اقتصاد المعرفة بين الحاضر والمستقبل

يواجه العالم المعاصر تغيرات سريعة سواء على الصعيد التكنولوجي والمعرفي، أو على الصعيد التجاري الاقتصادي؛فالتطور السريع أدَّى إلى تراكم معرفي، الذي كان له دور بارز في التحول الاقتصادي، كل ذلك ساهم في خلق إطار عام جدید للنشاط الاقتصادي ظهر في الآونة الأخيرة من الألفية الثالثة، واستخدمت له عدة مصطلحات مثل: اقتصاد المعرفة، الاقتصاد الرقمي، اقتصاد المعلومات، الاقتصاد الجديد. وانطلاقاً من ذلك،نطرح الإشكالية والمتمثلة في السؤال التالي: ماذا نقصد باقتصاد المعرفة؟ وما هي أهم المزايا والركائز والسمات؟ ما هو مستقبل اقتصاد المعرفة، وما دور الحكومات في تشجيع التحول نحو اقتصاد المعرفة؟
اقتصاد المعرفة يقصد به: “الاقتصاد الذي يعتمد على اكتساب المعرفة وتوليدها ونشرها واستثمارها بفاعلية لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متسارعة”()، وعُرِّف أيضاً: “بأنَّهالاقتصاد الذي يحول مركز الثقل من المواد الأولية والمعدات الرأسمالية إلى المعلومة والمعرفة ومراكز التعليم والتدريب والبحث العلمي”()، أي أنَّ المعرفة تمثل عنصراً أساسياً من عناصر الإنتاج إلى جانب العمل ورأس المال، وبذلك تسهم بشكل كبير في تكوين القيمة المضافة، مما يسهم ذلك في تكوين ثروات الشعوب، حيث أصبحت الأصول المهمة في الاقتصاد المعاصر هي المعرفة الفنية، والإبداع، والتعليم، بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي وبرامج الكمبيوتر، يعتبر اقتصاد المعرفة توجهاً عالميا،ً تستهدفه الدول والمنظمات العالمية مثل اليونسكو والاتحاد الأوربي والاتحاد الدولي لمعالجة المعلومات؛ مما نتج عن ذلك ضرورة تطوير مختلف القطاعات، ولا سيما قطاع التعليم الذي يُعد مسؤولاً عن إعداد الطلاب ليكونوا فاعلين في عالم الاقتصاد المعاصر القائم اليوم على المعرفة، وعلى الرغم من كثرة الاهتمام بمصطلح اقتصاد المعرفة- حيث ظهر في الربع الأخير من القرن العشرين وبدايات هذا القرن- إلا أنَّ ركائز هذا المصطلح ليستوليدة اليوم، وإنَّما مصطلح قديم جداً، وتعتبر المرحلة الأكبر تحولاً في حياة البشرية.
أهمية ومزايا اقتصاد المعرفة:
تكمن أهمية الاقتصاد المعرفي في توفير فرص عمل جديدة في مجال التكنولوجيا، والاتصالات، وتوفر البيئة الضرورية لجذب وتوسع الاستثمارات، خاصة في المجال المعرفي العلمي والعملي، ومن أهميته أيضاً أنَّه يقلل من استخدام الموارد الطبيعية، بالاعتماد على موارد المعرفة وتطويرها، بما يضمن تطور النشاط الاقتصادي. ويتميز الاقتصاد المعرفي بالمرونة والقدرة الفائقة على التكيف مع المستجدات، بالإضافة إلى قدرته على التطوير والتجديد، ويملك القدرة على الابتكار، وإيجاد منتجات فكرية معرفية، ومن مزاياه أنَّه لا توجد حواجز للدخول إلى اقتصاد المعرفة، حيث إنَّه اقتصاد مفتوح، ولذلك لا توجد فواصل زمنية، أو عقبات مكانية، حيث أصبح العالم قرية صغيرة في ظل الاستخدام المتسارع لتقنيات الاتصال عبر الهواتف المحمولة، وشبكات الإنترنت، ومن مزاياه أيضاً أنَّه يرتبط بالذكاء والقدرة على الابتكار والاختراع.
ركائز وسمات اقتصاد المعرفة:
أولاً: التعليم والابتكار والبحث العلمي: التعليم المستمر أساس في زيادة الإنتاج والتنافس الاقتصادي، حيث إنَّ للتعليم دور مهم في اقتصاد المعرفة باعتبار أنَّه يؤدي في النهاية إلى توفر رأس المال البشري القادر على إنتاج المعرفة والاستثمار،وهناك اهتمام خاص بالتعليم الجامعي في علاقته باقتصاد المعرفة، ودعم التعليم العالي والبحث العلمي، والكراسي والمراكز البحثية، ومشروعات تقنية.
ثانياً: رأس المال الفكري:
يسهم رأس المال الفكري في إنتاج أفكار جديدة، أو تطوير أفكار قديمة، وهو يمثل قدرة عقلية ذات مستوى معرفي عالٍ قادر على توليد الأفكار، وأصول غير ملموسة لها أثر كبير في زيادة الأصول الملموسة، (المادية)، ويهدف إلى تعزيز الابتكار والإبداع، وتحقيق التميز في بيئة العمل، (اقتصاد المعرفة في الأدبيات العربية).
ثالثاً: الموارد المالية.
هناك عدة آليات لحشد الموارد المالية لتمويل مشروعات قطاع المعلومات، عبر أساليب مختلفة منها: التمويل الحكومي الرسمي، والتمويل عن طريق حقوق الملكية، والجمعيات المعلوماتية التطوعية، وهكذا تتوفر العديد من آليات حشد الموارد المالية، وهذا التعدد يسمح بتنوع الأدوات المستخدمة، (اقتصاد المعرفة في الأدبيات العربية)..
ومن أهم السمات التي يتميز بها اقتصاد المعرفة عن الاقتصاد التقليدي أنَّه يعتمد على الأصول الإنتاجية اللاملموسةمثل الأفكار والعلامات التجارية عوضاً عن الملموسة مثل الأرض والآلات، وأيضاً كثافة استخدام الانترنت في تسيير أعمال الاقتصاد، والاهتمام بالابتكارات وتحويلها إلى منتجات فعلية، بالإضافة للدور الكبير الذي تلعبه الرقمنة في سياق اقتصاد المعرفة، نظراً لقدرتها على نقل المعلومات وتخزينها ومعالجتها.
ويتميز اقتصاد المعرفة بخصائص مرتكزة على المثلث المكون من التعليم والمعرفة والإبداع، فالتعليم هو الحجر الأساس لاقتصاد المعرفة، والمعرفة هي المورد الأساسي، والبنية التحتية الرقمية القائمة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتتميز المعرفة بكونها لا تنفد، ولا تقل، ولا تحتكر، كما هو الحال بالنسبة للموارد الطبيعية، وقد ارتفعت نسبة بناء المعرفة ونشرها ارتفاعاًكبيراً؛ وذلك بسبب التطور في مجال المعلومات والاتصالات، والانخفاض في تكاليفها تدريجياً، ونتيجة لذلك أصبح الاقتصاد العالمي يتسم بحدة المنافسة كون المنتجات الجديدة التي تخلقها المعارف، تستطيع تكملة منتجات موجودة، أو تحل محلها، أمَّا الإبداع فهو نظام فعال لإضافة القيمة لكل من المؤسسة والعميل، وذلك من خلال التعاون المثمر مع المؤسسات الأكاديمية وغيرها.
مستقبل اقتصاد المعرفة، ودور الحكومات في تشجيع التحول نحوه:
سارعت الكثير من الدول للتحول نحو اقتصاد المعرفة استعداداً لتطبيق الاستراتيجيات التي تهدف للاندماج نحو الثورة الصناعيةوالتي ركزت على مزج التقنيات التي تلغي الحدود الفاصلة بين كل ما هو رقمي وبيولوجي وفيزيائي، لذا ستؤدي هذه الثورة إلى تطور متسارع بما يعزز حجم ونوعية الاقتصاد المعرفي، مثل: السيارات ذاتية القيادة، والذكاء الاصطناعي، وتعد منطقة الخليج العربي هي الأولى فيما يتعلق بالتوجه نحو اقتصاد المعرفة، من منطلق أنَّ التعليم الحقيقي هو مفتاح النجاح والتقدم في بناء رأس المال الفكري، ويمثل اقتصاد المعرفة محوراً رئيساً في المملكة العربية السعودية في رؤية 2030، حيث تسعى إلى تنويع الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الابتكار، وجذب الاستثمارات الأجنبية.
إن المعرفة تعتبر المسألة الحاسمة في تمكين الاقتصاد من توسيع مجالات اختياراته، وانطلاقاً مما جاء في هذا المقال، يمكن عرض بعض المقترحات الآتية:
1- العمل على إيجاد بيئة مناسبة لبناء صناعة قوية، متناسقة ومكملة للصناعات العالمية ومطورة لها.
2- العمل على ردم الفجوة الرقمية من خلال العمل على انتشار الانترنت، وزيادة أعداد المستخدمين.
المراجع
1- بابكر، سامر، (2021م)، اقتصاد المعرفة، سلسلة كتيبات تعريفية، العدد 13، صندوق النقد العربي، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة.
2- العنزي، علي ضميان، (2019م)، مدى توافق الاستثمار في وسائل التواصل الاجتماعي مع معايير اقتصاد المعرفة، المنتدى الإعلامي السنوي السابع للجمعية السعودية للإعلام والاتصال، الإعلام والاقتصاد، تكامل الأدوار في خدمة التنمية.
3- عبد الهادي، محمد فتحي، (2019م)، اقتصاد المعرفة في الأدبيات العربية، دراسة تحليلية ودروس مستفادة، المجلة العلمية للمكتبات والوثائق والمعلومات، مج 1، ع 1.
4- عبد العظيم، رحاب محمود، (2017م)، اقتصاد المعرفة من التعليم إلى الإبداع، المؤتمر العلمي الثالث لعلوم المعلومات،اقتصاد المعرفة والتنمية الشاملة للمجتمعات، الفرص والتحديات، جامعة بني سويف.
5- النوي، طه حسين، (2017م)، اقتصاد المعرفة ودوره في تحقيق التنمية المستدامة، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة محمد خيضر بسكره، العدد 47.
6- المالكي، عبد الله بن محمد، وعطية، جمال محمود، (2014م)، جهود المملكة العربية السعودية نحو الاقتصاد القائم على المعرفة، مجلة العلوم الإدارية والاقتصادية، جامعة القصيم، مج 8، ع 1.
7- مركز الخليج للأبحاث، المعرفة للجميع، الاقتصاد المعرفي، مركز التواصل والمعرفة المالية.
