جيل واعٍ.. استثمار لمستقبل الوطن

إن ما يشهده العالم من تحولات متسارعة في المجالات الفكرية والثقافية والتقنية والاجتماعية يفرض علينا المحافظة على الهوية العمانية وتعزيز القيم الإسلامية والإنسانية وقيم المواطنة، بوصفها مسؤولية تربوية ووطنية مشتركة تتطلب تكاتف المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية. من هذا المنطلق، جاءت توصيات الندوة العلمية الثالثة التي نظمتها مؤسسة إشراق للصحافة والنشر بالتعاون مع جامعة صحار بعنوان: «الهوية العمانية كمرتكز وطني.. حماية الثوابت الثقافية في عالم متغير»، لتؤكد أهمية ترسيخ الهوية العمانية وتعزيز قيم الانتماء والولاء بما يواكب التطورات المتسارعة دون الإخلال بالثوابت الدينية والقيم الثقافية والعادات والتقاليد الأصيلة للمجتمع العماني.
إن تضمين المناهج الدراسية في مختلف المراحل التعليمية محتوى تعليميا متجددا يعزز الهوية العمانية والمواطنة لم يعد خيارا تربويا، بل ضرورة تفرضها التحديات المعاصرة والانفتاح العالمي عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة، مما جعل الجيل الحالي يتعرض يوميا لأفكار وثقافات واتجاهات متعددة تختلف عن مجتمعه. وبما أن المناهج تعد من أهم الأدوات المؤثرة في بناء شخصية الطالب قيميا وفكريا وثقافيا، فإنها تؤدي دورا أساسيا في غرس قيم الانتماء والولاء والاعتزاز بالوطن والمحافظة على مقدراته ومكتسباته.
وتكمن أهمية هذا التوجه في إعداد جيل واعٍ قادر على التفاعل الإيجابي مع المتغيرات العالمية مع المحافظة على هويته العمانية الأصيلة. فالتربية على المواطنة لا تقتصر على تقديم معلومات نظرية حول الحقوق والواجبات، بل تمتد إلى بناء سلوكيات عملية تعكس القيم الدينية والأخلاقية، وتعزز المسؤولية والانتماء واحترام القانون والتسامح والمحافظة على الموروث الحضاري والثقافي للمجتمع العماني.
كما أن تكثيف الأنشطة التربوية والتعليمية والثقافية المرتبطة بالهوية العمانية يسهم في تعزيز الجانب التطبيقي للقيم والمبادئ التي يتعلمها الطلبة داخل الصفوف الدراسية؛ فالبرامج الثقافية والمسابقات الوطنية والفعاليات التراثية والزيارات الميدانية للمواقع الأثرية والثقافية تمثل أدوات فعالة لترسيخ الهوية العمانية وربط الطلبة بتاريخ وطنهم ومنجزاته الحضارية والإنسانية.
وفي ظل الثورة الرقمية والانفتاح الثقافي العالمي، تبرز الحاجة إلى تنمية مهارات التفكير الناقد والوعي لدى الأجيال، وتمكينهم من التمييز بين الآراء والأفكار والحقائق المختلفة، للأخذ بما ينسجم مع تعاليم الدين الإسلامي وقيم المجتمع العماني وترك ما يتعارض معها. فالتوازن بين الانفتاح على العالم والمحافظة على الثوابت يعد من أبرز التحديات التربوية المعاصرة، مما يتطلب تطوير المناهج والبرامج التعليمية بصورة مستمرة لتكون أكثر مرونة وفاعلية في مواكبة المتغيرات وتعزيز الحصانة الفكرية والثقافية والاجتماعية لدى الطلبة.
إن الحفاظ على الهوية العمانية مسؤولية وطنية تتطلب شراكة حقيقية بين المدرسة والأسرة ومؤسسات المجتمع المختلفة؛ بما يسهم في إعداد جيل معتز بدينه ووطنه وهويته، قادر على الإسهام في بناء المستقبل ومواكبة التطورات الحديثة دون تفريط في القيم الدينية والعادات والتقاليد الأصيلة التي شكلت عبر التاريخ أساس الشخصية العمانية.