منظومة إجادة.. هل هي أداة للمنافسة والبناء أم للاحتراق الوظيفي؟

تمثل منظومة “إجادة” نقلة مهمة في مسار تطوير العمل الحكومي، إذ جاءت تنفيذًا للتوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – الرامية إلى رفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة وتعزيز قدرته على أداء مسؤولياته بكفاءة وفاعلية، ومن هذا المنطلق، لم تُطرح “إجادة” بوصفها نظامًا إلكترونيًا لتقييم الموظفين فحسب، وإنما كمنظومة لإدارة الأداء تربط بين الجهد الفردي والأهداف المؤسسية، بحيث يصبح تطوير أداء الموظف مدخلًا لتطوير أداء المؤسسة وتحسين جودة الخدمات الحكومية.

وتقوم المنظومة على أهداف ومؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، بما يعزز وضوح المسؤوليات، ويرفع مستوى الإنتاجية والجودة، ويحفز الموظفين على العطاء والتنافس الإيجابي، ويجعل الإنجاز الفردي مرتبطًا بما تسعى المؤسسة إلى تحقيقه. كما تأتي “إجادة” ضمن محور الحوكمة والأداء المؤسسي في رؤية عُمان 2040، بما يعكس توجهًا نحو بناء جهاز حكومي أكثر كفاءة وفاعلية، قادر على التخطيط والمتابعة والتقويم واستشراف المستقبل، لذا فإن القيمة الحقيقية للمنظومة لا تكمن في عدد المؤشرات التي يحققها الموظف، وإنما في قدرتها على تحويل تلك المؤشرات إلى أداء مؤسسي ملموس ينعكس على جودة العمل والخدمات المقدمة للمجتمع.

لكن وكما هو الحال مع أي منظومة إدارية جديدة، فإن نجاح “إجادة” لا ينبغي أن يُقاس فقط بقدرتها على رفع مؤشرات الأداء أو زيادة نسب الإنجاز، وإنما بمدى انعكاسها على الإنسان والمؤسسة معًا، فالأداء المرتفع لا يعني بالضرورة أداءً مستدامًا، والمنافسة لا تكون إيجابية دائمًا إذا تحولت إلى ضغط متواصل يشعر معه الموظف بأنه مطالب بالإنجاز المستمر دون أن يجد المساحة الكافية للتطوير والتعلم والمكافاة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله بعد سنوات من تطبيق المنظومة: هل أصبحت “إجادة” أداة للمنافسة والبناء، تدفع الموظف إلى تطوير ذاته ومهاراته والارتقاء بجودة عمله، أم يمكن أن تتحول في بعض الممارسات إلى مصدر للاحتراق الوظيفي، حين تصبح المؤشرات والأرقام غاية في ذاتها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالمنظومة وحدها، وإنما بكيفية تطبيقها، وبالثقافة الإدارية التي تحيط بها، وبمدى فهم المدير والموظف لفلسفتها الحقيقية.

من الجانب النظري تبدو “إجادة” من الأنظمة الحديثة والمتقدمة في إدارة وتقييم أداء الموظفين؛ فهي تقوم على فلسفة تهدف إلى رفع مستوى الأداء والإنتاجية المؤسسية من خلال توجيه جهود الموظفين نحو أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، كما يفترض أن تُسهم في بناء بيئة من التنافس الإيجابي، وتشجع الموظفين على تقديم المبادرات والأفكار والممارسات التي تضيف قيمة حقيقية للعمل المؤسسي، وهو ما يجعلها من حيث البناء النظري، أداة واعدة للارتقاء بالأداء الحكومي وتحسين جودة الخدمات.

غير أن قوة أي منظومة لا تُقاس بجودة فلسفتها النظرية فقط، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق أهدافها عندما تنتقل إلى أرض الواقع، وهنا تبرز الحاجة إلى التوقف أمام سؤال أكثر أهمية: هل يعكس التطبيق الفعلي لمنظومة “إجادة” داخل المؤسسات ما تقوم عليه من الأهداف والمبادئ، أم أن بعض ممارسات التطبيق أوجدت حالة من التذمر والضغط لدى الموظفين، وأسهمت في تنامي الشعور بالإرهاق والاحتراق الوظيفي؟

إن طرح هذا السؤال لا يعني التقليل من أهمية المنظومة أو رفض مبدأ قياس الأداء، بل هو دعوة إلى قراءة الواقع المؤسسي كما هو، والاستماع إلى الموظفين والمديرين، ورصد الفجوة المحتملة بين ما صُممت “إجادة” لتحقيقه وما يحدث في الممارسة اليومية، فالتغني بنجاح أي منظومة بعيدًا عن قراءة آثارها الفعلية قد يحجب بعض جوانب الخلل التي تحتاج إلى معالجة مبكرة.

وتزداد أهمية هذه المراجعة في المرحلة المقبلة من تطوير “إجادة”، لأن استمرار بعض الممارسات غير المتوازنة دون ضوابط واضحة قد يحول أداة يفترض أن تكون وسيلة للبناء والتطوير إلى مصدر إضافي للضغط الوظيفي، ولذلك فإن المرحلة القادمة تتطلب شجاعة مؤسسية في الاعتراف بما يحتاج إلى تعديل، ووضع ضوابط تضمن أن تبقى المؤشرات وسيلة لتحسين الأداء، لا غاية تستنزف الموظف، وأن تكون المنافسة محفزًا للعطاء، لا سببًا في إنهاك الإنسان الذي تقوم عليه المؤسسة في الأساس.

ومن أبسط حقوق الموظف أن يحصل على التقييم الحقيقي والعادل الذي يعكس مستوى أدائه الفعلي، بعيدًا عن أي رؤى أو توجهات لا ترتبط بما أنجزه على أرض الواقع، فالتقييم الوظيفي ليس مجرد رقم يُسجل في النظام، وإنما هو الحق الوظيفي الذي يترتب عليه أثر مهني ومعنوي، خصوصًا عندما يرتبط بالمكافآت والحوافز وفرص التقدم الوظيفي، ولذلك فإن العدالة في التقييم ينبغي أن تكون قاعدة لا استثناء.

وهنا تبرز إشكالية منحنى التوزيع الطبيعي (Bell Curve) عندما يُطبق بصورة تجعل تصنيف الموظف مرتبطًا بأداء زملائه أكثر من ارتباطه بمستوى الإنجاز الذي حققه، فكيف يمكن لموظف أن يحقق جميع مؤشرات الأداء الموكلة إليه، وبمستوى مرتفع، ثم يجد نفسه مصنفًا في مستوى أقل لمجرد أن نظام التوزيع يفرض نسبًا محددة للفئات المختلفة؟ إن تحقيق الموظف لمستهدفاته ينبغي أن يُقرأ أولًا في ضوء ما أنجزه هو، وجودة النتائج التي حققها، والقيمة التي أضافها للمؤسسة، لا أن يصبح تفوق الآخرين سببًا في خفض تقديره.

والأمر هنا لا يتعلق بالبحث عن تقييم مرتفع لكل موظف، وإنما بالبحث عن تقييم عادل لكل موظف، فالعدالة لا تعني أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها، وإنما أن يحصل كل موظف على النتيجة التي يستحقها وفق أداءه الحقيقي الذي يمكن إثباته وتبريره، وعندما يشعر الموظف بأن جهده لن يقوده بالضرورة إلى التقدير الذي يستحقه، فقد يفقد تدريجيًا الدافعية والثقة في النظام، وقد تتحول المنافسة التي يفترض أن تكون إيجابية إلى مصدر للقلق والإحباط، بما قد ينعكس على الرضا الوظيفي والصحة النفسية والأداء على المدى البعيد.

وتزداد المسألة حساسية عندما يرتبط التقييم بالمكافآت والحوافز، بينما لا تزال الصورة المتعلقة بالترقيات الوظيفية غير واضحة رغم مرور عدة سنوات على تطبيق النظام، ويبقى الكلام الإعلامي لتغطية سوء التخطيط، فكيف نطلب من الموظف أن يتنافس ويطور أداءه ويحقق مؤشرات عالية، ثم لا يجد مسارًا مهنيًا واضحًا يترجم هذا الأداء إلى فرص للتقدم الوظيفي؟ وفي الوقت الذي تتجه فيه بعض المؤسسات إلى منح ترقيات لموظفيها وفق آلياتها المعتمدة، يبقى السؤال مشروعًا: أين تتجسد العدالة في منظومة واحدة يفترض أن تقوم على معايير موحدة؟

إن المرحلة القادمة من تطوير “إجادة” تحتاج إلى مراجعة جادة لهذه الجوانب، ليس بهدف إلغاء المنظومة، وإنما لحمايتها من الممارسات التي قد تفرغ فلسفتها من مضمونها، فالموظف الذي ينجز ويبدع ويحقق النتائج يستحق أن يرى أثر ذلك في تقييمه وتقديره ومساره المهني، وإذا كانت “إجادة” قد جاءت لبناء الجهاز الإداري للدولة بشكل أكثر كفاءة، فإن أول شروط نجاحها أن يشعر الموظف داخل هذا الجهاز بإن العدالة جزء من الإجادة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *