حكمة عمان… ميزان الوعي الجمعي الخليجي في زمان الفوضى

تمر منطقة الخليج اليوم بمنعطف تاريخي لا يحتمل أنصاف الحلول أو القراءات السطحية، فما نشهده من مواجهات عسكرية تقودها الولايات المتحدة الامريكية بتدبير صهيوني مباشر ضد الجمهورية الإسلامية في ايران؛ ليس مجرد صراع على نفوذ أو أسلحة نووية وخلافه؛ بل هو أشبه بزلزال جيوسياسي غايته الكبرى هو إعادة تشكيل المنطقة وفق المقاسات التي يريدها الصهاينة، وما تسميه الولايات المتحدة الأمريكية بأمن إسرائيل، على حساب استقرار ومقدرات الخليج وشعوبه.

الحقيقة، لا يمكن فهم الاندفاع الأمريكي الحالي دون إدراك حجم الاختطاف الذي تعرض له القرار السياسي في واشنطن العاصمة بحسب تحليلات العديد من الساسة والصحفيين هناك، فالولايات المتحدة الأمريكية اليوم ونتيجة لقرار العدوان هذا بدت للعالم كعملاق ينساق بزمام صهيوني نحو حرب ” بالوكالة” تخدم الحلم التوسعي الصهيوني.

 فحين نصف هذه العمليات العسكرية بالحرب العبثية فنحن نعني أنها حرب بلا اهداف استراتيجية وطنية لأمريكا؛ فهي تستنزف القوى الإقليمية، وهذا جميعه لا يوِّرث غير الفراغ الذي سيملأه التطرف والانهيار الاقتصادي على مستوى العالم ككل. ناهيك أن العالم شهد سقوط القناع عن القوة التي يعدها الجميع الأقوى والاعظم، والتي تحولت من شرطي العالم كما في الفكر السياسي الأمريكي الى حارص لمصالح فئوية ضيقه موجهه لكيان مغتصب لأرض وصاحب جرائم تم ادانته على مستوى عالمي، وبالتالي من المتوقع أن يضعها هذا في عزلة دولية غير مسبوقة، وخسارة فادحة لرصيدها الدبلوماسي، ليس على المستوى العالمي فقط؛ وإنما على مستوى الشارع الأمريكي نفسه.

ومع كل هذه الفوضى التي صنعتها الحرب الصهيوأمريكية، ظلت عمان تسعى قبلها وبعدها لإعادة الأطراف للحوار، منطلقة من إيمانها من ان الحوار هو الأداة الاستراتيجية التي يجب أن تغلب منطق القوة والصواريخ المدمرة العابرة للحدود. فالسياسة العمانية كانت دائما تسعى للانحياز وللاستقرار وليس حيادا سلبيا كما يروج له البعض ويتوهم، وتاريخها شاهد على ذلك.

ففي الوقت الذي قُرعت فيه طبول الحرب، ظلت مسقط متمسكة بخيار تغليب العقل، هذا الثبات ليس وليد اليوم وانما هو ارث تاريخي منطلقا من الادراك العميق ان القوة العسكرية مهما بلغت ضراوتها هي حل مؤقت، أم السلام فهو البناء الذي يحتاج لصبر ونفس طويل، ففي الأخير لا منتصر في الحرب سوى الدمار والخراب. ولهذا تبدو أنسنه السياسة لدى العماني مهمة عالية تكمن في إعلاء شأن الانسان وحقه في الحياة الآمنة، فالحرب دمار للبنية التحتية وتهجير للأسر وضياع لمستقبل الأجيال، وتخلف أثمان باهضه لا يجوز أن يتم دفعها عبثا في مغامرات أقل ما يمكن أن توصف به أنها عبثية.

إن أخطر ما في هذه الأزمة التي تعصف بمنطقة الخليج اليوم هي محاولة تزييف الوعي الجمعي لشعوب المنطقة، وتصوير العدو الصهيوني كحليف، والجار الإقليمي كعدو، وهذه معضلة تحتاج لجهد كبير لرفع مستوى الوعي فيها؛ فالوعي الجمعي يجب أن يدرك أن استهداف ايران في هذا التوقيت هو استهداف لأمن الخليج ككل، فالخراب لا يقف عند الحدود السياسية.

الوعي الجمعي يجب أن يدرك أننا وإيران تجمعنا الجغرافيا والدين والتاريخ المشترك أيا كان، وأن إسرائيل هي عدو مشترك يسعى لجعل المنطقة ممزقة مشتتة، غارقة في صراعات بينية، لتنفرد بالريادة التقنية والعسكرية والاقتصادية وهو اشبه ما يكون بصناعة ” فوضى خلاقة” في المنطقة، ستكون عواقبها مدمرة للخليج ومستقبله. ولهذا علينا في الخليج ان نصيغ رؤانا السياسية من منطلق المصالح القومية لا وفق ما تمليه مراكز الدراسات في واشنطن او تل أبيب، والتي اثبتت هذه الحرب أنها مجرد مخدر حتى يسهل عليهم السيطرة على المنطقة ومقدراتها.

الأهم من هذا جميعه أن الانزلاق في هذه الفوضى ودعمها سيحوّل المنطقة الى ساحة معركة مفتوحة، وهو ما تسعى اليه الصهيونية بالضبط. عليه التمسك بضرورة الحل الدبلوماسي الشامل والضغط على الأطراف اتجاه خفض التصعيد مهم جدا في هذه المرحلة، وأن تعلو أصوات المثقفين والساسة باتجاه أمن المنطقة قبل أي شيء آخر ومنع التمدد الصهيوني.

علينا أن نعي أن التاريخ لا يرحم الشعوب التي تغفو في لحظات التحول الكبرى، وما يشهده الخليج اليوم من تصعيد عسكري (أمريكي-صهيوني) تجاه إيران ليس مجرد حدث عابر، بل هو اختبار وجودي للمنطقة بأسرها. في ظل هذا الضجيج، هنا يبرز الوعي الجمعي ليس كرفاهية فكرية، بل كضرورة أمن قومي لفرز الحقائق عن الأكاذيب، وحماية المكتسبات من المقامرات السياسية التي تُدار من وراء البحار. كما ان الدروس التاريخية تؤكد حقيقة ان الحروب التي تنطلق من الغطرسة وتنفيذ أجندات الآخرين تنتهي دائما بالفشل، فمحاول تغيير الخارطة الإقليمية بالقوة لن تؤدي إلا الى المزيد من الفوضى، فالولايات المتحدة بدأت حرباً لا تملك استراتيجية خروج منها، مما سيؤدي حتماً إلى تراجع دورها كقوة وسيطة أو ضامنة للاستقرار، ويفتح الباب أمام قوى دولية أخرى لإعادة صياغة النظام العالمي.

ختاما، الجغرافيا تصمد وإيران ونحن باقون في هذه المنطقة، ولهذا علينا استحضار الحكمة العمانية دائما، لان الانسان هو القيمة العليا والحفاظ عليه مسؤولية وواجب ديني ووطني، وعلينا ان نختار موقفنا بحكمة؛ فإما ننساق خلف مغامرات عبثية تحرق الأخضر واليابس، أو نتمسك بخيار السلام وضبط النفس، فالبناء أصعب من الهدم، وأن مستقبل الخليج يُصنع بالعقول الراجحة لا بالفوهات المشتعلة.

حفظ الله بلادنا وكافة بلاد المسلمين من عبث العابثين يا رب العالمين.

د. بدرية بنت محمد النبهانية

باحثة ومحاضرة في التاريخ/مدريرة تحرير مجلة إشراق العمانية/ نائب رئيس لجنة كتاب وأدباء الداخلية/ عضو مجلس إدارة الجمعية التاريخية العمانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *