صناعة الذات

في خضم الصراعات الإنسانية، وبين من يرغب في صناعة ذاته والصعود اعتمادًا على قدراته، والعمل من أجل وطنه، وأن يكون اسمًا في برواز الزمن، وبين من يرغب في الصعود بالاعتماد على الآخرين والعلاقات، تتجلى حالتان متناقضتان في الفكر واتخاذ القرار؛ الأولى لمن يسعى إلى البناء الحقيقي لذاته، إيمانًا بأن التغيير الإيجابي يبدأ من الإنسان ويترك أثره في محيطه، والثانية لمن يكتفي بأن يكون لوحةً معلقة على أحد الجدران، تحضر لبرهة من الزمن ثم تغيب دون أثرٍ يُذكر.
رحلة البحث عن الذات لا تبدأ عند تحقيق الإنجازات، بل تبدأ عندما يمتلك الإنسان شجاعة أن يطرح على نفسه أسئلة صادقة: من أنا؟ ماذا أريد؟ وما القيمة التي أستطيع أن أضيفها إلى الحياة؟ فهذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي نقطة الانطلاق نحو بناء شخصية واعية تمتلك هدفًا ورسالة. فالإنسان لا يصنع إنجازه بالصدفة، وإنما يبنيه بالوعي، والقراءة المستمرة، والتأمل في تجاربه، والقدرة على مواجهة نقاط ضعفه وتجاوزها، وتحويل الفشل والإخفاقات إلى فرص للتعلم واكتساب الخبرة، وعندما يدرك أن كل تجربة، مهما كانت قاسية، تحمل في طياتها درسًا جديدًا، فإنه يخطو بثبات نحو مرحلة أكثر نضجًا في فكره، حينها يكتسب الخبرة في صناعة مستقبله.
إن أكبر تحدٍّ يواجه الإنسان ليس الضغوط الخارجية أو تأثير الآخرين عليه، وإنما القيود التي يفرضها على ذاته؛ كالخوف من الفشل، والبحث الدائم عن رضا الآخرين، ومقارنة نفسه بمن حوله، والاستسلام لمنطقة الراحة، والتردد في اتخاذ قرار التغيير، فقد يمتلك الفرد مواهب وإمكانات كبيرة، لكنه يعجز عن اكتشاف ذاته؛ لأنه يرضى أحيانًا بالصورة التي رسمها الآخرون له، فيعيش وفق توقعاتهم بدلًا من أن يصنع مستقبله بإرادته، وهذه العوامل مجتمعة تُضعف قدرة الإنسان على التغيير وتحقيق ذاته، وفي هذا السياق، يرى جوليان روتر، في نظرية التعلم الاجتماعي، أن الأفراد الذين يمتلكون مركز ضبط داخلي يؤمنون بأن نجاحهم أو إخفاقهم يرتبط بقراراتهم وجهودهم، لا بالظروف أو الحظ أو الآخرين، ولذلك يكونون أكثر قدرة على المبادرة والتغيير، وعندما تنبع الرغبة في التغيير من الداخل، مدفوعة بقناعة راسخة وإرادة واعية، يصبح الإنسان أكثر قدرة على صناعة ذاته.
يأتي النص القرآني ليوضح هذه الفكرة بقول الله سبحانه وتعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، هذه الآية القرآنية تضع لنا قانونًا إلهياً وسنة كونية، فالله سبحانه وتعالى بكماله وعدله، لا يغير ما بقوم من حالة إلى أخرى، إلا إذا كان هذا التغيير يأتي من الذات من داخلهم نتيجة للنوايا والأفعال، حينها يحدث التغيير، وهذا النهج يضع لنا مسارًا أن عملية تغيير الفرد لا بد أن تحدث من الداخل والاعتماد على الدوافع الداخلية في تحقيق الإنجازات وأن الصدف لا تصنع الإنجازات، لذا يرى ستيفن كوفي في كتابه العادات السبع الأكثر فعالية، أن بداية التغيير لصناعة الذات تبدأ من الداخل قبل أن ينعكس على العمل الخارجي، “التغيير والإنجاز ينبعان أولاً من داخل الإنسان، وتحديداً من قيمه وأفكاره وشخصيته”.
ولكن هل هناك تحديات تواجه الفرد في تحقيق ذاته، تكون خارجية؟ نعم.
الصراعات بين الأفراد في مختلف المجتمعات والمؤسسات ظاهرة مستمرة بالحياة الإنسانية، ولا يمكن إنكار وجودها أو توقع اختفائها، فحيثما توجد المصالح والطموحات وتتنوع الشخصيات، ينشأ التنافس وتبرز الاختلافات، إلا أن المشكلة لا تكمن في وجود الصراع أو التنافس بحد ذاته، قد يكونان دافعًا للتطوير والإبداع، وإنما تكمن في تحول هذا التنافس إلى سلوك يهدف إلى إقصاء الآخرين، أو حرمانهم من حقوقهم، أو التقليل من قدراتهم، أو تشويه إنجازاتهم، أو التخطيط للإساءة إليهم حفاظًا على منصب، أو خوفًا من تفوقهم ونجاحهم.
وتفسر العلوم النفسية والتنظيمية هذه السلوكيات بأنها تنشأ من مشاعر التهديد وفقدان الأمان الوظيفي، وضعف الثقة بالنفس، والخوف من المقارنة، وهي دوافع تدفع بعض الأفراد إلى مقاومة نجاح الآخرين بدلاً من تطوير ذواتهم. ولذلك، فإن من أكبر التحديات الخارجية التي قد تواجه الإنسان في طريق تحقيق طموحاته ليس نقص الإمكانات، وإنما وجود بيئات عمل أو مجتمعات لا تتقبل التميز، وترى في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتها أكثر من كونه فرصةً للنجاح المشترك.
لا تُقاس قيمة الإنسان دائمًا بما يملكه، بل بما يتركه من أثر، غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم جعلت كثيرًا من الناس ينظرون إلى الأعمال من زاوية واحدة، هي العائد المادي، حتى أصبحت المبادرات التطوعية، والإنتاج العلمي، والعمل الثقافي غير الربحي، تبدو في نظر البعض سلوكًا غير مفهوم أو مشروعًا دون عائد مادي، وعندما تُختزل قيمة الإنسان فيما يجنيه من مال، فإن المعرفة تتحول إلى سلعة، والعمل المجتمعي إلى استثمار، والرسالة إلى صفقة، فيغيب البعد الإنساني الذي قامت عليه الحضارات، ويحل محله منطق الربح والخسارة.
في أحد اللقاءات، سألني أحدهم باستغراب: لماذا تكتب؟ ولماذا تنشر الأبحاث؟ ولماذا تؤلف الكتب؟ ولماذا تدير مؤسسة تعمل دون عائد مادي؟ وما أرباحكم من كل ذلك؟ ثم ختم حديثه بقوله: نحن نعيش في زمن أصبحت فيه كل خدمة تُقدَّم بمقابل، فلماذا تبذلون هذا الجهد دون مردود مالي؟ وآخر يخبرني أنه أصبح هذا العمل مصدر تهديد لمكانتهم الوظيفية، لا أعلم كيف ذلك؟ وثالث ينظر إلى أي عمل دون عائد، أن هناك ريبة ما أو هدف غير معلن.
لم تكن تلك الأسئلة موجهة إليّ بقدر ما كانت تعكس نمطًا من التفكير أصبح حاضرًا في كثير من المجتمعات، حيث تُقاس قيمة العمل بحجم العائد المالي الذي يحققه، لا بحجم الأثر الذي يصنعه، إنها رؤية ترى النجاح في الرصيد البنكي، بينما تغفل أن هناك رؤوس أموال لا تُقاس بالأرقام؛ كرأس المال المعرفي، ورأس المال الاجتماعي، والأثر الثقافي الذي يبقى لعقود بعد أن تنتهي المكاسب المادية.
إن هذا التصور يكشف عن تحول في منظومة القيم، إذ أصبح من الصعب على بعض الناس أن يتصوروا أن الإنسان قد يعمل بدافع الرسالة، أو حب المعرفة، أو الإيمان بأهمية خدمة المجتمع، دون انتظار مقابل. والحقيقة أن كثيرًا من المنجزات العلمية والفكرية والإنسانية التي غيّرت مسار الأمم لم تبدأ بحثًا عن الربح، وإنما انطلقت من قناعة راسخة بأن بناء الإنسان ونشر المعرفة مسؤولية قبل أن يكونا مصدر دخل.
ومن منظور إدارة التغيير، فإن هذا النمط من التفكير يمثل أحد التحديات الثقافية التي تواجه كل صاحب رسالة؛ لأن البيئة التي تحصر قيمة الإنجاز في المقابل المادي قد لا تستوعب قيمة الاستثمار طويل المدى في المعرفة، أو بناء المؤسسات المجتمعية، أو صناعة الوعي، ولذلك فإن القائد الحقيقي لا يقيس نجاحه بما يحصل عليه اليوم، وإنما بما يتركه غدًا من أثر، وما يغرسه في المجتمع من أفكار ومبادرات تستمر بعد غيابه، فالأموال تنفد، أما المعرفة فتتراكم، والمؤسسات قد تتغير، لكن الأثر الصادق يبقى شاهدًا على صاحبه عبر الزمن.




