟ كيف نكون جديرين بالثقة التي أولاها لنا قادتنا الحكماء وسلاطيننا العظماء؟

في هذا اليوم، تظهر عُمان شخصيتها الوطنية المتميزة، سائرة بثبات على دربها الراسخ، لا تتزعزع أمام التحولات العالمية المتسارعة أو التحديات العابرة. إنه وطن يقدر الحوار، ويسترشد بالعقل، ويحول التحديات إلى فرص، والأزمات إلى دروس، والأحلام إلى واقع.

الحادي عشر من يناير يوم وطني خالد تسطر فيه عُمان بثقة فصلا جديدا؛ إنه يوم يتجدد فيه العهد والولاء لمولانا صاحب الجلالة المفدى، وتثبت عُمان فيه أن هذه ليست نهاية التاريخ؛ بل مسيرة متواصلة تتجدد بتغير القيادة، وتتعمق بتراكم الوعي، وتزدهر بوحدة الأمة بأسرها. في هذا اليوم، نعلن: “أن سلطنة عمان، بقيادتها الحكيمة وشعبها المخلص، تسير نحو النهضة، دون أن تحيد عن قيمها أو تتخلى عن طموحاتها”.

في هذا اليوم الخالد، تتجدد عُمان روحًا ومعنى، وتنهض بثقةٍ متجددة نحو غدها. أمةٌ جعلت الحكمة نهجها، والإنسان محور مشروعها، والمستقبل أفق رؤيتها؛ فاستحقت أن تكون وطنًا خالدًا بعظمة تاريخها، وسمو قيمها، وخلود سلاطينها.

ختامًا، يبقى الحادي عشر من يناير علامةً مضيئة في الذاكرة الوطنية العُمانية، لا بوصفه حدثًا عابرًا، بل محطة وعيٍ وتجددٍ ومسؤولية. إنه يوم تؤكد فيه عُمان، قيادةً وشعبًا، أن مسيرتها لا تقوم على ردود الأفعال، بل على الرؤية، ولا تُدار باللحظة، بل تُبنى بالتخطيط والعمل والإيمان بالإنسان. وفي ظل قيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – تمضي الدولة العُمانية بثبات نحو مستقبلها، مستندة إلى تاريخ راسخ، وهوية متجذرة، وإرادة وطنية واعية. إن النهضة المتجددة ليست شعارًا، بل التزامًا وطنيًا متواصلًا، تتكامل فيه أدوار الجميع، ليظل الوطن قويًا بوحدته، مزدهرًا بوعيه، ومحصنًا بقيمه، ومؤهلاً لمواجهة المستقبل بثقةٍ واقتدار.

حليمة بنت محمد السعدية

كاتب بمجلة إشراق العمانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *