من حفظ المعرفة إلى بنائها: التعليم ورأس المال الاجتماعي

     شهد التعليم خلال العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في أهدافه وممارساته؛ فبعد أن كان التركيز منصبًا على حفظ الدروس وتلقينها، واستظهار المعلومات، أصبح الاهتمام منصبًا على بناء المعرفة وصناعتها، بما ينسجم مع متطلبات مجتمع المعرفة وتحديات الثورة الصناعية الرابعة. لم يعد الطالب مجرد متلقٍ سلبي، بل تحول إلى فاعل اجتماعي يشارك في إنتاج المعنى، وصياغة الخبرة، وبناء مهارات التفكير الإبداعي. وهذا التحول لا يعكس فقط تغييرًا في طرق التدريس أو المناهج، بل يمثل تحولًا اجتماعيًا عميقًا في علاقة التعليم بالمجتمع، حيث يُنظر إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة لإنتاج رأس المال الاجتماعي، وتعزيز قيم التعاون والاندماج، وتمكين الأجيال الجديدة من المساهمة الفعّالة في التنمية.

     وينطلق هذا المقال من التساؤل الجوهري كيف يمكن أن ينتقل التعليم العربي من مرحلة تكديس المعلومات وحفظها إلى مرحلة بنائها وصناعتها وتحويل العملية التعليمية لرأس مال اجتماعي للطالب وإدماجه من خلالها في مجتمعه وإنتمائه إليه، فإن البنائية تدعي أن المعرفة تبنى في عقل المتعلم ولا يتم اكتسابها، وإن المعرفة نفعية للمتعلم فهو يبني معرفته ليستخدمها في الموقف ، وأن كل فرد له تركيب عقلي أو بناء عقلي مختلف عن غيره، حيث يتم بناء المعرفة في عقل المتعلم عن طريق عمليات المحاكاة والتوازن والمواءمة ثم التكيف،  فقد ارتبط التعليم التقليدي بمرحلة تاريخية كانت المعرفة فيها محدودة ومتاحة عبر المعلم أو الكتاب فقط، مما جعل وظيفة المتعلم هي الحفظ والتكرار. أما في ظل الثورة الرقمية والمجتمع المعرفي، فقد أصبح الوصول إلى المعلومات متاحًا للجميع، وهو ما فرض على التعليم أن يتحول من مجرد “نقل للمعلومة إلى صناعة الوعي وتنمية قدرات التفكير للطالب، فكان لا بد من  توجيه جميع البلدان لهذه السرعة وبناء مناهج مطورة تتناسب مع أعمار الأطفال وكذلك عصرهم التكنولوجي المتطور في ظل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والذي يلعب دوره الكبير في تفتيح الأفكار ومساعدة الطلاب على اكتساب المهارات وتزويدهم بكم هائل من المعلومات حول موضوعاتهم الدراسية.

     فقد أصبحت المدرسة من أبرز المؤسسات الاجتماعية التي تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل وعي الأجيال وصياغة هويتهم الثقافية والقيمية. ففي مراحل التعليم التقليدي، كانت المدرسة تُنظر إليها باعتبارها أداة لنقل التراث الثقافي والمعرفي من جيل إلى آخر، حيث تركزت وظيفتها على التلقين وترسيخ القيم السائدة وضمان استمرارية النظام الاجتماعي القائم، غير أن التحولات الفكرية والاجتماعية التي صاحبت نشوء مجتمع المعرفة أدت إلى إعادة تعريف دور المدرسة. فلم تعد مجرد قناة لنقل المعلومات، بل غدت فضاءً لإنتاج المعرفة من خلال تشجيع التفكير النقدي، وتعزيز الإبداع، وتنمية مهارات التعلم الذاتي والتعاوني. وأصبحت المدرسة اليوم مطالبة بأن تُعدّ طلبتها للتفاعل مع التغيرات المتسارعة، وتُمكنهم من المساهمة الفاعلة في بناء مجتمع معرفي أكثر مرونة وعدالة، فتحولت المدرسة من مؤسسة “ناقلة” إلى مؤسسة “مولِّدة” للمعرفة، تسهم في إعداد مواطن قادر على التغيير الاجتماعي والمشاركة في تطوير مجتمعه، وتكوين رأس مال اجتماعي من خلال مشاركته بالأنشطة التعليمية وفرق العمل الجماعية  والممارسات الاجتماعية التي يمارسها الطالب في المدرسة، وذلك بدلًا من الاكتفاء بإعادة إنتاج القوالب التقليدية للمعرفة.

     ويمثل التعليم أحد أهم الروافد التي تساهم في تشكيل رأس المال الاجتماعي للطالب، إذ لا يقتصر دوره على تزويد الطلبة بالمعرفة الأكاديمية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء شبكات من العلاقات الاجتماعية القائمة على الثقة، التعاون، وتبادل الخبرات. حيث في النموذج التقليدي القائم على الحفظ، كان الطالب يخرج بمعرفة نظرية قد تعزله عن محيطه الاجتماعي، أما في ظل التحول نحو بناء المعرفة، فقد أصبح التعليم يركز على تنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي، مما يعزز قدرة الطالب على الاندماج في المجتمع والمشاركة الفاعلة فيه. هذا التحول انعكس بشكل مباشر على رأس المال الاجتماعي؛ إذ صار الطالب قادرًا على بناء علاقات اجتماعية داعمة، وتطوير قيم المواطنة والمسؤولية المجتمعية، فضلًا عن اكتساب مهارات التفكير النقدي التي تمكنه من التعامل الواعي مع التغيرات الاجتماعية. ومن ثم، لم يعد التعليم مجرد أداة للترقي الفردي، بل أصبح قوة اجتماعية تسهم في زيادة تماسك المجتمع وتوسيع فرص التنمية.

     فكلما اعتمد التعليم على أساليب تشاركية مثل التعلم التعاوني والمشروعات الجماعية زاد مستوى رأس المال الاجتماعي لدى الطلبة، حيث تعزز قدرتهم على التواصل الفعال، ومن هذا المنطلق يُنظر للتعليم الحديث باعتباره استشمارًا مزدوجًا حيث يُعد استثمارًا في المعرفة الفردية، وفي نفس الوقت استثمارًا في الرصيد الاجتماعي الذي يدعم بناء مجتمع أكثر تماسكاً، حيث أشارت تقارير اليونسكو (2022) إلى أن البرامج التعليمية التي تعتمد على التعلم التعاوني ودمج الأنشطة المجتمعية داخل المناهج، تزيد من معدلات الثقة المتبادلة بين الطلبة بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بالتعليم القائم على الحفظ والتلقين. كما بيّنت دراسة للبنك الدولي (2021) أن المدارس التي تشجع على المشروعات الجماعية والتعلم بالخدمة المجتمعية، ساهمت في رفع مستوى المشاركة المدنية لدى الشباب بنسبة 25% في بعض الدول العربية، وهذه النتائج تبرز أن التعليم الحديث لا يقتصر على بناء رأس مال معرفي فحسب، بل يسهم بشكل مباشر في تعزيز رأس المال الاجتماعي للطالب من خلال غرس قيم التعاون، والتسامح، والانتماء للمجتمع، وهكذا يصبح التعليم قوة مزدوجة: قوة فكرية لإنتاج المعرفة، وقوة اجتماعية لترسيخ شبكات الدعم والثقة التي يحتاجها أي مجتمع حديث.

 وبهذا؛ فإن الرهان على التعليم في العصر الحديث الذي نواكبه اليوم، هو رهان على بناء مجتمع معرفي متماسك، قادر على مواجهة الثورات التكنولوجية، وعلى استثمار المعرفة كقوة دافعة للتنمية والعدالة الاجتماعية، لذا  فإن تطوير التعليم العربي لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة تاريخية تمليها متغيرات الواقع ومتطلبات المستقبل.

المراجع

أبو جادو، صابر عبدالحليم .(2016). البنائية في التعليم: الأسس النظرية والتطبيقية، دار الميسرة، عمان.

البنك الدولي .(2021). التعليم والتنمية الاجتماعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. واشنطن.

بورديو، بيير .(2015). أشكال رأس المال. ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

بوزيد، محمد. (2020). علم اجتماع التربية: قضايا معاصرة. القاهرة: دار الفكر العربي.

جروان، فتحي .(2019). التفكير الإبداعي: مفاهيم وتطبيقات. عمان: دار الفكر.

حجازي، عبد الباسط .(2019). سوسيولوجيا التربية ورأس المال الاجتماعي. القاهرة: دار الفكر العربي.

حسن، عبد الله .(2018). التعليم في عصر المعرفة. عمان: دار المسيرة.

دوركايم، إميل .(2017). التربية والمجتمع. ترجمة: عبد العزيز عبدالله. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

سلامة، حسن علي حسن .(2003). بنائية المعرفة بين التنظير والتطبيق، المجلة التربوية، العدد 18، كلية التربية، جامعة جنوب الوادي.

عبد الحميد، حسن .(2017). التربية في مجتمع المعرفة. القاهرة: عالم الكتب.

العواملة، محمد .(2021). التعليم ورأس المال الاجتماعي: منظور سوسيولوجي. عمان: دار الحامد للنشر و التوزيع.

مراد، سامي .(2020). التعليم والتنمية الاجتماعية: مقاربة سوسيولوجية. عمان: دار المسيرة.

النعيمي، يوسف .(2019). سوسيولوجيا المدرسة والتحولات المجتمعية. بغداد: دار الشؤون الثقافية.

اليونسكو .(2015). التعليم من أجل بناء المجتمعات المعرفية. باريس: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.

اليونسكو .(2022). التعليم من أجل مستقبل مستدام: تقرير عالمي. باريس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *