حين يُعاد رسم مسار التعليم: قراءة في قرار التخصصات التربوية

في كل أمةٍ تنهض، ثمة سؤال لا يغيب: من يقف أمام أبنائنا في الصف؟ ومن نأتمنه على عقولهم وقلوبهم في أخطر مراحل التشكّل الإنساني؟ إن المعلم ليس موظفًا يُدرج في كشوف الرواتب؛ بل هو حارس البوابة الأولى للوعي، وصانع الإنسان الذي تُبنى عليه كل الرؤى والخطط. ومن هنا؛ فإن أي قرار يمسّ إعداد المعلم إنما يمسّ عمق مستقبل الوطن كله، ويستحق منا وقفة تأمل هادئة، لا تنساق وراء الانفعال، ولا تغضّ الطرف عن مواطن القلق المشروع.
لقد جاء القرار الوزاري الأخير بشأن شروط القبول لدراسة التخصصات التربوية للطلبة العمانيين ليحرّك المياه الراكدة، ويفتح نقاشًا مجتمعيًا واسعًا حول سؤال جوهري: كيف نختار معلم المستقبل؟ لقد أصدرت وزارة التعليم بيانًا توضيحيًا حسمت فيه الجدل الدائر حول القرار الوزاري الخاص بإصدار شروط القبول الجديدة لدراسة التخصصات التربوية للطلبة العمانيين، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي في إطار الحرص على الشفافية ومواكبة التوجهات الوطنية لتطوير المنظومة التعليمية. ويأتي هذا القرار في سياق تحول مؤسسي أكبر، إذ صدر المرسوم السلطاني رقم ١٤/٢٠٢٦ بدمج وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار في وزارة واحدة باسم: وزارة التعليم، في خطوة تعكس إرادة وطنية لتوحيد مسار التعليم من رياض الأطفال إلى قاعات الجامعة تحت مظلة رؤية واحدة.
لنكن منصفين بدايةً: أن جوهر القرار ينسجم مع ما تنادي به الأدبيات التربوية الحديثة، وما تؤكده تجارب الدول المتقدمة تعليميًا، من فنلندا إلى سنغافورة، من أن جودة أي نظام تعليمي لا يمكن أن تتجاوز جودة معلميه؛ فحين تشترط الوزارة معدلات عالية للالتحاق بالتخصصات التربوية، فإنها تبعث رسالة رمزية عميقة مفادها أن مهنة التعليم ليست ملاذًا لمن ضاقت به الخيارات، بل ميدانًا للنخبة ممن يحملون العلم والشغف معًا.
فقد اشترطت الضوابط المنظمة حصول الطلبة الراغبين في دراسة التخصصات التربوية على نسبة لا تقل عن 80% في دبلوم التعليم العام، إلى جانب تحقيق نسب محددة في المواد الأساسية المرتبطة بكل تخصص، واجتياز المقابلات الشخصية. وهذه الشروط، في فلسفتها، ليست تعجيزًا بقدر ما هي غربلة مبكرة تضمن أن من يدخل كليات التربية يمتلك الحد الأدنى من التمكن المعرفي الذي سيُبنى عليه إعداده المهني. ومما يُحسب للتنظيم الجديد أنه لم يقتصر على الطلبة المبتعثين على نفقة الدولة؛ بل شمل الدارسين على النفقة الخاصة داخل السلطنة وخارجها، سدًّا لثغرة طالما نفذ منها بعضهم للالتفاف على معايير الجودة. إننا هنا أمام تحول في النظرة إلى مهنة التعليم: من مهنة مفتوحة الأبواب إلى مهنة ذات عتبة انتقاء، ومن مسار دراسي يُختار بالمصادفة إلى رسالة تُنتقى بعناية. وهذا بحد ذاته مكسب لهيبة المعلم ومكانته الاجتماعية التي ما فتئنا نطالب بترسيخها. ولكننا نسأل أنفسنا في هذا المقال: أين يكمن وجع الناس؟
إن القرارات الكبرى لا تُقاس بنبل مقاصدها وحدها؛ بل بأثرها في حياة الناس، وبالطريقة التي وصلت بها إليهم. وهنا لا يملك المتابع للميدان التربوي والشأن العام، خاصةً، إلا أن يتوقف عند موجة القلق التي اجتاحت الشارع العماني. فقد أثار القرار موجة غضب وجدلاً واسعًا في المجتمع، خاصة بعد أن فوجئ كثير من أولياء الأمور والطلبة بصدوره، وارتفعت أصوات أسر أرسلت أبناءها للدراسة في الخارج بناءً على شروط سابقة، ثم وجدت نفسها أمام معايير جديدة؛ وهي أسر قد تحمّلت التزامات مالية أو ديونًا من أجل تعليم أبنائها في الداخل أو الخارج، وطالبت بأن يُنظر إليها بعين الرحمة والعدل.
وهناك فئة أخرى رأت نفسها متضررة كذلك من هذا القرار، وأثار لديها قلقًا شديدًا، وهم طلبة دبلوم التعليم العام دفعة 2026. فالاشتراطات الواردة في دليل الطالب للتخصصات التربوية، أو تلك التي يمكن أن يلتحق الطالب بعدها بدبلوم التأهيل التربوي، لا تتوافق مع القرار الجديد. وعليه، فإننا، ومن خلال استطلاع رأي كثيرين، ومن بينهم تربويون، نرى أن القرار ينبغي أن يسري على الطلبة المقبلين على اختيار مواد التخصص؛ أي الطلبة الذين سيكونون في الصف الحادي عشر في العام الدراسي 2026/2027م؛ حيث يمكنهم موازنة تطلعاتهم لسوق العمل في المجال التربوي وفق هذا القرار.
إن ردود الفعل اتجاه هذا القرار تجاوزت الحوار المجتمعي إلى المؤسسة التشريعية؛ حيث أكد رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي والابتكار بمجلس الشورى أن اللجنة بصدد التواصل مع الوزارة عبر أدوات المتابعة الرسمية، مشيرًا إلى وجود استياء عام واضح، ورفضٍ من أولياء الأمور لتطبيق القرارات بأثر رجعي، ومطالبتهم بأن تكون أي قرارات جديدة نافذة من تاريخ صدورها فقط. وهذا التفاعل بين المجتمع ومجلس الشورى والوزارة -على ما فيه من سخونة- هو في حقيقته مظهر صحي لمجتمع حيّ يشارك في صناعة قراره التعليمي ولا يتلقاه تلقيًا سلبيًا.
وقد أحسنت الوزارة حين سارعت إلى طمأنة الرأي العام، إذ أكدت في توضيح لها أن أحكام القرار لا تسري على الطلبة المستمرين حاليًا في برامج بكالوريوس التربية أو دبلوم التأهيل التربوي، وأنهم سيستكملون دراستهم بشكل سليم وفق الأنظمة والضوابط التي التحقوا بموجبها، دون أي تغيير أو تأثير على أوضاعهم الدراسية، وأن القرار إنما يخاطب خريجي دبلوم التعليم العام الراغبين في الالتحاق بالتخصصات التربوية داخل السلطنة أوخارجها، وكذلك المتقدمين الجدد إلى برنامج دبلوم التأهيل التربوي. وهذا التوضيح ضروري، لكنه يطرح تساؤلاً أعمق: لماذا ننتظر اشتعال الجدل في المجتمع لنوضح مفردات القرار؟ ألم يكن الأجدر أن يسبق القرار حوارٌ مجتمعي وحملة توعوية تشرح مقاصده وفئاته المستهدفة قبل أن تتناقله المجالس ومنصات التواصل محمّلًا بالتأويلات والمخاوف؟
إن مبدأ عدم رجعية القرارات ليس ترفًا قانونيًا؛ بل هو ركن من أركان الثقة بين المواطن والمؤسسة. فالطالب الذي رسم مساره الدراسي والمهني بناءً على قواعد معلنة، من حقه أن يطمئن إلى أن هذه القواعد لن تتبدل عليه في منتصف الطريق. والأسرة التي استثمرت مدخراتها في تعليم ابنها من حقها أن تعرف سلفًا قواعد اللعبة كاملة. ومن هنا، فإن تأكيد الوزارة عدم سريان القرار على الطلبة الحاليين خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى استكمال يعالج الحالات الرمادية: ماذا عن طالب يدرس اليوم تخصص البكالوريوس في كلية غير تربوية، وقد بنى خطته المستقبلية على الالتحاق بدبلوم التأهيل التربوي بعد تخرجه؟ إن هؤلاء، وإن كانوا خارج البرامج التربوية اليوم، اختاروا مساراتهم بناءً على أبواب كانت مفتوحة، وهم يستحقون معالجة انتقالية رحيمة، أو على الأقل فترة سماح معلنة تحفظ توقعاتهم المشروعة.
ثم إن رفع نسب القبول -على أهميته- ليس عصًا سحرية؛ فالمعدل المرتفع في دبلوم التعليم العام مؤشر على الاجتهاد، لكنه لا يقيس الشغف بالتعليم، ولا الصبر على المتعلمين، ولا القدرة على الإلهام، وهي جوهر شخصية المعلم الحق. ولهذا فإن اشتراط المقابلات الشخصية ضمن معايير القبول خطوة موفقة، شريطة أن تُدار باحترافية وبأدوات علمية تقيس السمات الشخصية والميول المهنية، لا أن تتحول إلى إجراء شكلي.
والأهم من بوابة الدخول هو ما بعدها: جودة برامج الإعداد في كلياتنا وجامعاتنا، وقوة التربية العملية في مدارسنا، ثم جاذبية المهنة نفسها. فكيف نطالب الطالب المتفوق الحاصل على 80% فأكثر بأن يختار التعليم، إذا كانت المهنة لا تقدم له مسارًا وظيفيًا واضحًا، وحوافز مجزية، وبيئة عمل تحفظ كرامته وتقدّر جهده؟ إن معادلة الانتقائية في القبول لا تستقيم إلا مع معادلة موازية في الإغراء المهني، وإلا وجدنا أنفسنا نغلق الباب على متوسطي التحصيل دون أن نفتح نافذة تجذب المتفوقين.
إن قراءة هذا القرار بمعزل عن سياقه الوطني قراءة ناقصة. فسلطنة عُمان تخطو بثبات نحو مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي وضعت التعليم في صدارة أولوياتها الوطنية، وجعلت من جودة المنظومة التعليمية ومخرجاتها شرطًا لبناء اقتصاد المعرفة والإنسان المنتج المبدع. ودمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي في وزارة واحدة، ثم ضبط بوابة الالتحاق بمهنة التعليم، حلقتان في سلسلة إصلاحية واحدة تسعى إلى مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات التنمية وسوق العمل، وإلى معالجة مشكلة مزمنة تتمثل في فائض خريجي بعض التخصصات التربوية الذين ينتظرون التعيين لسنوات، بينما تعاني تخصصات أخرى شحًا في الكفاءات.
فحين تُقنَّن أعداد المقبولين وتخصصاتهم وفق الخطط السنوية واحتياجات المدارس الفعلية؛ فإننا نحمي أبناءنا من الالتحاق بمسارات مزدحمة لا تنتظرهم في نهايتها وظيفة، ونحمي المال العام والخاص من استثمارٍ في غير موضعه. وهذه حكمة تخطيطية لا يجادل فيها عاقل، لكن نجاحها مرهون بشفافية البيانات: أن تُنشر للناس خرائط الاحتياج الفعلي من المعلمين: تخصصًا تخصصًا ومحافظةً محافظةً؛ حتى يكون اختيار الطالب وأسرته على بصيرة.
إننا أمام قرار نبيل المقصد، سليم الفلسفة، لكنه درس بليغ في أن السياسات التعليمية لا تُقاس بمتنها فحسب؛ بل بطريقة ولادتها وتواصلها مع الناس. فالإصلاح التربوي الحقيقي شراكة مجتمعية قبل أن يكون نصًا وزاريًا، والثقة رأس مال لا يُعوَّض. وما نرجوه أن تتحول هذه التجربة إلى تقليد مؤسسي راسخ: حوار قبل القرار، وتوضيح مع القرار، ومرونة إنسانية بعد القرار تحفظ حقوق من بنوا أحلامهم على قواعد الأمس.
فالمعلم الذي نريده لأبنائنا غدا يبدأ من طالب نُطمئن قلبه اليوم، ومن أسرة تثق بأن وطنها لا يفاجئها، ومن مؤسسة تعليمية تعرف أن أعظم مناهجها هو القدوة في العدل والوضوح. وعندها فقط تكتمل المعادلة: انتقاء يليق بشرف المهنة، وعدالة تليق بكرامة الإنسان العُماني، ورؤية تليق بعُمان التي نحلم بها جميعًا.

