عدسة عُمانية.. تكشف عالماً صغيراً يبرز التنوع الحيوي في سلطنة عُمان

عبري في 17 مارس 2026 /إشراق/ يسهم الفن في توثيق الثقافة والبيئة وإلهام الناس للنظر إلى العالم بعمق وتقدير أكبر للجمال في تفاصيله المختلفة، وهو وسيلة للتعبير عن الجمال والأفكار والمشاعر بطرق إبداعية تعكس رؤية الإنسان للحياة والطبيعة من حوله.
وتكشف عدسة المصورة العُمانية غنية المجرفي عالماً صغيراً مليئاً بالتفاصيل المدهشة في أشكال الحشرات وألوانها وسلوكها في البيئة الطبيعية والتي تبرز التنوع الحيوي في سلطنة عُمان، وذلك من خلال فن تصوير (الماكرو حشرات) وهو أحد فروع التصوير الذي يركز على إبراز التفاصيل الدقيقة التي لا تراها العين المجردة بسهولة.
وقالت غنية بنت سالم المجرفي، مصورة عُمانية، في حوار لوكالة الأنباء العُمانية: “بدأت التصوير عام 2017، وتمكنت من خلال هذا المجال من توثيق العديد من أنواع الحشرات في البيئة العُمانية وبعضها لأول مرة يتم توثيقها بواسطة عدستي، ويحمل تصوير الحشرات قيمة فنية تظهر جمال التكوين والألوان والأنماط الدقيقة في أجسام الحشرات، وقيمة علمية من خلال توثيق أنواع وتفاصيل الحشرات التي يتم تصويرها، والذي يفيد الباحثين والمهتمين بعلم الحشرات، بالإضافة إلى القيمة البيئية التي تسهم في نشر الوعي بأهمية الحشرات في التوازن البيئي مثل التلقيح وتحليل المواد العضوية”.
وأضافت: “البيئة العُمانية غنية ومتنوعة من حيث التضاريس والمناخ، وهذا ينعكس على تنوع الحشرات فيها، حيث يساعد توثيق الحشرات بالتصوير الباحثين والمهتمين في التعرف على الأنواع المنتشرة وإظهار جانب غير معروف من التنوع الحيوي في سلطنة عُمان، ونقدم لهم صوراً عالية الجودة وتفاصيل دقيقة، وقد يكون مرجعاً بصرياً مهماً في الدراسات البيئية أو التصنيفية”.
وبينت أن التكنولوجيا لعبت دوراً مهماً في تطوير تصوير الماكرو، سواء من خلال العدسات المتخصصة لتصوير الحشرات أو أجهزة بتقنيات التكديس البؤري (Focus Stacking) التي تسمح بإظهار التفاصيل الدقيقة بوضوح عالٍ. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت في نشر هذا الفن وإيصال المعرفة إلى جمهور أوسع.وأشارت إلى التحديات التي تواجهها في تصوير الحشرات مثل صغر حجمها وسرعة حركتها، والظروف البيئية مثل الرياح والحرارة التي تؤثر على ثبات الحشرات وصعوبة الوصول لبعضها بسبب اختبائها بين النباتات أو في أماكن ضيقة، بالإضافة إلى الحاجة إلى صبر طويل للحصول على اللحظة المناسبة للتصوير.
وذكرت: “في إحدى المرات قضيت وقتاً طويلاً في محاولة تصوير حشرة صغيرة جداً، وكانت تتحرك باستمرار، وبعد عدة محاولات نجحت في التقاط صورة واضحة لها، وعند تكبيرها ظهرت تفاصيل مذهلة لم أكن أتوقعها. وكانت تلك اللحظة تذكيراً بأن الصبر في تصوير الماكرو يكافئ دائماً بلحظات مدهشة، وهذه التحديات هي جزء من متعة الفن”.
وعن سلوك الحشرة ودورها في الطبيعة قالت: “ما يدهشني هو نشاطها الطبيعي داخل بيئتها، كحشرة تجمع الغذاء أو تحمي صغارها أو طريقتها في الصيد.. هذه اللحظات الصغيرة توضح أن لكل كائن مهما كان صغيراً دوراً مهماً في النظام البيئي. فالمشهد المذهل بالنسبة لي هو لحظة الانسلاخ لدى حشرة السيكادا… لحظة صامتة لكنها مليئة بالحياة. رأيت العملية من البداية للنهاية؛ فبعد سنوات تقضيها الحورية تحت التربة، تصعد إلى الضوء لتترك خلفها هيكلها القديم وتولد من جديد بأجنحة شفافة تستعد للطيران.
تمثل هذه اللحظة إحساساً بالدهشة والتأمل في عظمة الخلق، مشهد يكشف دقة الخلق وروعة التحول في عالم الحشرات، حيث تتجلى عظمة الخالق في أصغر التفاصيل”.وتحكي المصورة غنية قصة أخرى من عالم الطبيعة، حيث وجدت العنكبوت السلطعون وهو يفترس نحلة بعد أن ترصّد لها فوق الزهرة. لكن القصة لا تنتهي هنا؛ فبينما ينشغل العنكبوت بفريسته، تظهر ذبابة صغيرة تستغل الموقف لتتغذى بدورها على بقايا النحلة. كانت لحظة تختصر السلسلة الغذائية في مشهد واحد: مفترس يصطاد، وكائن آخر ينتظر الفرصة ليشارك في الغنيمة. هذا التفاعل السريع بين الكائنات يذكّرنا بأن عالم الحشرات مليء بالاستراتيجيات الدقيقة والصراعات الصامتة من أجل البقاء.
وكان هذا المشهد بمثابة قصة حيّة تكشف عالماً عجيباً من التوازن الطبيعي والدقة المذهلة في نظام الحياة.وتؤكد على أهمية احترام البيئة والكائنات الصغيرة أثناء التصوير، وتوثيق الحياة البرية دون الإضرار بها. كما تساهم من خلال أعمالها في نشر صور الحشرات ومعلومات عنها لتعزيز وعي المجتمع بأهميتها وتصحيح الفكرة السائدة بأنها كائنات ضارة، حيث إن الكثير منها نافع وضروري للحياة الطبيعية. كما تأمل من خلال هذا الفن أن تلهم الآخرين لاكتشاف هذا العالم الصغير والنظر إليه بعين مختلفة، قائمة على الفهم والاحترام وحماية التنوع الحيوي.
جدير بالذكر أن المصورة العُمانية غنية المجرفي حققت الفوز في مسابقات كثيرة محلية وعربية ودولية، أهمها فوزها بالمركز الثاني في مسابقة لومينار البريطانية العالمية لتصوير الحشرات، كما شاركت بصورها في منصات ومعارض تصوير مختلفة، إضافة إلى نشر صور تعريفية تثري المحتوى العلمي والبصري عن تنوع الحشرات في سلطنة عُمان.




