قراءةٌ تربوية في واقع امتحانات دبلوم التعليم العام

ما من أمة نهضت إلا وكان التعليمُ بوّابتَها الأولى، وما من بناءٍ شامخٍ في تاريخ الشعوب إلا وكانت لبنتُه الأساسُ إنسانًا سويًّا، مُكتملَ الوجدان قبل أن يكون مُكتملَ المعرفة. ومن هذا المنطلق، حين نتأمّل في امتحان دبلوم التعليم العام في سلطنة عُمان، لا ينبغي أن نراه محطة عابرة في مسيرة الطالب؛ بل هو مرحلة مصيرية فارقة تُختصر فيها سنوات التعليم العام ككل، فيها تتضح الأحلام والرؤى، وتنشط الهمم، وتُرسم عندها ملامح مستقبل بأكمله. فهذا الامتحان ليس ورقةً يستلمها الطالبة الساعة الثامنة وتطوى سيرتها الساعة الحادية عشرة صباحًا؛ بل هو مرآةٌ يرى فيها المجتمع كله وجه النظام التعليمي، ولا نبالغ إن قلنا إنه ينظر إليه كذلك كمقياس تختبر من خلاله إنسانية المنظومة التي يقضي فيها أبناؤنا اثني عشر عامًا بحلوها ومرها.
إن الطالب الذي يقف على عتبة هذا الامتحان ليس آلة تستظهر المعلومات وتصبّها على الورق، بل هو كائنٌ يحمل في صدره قلبًا يخفق بالرجاء والخوف معًا، وفي عقله أسئلة أكبر من أسئلة الامتحان: ماذا سأكون؟ أي باب سيفتح لي؟ وأي باب سيغلق في وجهي؟ ومن هنا تبدأ الحكاية الإنسانيّة التي كثيرًا ما نغفل عنها ونحن منشغلون بالدرجات والمعدّلات والنسب. فبناءُ الإنسان يبدأ من التعليم، لا من التلقين؛ يبدأ من إيقاظ الفضول لا من إخماده، ومن صناعة عقل يسأل لا ذاكرة تكرر.الامتحان ومستقبل الوطنحين نتحدّث عن مستقبل عُمان، فإنّنا في الحقيقة نتحدّث عن أكثر من 60 ألف طالب وطالبة يجلسون اليوم خلف مقاعد الامتحان. فهم مهندسو الغدِ، وأطبّاؤه، ومعلّموه، وقادتُه، وحرفيّوه، وكتّابُه. وكلُّ خللٍ في الطريقة التي نختبر بها قدراتهم، إنّما هو خللٌ يمتدّ أثرُه إلى عمق المستقبل. فإذا كان الامتحان عادلًا، دقيقًا، إنسانيًا، ويقيس الفهم لا الحفظ، ويكافئ الإبداع لا التكرار، فإنّنا نزرع بذرةً صالحةً ستثمر وطنًا قادرًا على المنافسة والابتكار. أمّا إذا تحوّل الامتحان إلى عقبةٍ تُرهق النفوس، وتُقصي المبدعين، وتُكافئ من حفظ دون أن يفهم، فإنّنا نخسر طاقاتٍ كان يمكن أن تكون داعمة لنهضة البلاد.
إن التعليم استثمار في الإنسان، والإنسان هو الثروة الحقيقة التي لا تنضب. ولعلّ أكثر ما يُغفَل عنه في هذا الحديث هو الأثر النفسي الذي تتركه الامتحانات في نفوس أبنائنا. فقبل أسابيع من موعدها، تتحوّل البيوتُ إلى ساحات قلق تتضاعف خلال الفصل الدراسي الثاني، وتُحرَم العيونُ من النوم، ويغيب الضحك، ويحلّ التوتّر ضيفًا ثقيلًا على كل بيت فيه طالبُ دبلوم. وكم من طالب مجتهد خانته أعصابُه في لحظة الامتحان فنسي ما حفظ! وكم من طالب ذكيٍّ أصابه الذعرُ حتى ارتجفت يدُه على الورقة! فالامتحان الذي يُفترض أن يقيس المعرفة، يقيس أحيانا مقدار صلابة الأعصاب لا غير، ويُنصِف القويَ نفسيًا ولو كان أقل علمًا.إنّ هذا القلق المتراكم لا ينتهي بانتهاء الامتحان؛ بل يترك ندوبًا قد تمتدّ سنواتٍ في علاقة الطالب بالعلم نفسه. فمن خاض تجربة قاسية ربط في وجدانه بين التعليم والمعاناة، وبين المدرسة والخوف، وهذا أخطرُ ما قد نجنيه: أن نُنفّر الإنسانَ من المعرفة في الوقت الذي ينبغي أن نُحبّبها إليه. والتعليمُ الإنسانيُّ لا يبني الإنسانَ على ركام الخوف؛ بل على أرض الثقة والطمأنينة. فالعقل الخائف لا يبدع، والنفس المرتجفة لا تفكّر، والطالب الذي يدخل قاعة الامتحان وهو يرتجف، يُحرَم من أن يُظهر خيرَ ما عنده.ثمّ نأتي إلى مسألة جوهرية كثيرًا ما تهمل وهي صياغة الأسئلة؛ فالسؤال الجيد فنٌ ومسؤولية، إذ يجب أن يكون واضحَ العبارة، دقيقَ المقصد، خاليا من الغموض الذي يُربك، ومن الالتباس الذي يضلّل. وكم من سؤال ضاعت فيه درجة الطالب لا لإنه لا يعرف الإجابة؛ بل لأنه لم يفهم ما المطلوب.
فالصياغة الملتبسة للأسئلة تتحول من اختبار للمعرفة إلى أحجية تختبر قدرةَ الطالب على فكّ شفرة واضع السؤال، وهذا ظلم صريح لا يجوز أن يقع في وثيقةٍ يتوقّف عليها مصيرُ إنسان.والأدهى من ذلك أن نجد أسئلةً تخالف طبيعتَها التي وُضعت لها. فالسؤال الذي يُفترض أن يقيس التحليلَ والتفكيرَ الناقد، نجده أحيانًا لا يتجاوز استرجاعَ معلومة محفوظة بحذافيرها. والسؤال الذي يُفترض أن يكون مفتوحًا يتيح للطالب أن يُبدع ويُعبّر، نجده مقيّدًا بإجابةٍ نموذجيّة واحدة لا تحتمل اجتهادًا. وأسئلةٌ في موادّ تُعنى بالفهم والتطبيق، تُصاغ وكأنّها اختبارُ ذاكرة ليس إلا.
هذا التناقض بين الغاية المعلنة للسؤال وبين حقيقته يُفرغ الامتحانَ من معناه، ويجعلنا نقيس شيئا ونحن نظن أننا نقيس شيئا آخر.ولا يكتمل الحديث عن عدالة الامتحان وسلامة صياغته دون أن نتوقّف عند ضرورةٍ باتت ملحة، وهي إنشاء بنك موحد للأسئلة يكون مرجعًا معتمدًا تُبنى عليه الاختبارات. فبنك الأسئلة ليس مجرد مستودعٍ تخزن فيه المسائل؛ بل هو منظومة علمية دقيقة، تخضع للمعايير الدولية التعليمية، وتراجع مراجعة دقيقة في صياغتها وتوافقها مع المنهج، وملاءمتها للأهداف التعليمية قبل أن تصل إلى الطالب. ونرى أن وجوده سيضبط معايير التقويم، ويقلل التفاوت بين الأعوام والدورات، ويتيح مجالا من الأمان لدى الطالب، إذ يدخل قاعة الامتحان ولديه معرفة كاملة عن هيكلة الاختبار ونوعية الأسئلة التي سيختبر فيها، دون أن يجعل مجالا للمفاجئة أو للصدمة التي نقرأ عنها اليوم ونراها في عيون أبنائنا.وتزداد هذه الضرورة إلحاحا مع استحداث مناهج كامبريدج للعلوم التطبيقية في مدارسنا.
فالمناهج الجديدة تحمل فلسفة مختلفةً في القياس، تُعنى بالتطبيق والمهارة والتفكير العلميّ أكثر من الحفظ المجرد، وتتطلب نوعًا من الأسئلة قد لا يكون مألوفًا للطالب ولا للمعلّم في مرحلة الانتقال. ومن هنا يصبح بنك الأسئلة المعتمد جسرًا يَعبر به الطلبة بثقةٍ نحو هذه المناهج، إذ يمنحهم نماذجَ واضحةً يتدرّبون عليها، ويضمن أن تأتي أسئلة الامتحان منسجمةً مع مستوى المنهج العالميّ ومعاييره، لا متأرجحة بين اجتهادات فردية متفاوتة. فبهذا البنك نحمي الطالب من ارتباك التجربة الجديدة، ونحمي المنهج نفسه من أن يُختبر بغير ما وُضع له.ختاما، إن الإدراك التام إن بناء الإنسان يبدأ من التعليم، يدفعنا للسعي نحو إصلاح منظومة التقويم والامتحانات، لا بحثا عن ترف تربوي قد يراه بعضهم؛ بل هو ضرورة وطنية ملحة. فنحن حين نُصلح طريقةَ اختبار أبنائنا، إنما نُصلح طريقةَ بنائهم، ونعيد للتعليم رسالته السامية وهي “إخراج إنسان متزن، واثق من نفسه، قادر على التفكير حبًا للمعرفة لا مجبرا عليها”.إنّ عُمان التي نحلم بها لن تبنى بالدرجات وحدها؛ بل بالإنسان الذي خلفها؛ بالعقل الذي تعلّم كيف يفكّر، وبالقلب الذي تعلّم كيف يثق، وبالنفس التي خرجت من تجربة التعليم أقوى لا أضعف. فلنجعل من امتحان الدبلوم محطة فارقة حقيقية بجمالها وخيرها، ليبدأ بعدها أبناء عمان ومستقبلها حياتهم في التعليم العالي بروح وقادة شغوفة للعلم وللعطاء، ولبناء عمان التي نُحب ونريد لها كل الخير.




