الوعي الأمني.. خط الدفاع الأول

تمر سلطنة عمان بمرحلة استثنائية في تاريخها الحديث، فقد عُرفت على الدوام كبلدٍ ينتهج السلام سياسةً، وعدم الانحياز قيادةً، وعلى طاولة المفاوضات والوساطات، كانت سلطنة عمان وما تزال أيقونةً في عالمٍ تحكمه الضغائن والمؤامرات، وتسوده الأطماع والاغتيالات، ونجحت لعقود من الزمن في نزع فتيل الحرب بين قُطبي النزاع الأقوى في منطقة الشرق الأوسط، إيران من جهة، والكيان المحتل مدعومًا من أمريكا من جهة أخرى.

هذا الهدوء الذي رسمته فرشاة السياسة العمانية في لوحةٍ يتعطش رساموها للدماء، لا يتوافق مع غايات الماسونية والنزعات الاستعمارية وأطماع السامية في المنطقة.عود ثقاب واحد كافٍ لإشعال أتون الحرب، هذا ما يدركه مفتعلوا النزاعات وأعدوا له العدة منذ زمنٍ ليس بقريب، أو كما يقال: قم باستفزاز ثورٍ واحد، وسينقض هو على بقية الحظيرة.

منذ حرب الخليج الثانية، لم تعش منطقة الخليج اضطرابًا كالذي نشهده الآن، وخصوصًا اتساع رقعة الاستهداف لتشمل دول الخليج العربي كلها دون استثناء، حتى سلطنة عمان التي كانت دائما في مقدمة الجهود في تقريب وجهات النظر وخفض حدة التوتر. وضع أمني لم يألفه معظم أهل الخليج، ولم يعهده كل الشعب العماني.

سلطنة عمان التي وضعتها التوترات الإقليمية الأخيرة في قلب الصراع، ومع تصاعد وتيرة التهديدات التي طالت بعض مرافقنا الحيوية، وتوقع استمرار هذه التهديدات إلى أن تضع الحرب أوزارها، لم يعد الوعي الأمني لدى أبنائها خيارًا كما هو في زمنٍ سلف كان فيه الأمن والأمان أثمن ما نتغنى به، بل أصبح واجبًا وطنيًا يقع على عاتق كل مواطن ومقيم على هذه الأرض التي أثنى عليها رسول الله -صلوات الله عليه وسلامه- بقوله: “لو جئت أهل عُمان ما سبوك ولا ضربوك”.

يعتقد البعض أن توثيق لحظة سقوط صاروخ أو مسيرة، أو تصوير تحركات أمنية، هو نوع من “السبق الإعلامي” أو المشاركة الاجتماعية، لكنه في الواقع يمثل خيانة غير مقصودة للأمن الوطني؛ فعندما عندما يتم تداول صور آثار القصف، يحصل الطرف المعتدي على تقييم مجاني ودقيق لمدى إصابة أهدافه والأضرار الناجمة منها، مما يساعده على تعديل إحداثياته في الضربة التالية. كما أن الصور العشوائية المتداولة للمواقع المستهدفة تساهم في تضخيم حجم الأضرار وخلق حالة من الهلع الشعبي، وهذا الأمر أخطر من الهجمة ذاتها؛ ففي العصر الحديث، لم تعد الحروب تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة، بل امتدت لتشمل حروب الجيل الخامس التي تستهدف العقول، والمجتمعات، والبنية التحتية الرقمية، أو بمصطلح أكثر شيوعًا “الحرب النفسية”.

وهي في حالتنا، حرب نفسية صامتة، تتغذى بالشائعات وتداول الأخبار الكاذبة والاتهامات العرضية، وحالة الهلع التي تصاحب هذا كله.القاعدة الذهبية في مثل هذه الظروف هي في قوله تعالى: *”فتبيّنوا”*.فقد انتشر تداول بيانات ومعلومات مجهولة المصدر، وتتعارض في الكثير من الأحيان مع الموقف الرسمي لحكومة بلدنا، كما شهدنا تداول صور وفيديوهات للمسيرات دون تبين العواقب الكارثية وراء هذا الفعل، الأمر الذي ينبئ بوجود أزمة قصور في الوعي الأمني، كما لوحظ تبادل تغريدات ومنشورات من جيوش الذباب الإلكتروني التي تم تجنيدها للعبث بجرح هذا الوطن أكثر وتشويه صورته التي لطالما كانت عصية عليهم.

كما برزت العواطف كسيدة الموقف في التعاطي الشعبي مع الوضع الراهن، والارتكان إلى العاطفة وحدها يخلق نوعًا من التشويش في الحُكم وضبابية الإدراك، وإن الاتزان في التعامل مع هذه المشاعر والوثوق بالرواية الرسمية الصادرة من جهات الاختصاص كفيلة بعدم الانجرار بهذه العواطف نحو مقاصد لا يُحمد عقباها.

إن أمن الوطن هو مسؤولية تشاركية، والوعي الأمني يتطلب من المواطن أن يكون شرطيًا على نفسه وهاتفه، فالانتصار في حرب لا يتطلب قوة عسكرية فقط، بل إنسانًا واعيًا بأن أمن بلده فوق كل اعتبار، وبأن جميع أطراف الحرب متهمون إلى أن تثبت براءتهم، فلا يتحيز لطرف دون آخر، وينبري في مواقع التواصل الاجتماعي للدفاع عن طرف دون آخر، السياسة لعبة قذرة، ويلطخ يديه وقلبه وتراب أرضه من لا يحيط علمًا بخباياها.​إن الوعي الأمني الحقيقي يتجلى في الالتفاف حول القيادة والثقة الكاملة في الإجراءات التي تتخذها الأجهزة الأمنية والعسكرية لحماية تراب الوطن ومقدراته.

عمان، التي صمدت عبر التاريخ أمام أعاصير السياسة، ستظل بوعي أبنائها صامدة أمام كل محاولات فت العضد التي تنشط مؤخرًا من أطراف معادية.

حمى الله عمان وبلاد المسلمين، ووحّد شملهم، وشتّت أعداءهم.

د. أمل الحرملي

كاتب صحفي في مجلة إشراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *