أولوية التكوين الأكاديمي بالجامعة المغربية وأثرها في بناء الكفاءة العابرة للحدود

يقول بيير بورديو عالم الاجتماع الفرنسي: «إن التخصص التقني المبكر دون زاد نظري صلب ينتج أفرادًا ينفذون التعليمات ببراعة، لكنهم يعجزون عن التفكير في الشروط التي جعلت هذه التعليمات ممكنة.»
واليوم تمرُّ الجامعة المعاصرة في القرن الحادي والعشرين بمرحلة من “انزياح إبستمولوجي” أعادت تشكيل هويتها الوظيفية، إذ تتقاطع قيمة المعرفة كغاية إنسانية مع ضغوط النفعية التي تسعى لتحويل الحرم الجامعي إلى ورشة لإنتاج مهارات قابلة للتسويق الفوري. “هذا التوتر يظهر جليًّا في النقاش العالمي حول دور التعليم العالي بين المحافظة على البحث النقدي والتفكير المجرد، والانصهار في منطق سوق الشغل والتكوين المهني القصير الأمد، وهو توتر يؤثر مباشرة على سياسات المناهج، وتمويل البحث، وبناء قدرات التدريس والطلبة”[1]
في السياق المغربي يتخذ هذا النقاش طابعًا استراتيجيًا ملحًّا، و”خلال العقدين الأخيرين، دفعت سياسات وطنية متعددة نحو تقوية التكوين المهني وتعزيز الصلة بسوق الشغل، من ذلك إصلاحات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وبرامج التكوين المهني، ومبادرات الشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين”[2]
مع ذلك، “بقيت المؤسسات الجامعية المغربية تتميز بتراث من الصرامة المعرفية والتكوين النظري، وهو إرث تُنسب إليه قدرة الخريجين المغاربة على التجريد والتحليل”[3]؛ مما يساعدهم على التأقلم في أنظمة تعليم وعمل أجنبية وبيئات بحثية مختلفة.
من هذا المنطلق تطرح الإشكالية الأساسية بقوة: أينبغي للجامعة المغربية أن تنساق وراء نموذج “جامعة السوق” وتختزل دورها في تكوينات وظيفية آنية تلبي حاجات التشغيل الفوري، أم أن خيار تحصين العمق المعرفي وبناء العقل النقدي يظل الضمان الاستراتيجي الأقوى لإنتاج كفاءات قادرة على المنافسة والتأثير عبر الحدود؟
وعليه يدافع هذا المقال عن أطروحة “المعرفة أولا” كخيار استراتيجي يوازن بين متطلبات التشغيل والتزام الجامعة بدورها في إنتاج المعرفة والقدرة النقدية، مع اقتراح آليات وسياسات تمكّن من الجمع بين الصرامة النظرية والارتباط الفعال بسوق العمل.
الامتداد التاريخي وسوسيولوجيا التحول في الجامعة المغربية
أولاً: المحطة الروحية والمعرفية.. إرث القرويين وتأسيس “الإنسان الكلي”
بدأت الجامعة في الوعي الجمعي المغربي كغاية وجودية في ذاتها، وكفضاء لصناعة “الإنسان الكلي” القادر على استيعاب هذا العالم وتفكيك ظواهره. لم تكن المعرفة في الفلسفة التربوية المغربية يومًا بضاعة تقاس بريعها المالي العابر، بل كانت ركيزة السيادة الروحية والعقلية للدولة والمجتمع. ويتجلى هذا العنفوان الفكري في أقدم منارة علمية مستمرة في تاريخ البشرية: جامعة القرويين بفاس التي (تأسست عام 859م)، ومعها الحواضر العلمية اللاحقة كـ جامعة ابن يوسف بمراكش (1564م)؛ حيث شكلت هذه الحواضر قمة “العقلانية الموسوعية” التي لا تفصل بين علوم الدين وعلوم الكون أو علوم الفلك.
داخل هذه الأروقة التاريخية، “لم يكن الطالب المغربي يتلقى “تدريبًا وظيفيًا ضيقًا” أو مهارة معلبة تمليها شروط السوق؛ بل كان يخوض غمار “الصلابة النظرية والمنهجية” في الفلك، والطب، واللسانيات، وأصول الفقه والأدب”[4]، كان التعليم المغربي التقليدي يقوم على برادايْم حاسم: العلم يُطلب لذاته، والمعرفة أصل والمهنة فرع. هذا الإرث التاريخي الضارب في عمق القرون هو الذي غرس في الجينات الثقافية المغربية احترامًا مقدسًا لـ “العالم” و”الباحث” و”المفكر” فوق أي مركز تقني عابر، تأسيسًا على حقيقة إبستمولوجية واضحة: من يمتلك متون “الأصول” وقواعد الاستدلال يسهل عليه فتح مغاليق “الفروع” المهنية والتقنية في أي عصر.
ثانياً: فجر الاستقلال وجامعة محمد الخامس.. صناعة النخبة والسيادة الوطنية
مع انقشاع عهد الحماية وفجر الاستقلال، واجه المغرب تحدي بناء الدولة الحديثة، وهنا تجسدت فلسفة الجامعة كأداة سيادية لصناعة “الأمة”. مع تأسيس جامعة محمد الخامس بالرباط عام 1957، لم يكن الرهان مجرد تخريج موظفين لتعبئة المكاتب الفارغة؛ بل كان رهانًا استراتيجيًا رفيع المستوى لإنتاج “النخبة الفكرية، والسياسية، والإدارية” القادرة على صياغة الهوية السيادية للمغرب المستقل.
في تلك الحقبة الذهبية، صممت المناهج الأكاديمية بصرامة نظرية بالغة الاستلهام من التقاليد الجامعية الكلاسيكية الأكثر رصانة في العالم. هذه الصرامة لم تكن استعراضًا معرفيا، بل كانت عملية نحت وتأسيس لما يعرف في السوسيولوجيا بـ “الهابيتوس الأكاديمي الصارم” (Habitus Academicus)[5]. لقد كان الخريج المغربي في تلك المرحلة يمتلك “رأسمالٍ رمزي” مهيبٍ يتجاوز القيمة الحبرية للشهادة الورقية؛ إذ تسلح بـ “بوصلة منهجية” خارقة وفكر تجريدي نقدي. وبفضل هذا التكوين الأكاديمي العمودي والعميق، تمكنت الأطر المغربية الأولى من وضع اللبنات التأسيسية للاقتصاد الوطني، والقانون الإداري، والدبلوماسية بذكاء استراتيجي، مبرهنين على أن صلابة العقل الأكاديمي هي وحدها الكفيلة ببناء المؤسسات التي تقاوم الزمن.
“الصلابة المعرفية” كدرع ضد تقادم المهارات (تأصيل “الهابيتوس الأكاديمي”)
تمثل العلاقة بين “المعرفة الأكاديمية” و”متطلبات سوق الشغل” أحد أكثر المساحات توترًا في فلسفة التعليم العالي المعاصر؛ إذ يواجه البرادايم التقليدي للجامعة ضغوطًا متزايدةً لتبني نموذج “الجامعة الوظيفية” التي تستجيب للنفعية الآنية”. غير أن تفكيك بنية التكوين في الجامعة المغربية يكشف عن رؤية إبستمولوجية أعمق، ترى في “الصلابة المعرفية” الضمانة الوحيدة ليس فقط للاندماج المهني؛ بل للاستدامة والتنافسية العابرة للحدود.
كانت “فكرة الجامعة منذ نشأتها الأولى مثارًا للجدل والنقاش والتعديل والإصلاح، وبقيت الحرية الثابت الوحيد، وما فتئ التشديد عليها مستمرًا إلى يومنا الحالي، فلا يمكن تصور الجامعة بأي دولة كانت بدون حرية يتمتع بها الكادر الأكاديمي والطلبة في سعيهم التواصلي لاكتشاف المعارف والعلوم ونقلها. وهذا الأمر مرتبط مباشرة بفكرة الاستقلالية التي تتحدد وفقًا لطبيعة العلاقة التي تربط الجامعة بالدولة أو السلطة السياسية. ويمكن تقديم ثلاثة أشكال من هذه العلاقات:
- علاقة موالاة تامة، تغيب فيها إرادة الجامعة، وتتماهى كليًا مع السلطة ومصالحها.
- علاقة نفعية – تعاقدية، يتفق فيها الطرفان على تبادل المنافع المشتركة؛ ففي ضوء رعاية السلطة للجامعة، تقوم الأخيرة بضمان إنتاج شكل محدد من الأفراد يكون للسلطة مصلحة في وجودهم.
- علاقة تحررية، تكون فيها الجامعة موطنًا للعلم الخالص، غير الموجه بمصالح السياسة والسلطة.”[6]
يبرز أيضا الخلل الجوهري في الطرح النفعي الداعي لـ “تمهين الجامعة” في مغالطة اختزال المؤسسة الجامعية في مجرد مركز تدريب حرفي سريع للعمل، متجاهلين أن سوق الشغل المعاصر يتسم بـ “السيولة الفائقة” والتقلب المستمر. إن المنطق الذي يحاول تحويل الجامعة المغربية إلى خادم أعمى لطلبات المقاولة اللحظية يغفل حقيقة إبستمولوجية حاسمة: المهارات التقنية الضيقة تندثر مع الوقت وستقوم الأتمتة باستبدالها خلال سنوات معدودة، بينما “البنية الذهنية النقدية” والتأسيس النظري الصارم هما الوفرة الوحيدة المستدامة. إن الدفاع عن “الصلابة المعرفية” ليس نكوصًا نحو برج عاجي أو هروبًا من الواقع الاقتصادي؛ بل هو أعلى درجات “الواقعية الاستراتيجية”؛ فالجامعة لا تبنى لتوظيف العاطلين في مهن اليوم؛ بل لتخريج عقول صلبة قادرة على ابتكار مهن الغد والتكيف مع مجهول المستقبل.
المعرفة النظرية وبناء “الهابيتوس الأكاديمي“
إن التركيز على التكوين النظري الصارم في المناهج الجامعية المغربية ليس “حشوًا معرفيًا” كما تروج الخطابات التبسيطية؛ بل هو عملية “نحت لبنية ذهنية” مستقرة لدى الطالب، تمكنه من ممارسة التجريد والتحليل النقدي، وتفكيك المشكلات المعقدة قبل البحث عن حلول تقنية لها.
ووفقًا للتقارير الاستراتيجية، “فإن الرهان يكمن في تحويل الجامعة من فضاء لـ “تلقي المعلومات” إلى مختبر لبناء “منهجية العمل”؛ حيث يصبح الطالب مسؤولًا عن تعلمه، هذا التأسيس النظري المتين هو الذي يمنح الخريج المغربي تلك “البوصلة المنهجية” التي تسمح له بالتحرك داخل “المد اللامتناهي للمعلومات” بروح نقدية واعية”[7]، وهو ما يفسر لماذا يظل العقل المكون أكاديميًا أكثر قدرة على الابتكار من العقل المحبوس في قوالب تقنية ضيقة.
وهنا وجب وضع الخطاب التبسيطي الذي يسِم التكوين النظري بالتخلف أمام محك النقد السوسيولوجي؛ إذ يقع مهندسو “التسقيف المهني” في خلط خطير بين “تخزين المعلومة” و”هندسة الفكر”. إن الهجوم السطحي على النظرية الأكاديمية تحت ذريعة عدم ملاءمتها الفورية لسوق العمل هو تجلٍّ واضح لقصور في فهم طبيعة العقل البشري؛ فالنظرية ليست جدارًا عازلًا عن الواقع؛ بل هي “المجهر” الذي بغيره يغدو الواقع مجرد ضوضاء بصرية لا معنى لها. إن قوة الطالب المغربي في الكليات الكلاسيكية ومعاهد المهندسين لا تكمن في كمية القوانين أو المعطيات التي يحفظها؛ بل في “الهابيتوس” الذي يجعله يرفض الحلول الجاهزة، ويفكك الظاهرة إلى مكوناتها الأولية، ثم يعيد بناءها بصيغ مبتكرة. هذا التحول من منطق “التقني النافذ للتعليمات” إلى “المفكر المالك للمنهج” هو الفرق بين مجتمعات تُستهلك فيها التكنولوجيا، ومجتمعات تُنتج فيها المعرفة وتسود.
براديغم “تعلّم التعلّم” (Learnability) في مواجهة “السيولة التقنية” للمهارات
تشهد سوق الشغل الدولية اليوم تحولًا جذريًا يمكن وصفه بـ «السيولة التقنية” (Technical Liquidity)؛ إذ تشير البيانات الميدانية إلى أن المهارات التقنية الصرفة تفقد صلاحيتها بوتيرة متسارعة، بل و”تتبخر” أحيانا قبل أن يتسنى للخريج دخول سوق العمل. وفي مواجهة هذا التحدي الاستراتيجي، تتجلى عبقرية النموذج الأكاديمي التقليدي فيما يتجاوزه من منطق “التكوين المهني الضيق”؛ فالمنظومة الجامعية الرصينة لا تعد الخريج لـ «وظيفة” بعينها؛ بل تبني لديه “قدرة التعلم” (Learnability) كرأسمال بشري غير مادي، و”ثقافة التعلم مدى الحياة” (Lifelong Learning) كمنهجية وجودية.
أ. من “تعلم الوظيفة” إلى “تعلم العلم”: إعادة صياغة العلاقة مع المعرفة
إن الطالب الذي يمتلك قاعدة نظرية صلبة في تخصصه—سواء أكان في العلوم الحقة أو الإنسانية—يختلف جذريًا عن نظيره المكون “مهنيًا” بالمعنى الضيق: الأول يتعلم “علمًا” (savoir) يمتد أثره إلى ما وراء الحدود الزمنية للمهنة، بينما الثاني يتعلم “وظيفة” (métier) قد تختفي مع الطفرة التكنولوجية التالية. وهذا الانزياح المفاهيمي من التكوين “المهني الضيق” (narrow vocational training) إلى التكوين “الأكاديمي الواسع” (broad academic formation) يشكّل -في تقديرنا- درعًا وقائيًا ضد العطالة الهيكلية (structural unemployment) الناتجة عن اختفاء المهن التقليدية، ويمنح الخريج قدرة على “إعادة إنتاج ذاته مهنيًا” (self-reprofessionalization) بكفاءة عالية وبتكلفة زمنية منخفضة.
ب. “القدرة على التعلم” كرأسمال بشري غير مادي
وإذا كانت المهارات التقنية الصرفة تتقادم، فإن “القدرة على التعلم” تتعاظم قيمتها بازدياد. وهذا ما يؤكده المخطط الوطني PACTE ESRI 2030[8] حين يحدد هدف الجامعة في إعداد “رأسمال بشري مؤهل” (capital humain qualifié) يمتلك مهارات ذاتية (soft skills & meta-skills) تمكنه من الصمود أمام تقلبات الاقتصاد العالمي. غير أننا نرى أن هذا التوصيف—رغم صحته—يبقى منصفًا، فالأمر لا يتعلق فقط بـ «الصمود” (résilience) بل بـ «التحول” (adaptabilité proactive): الخريج الجامعي المتمكن من “تعلم التعلم” لا يتكيف مع السوق فحسب؛ بل يُعيد تشكيله في بعض الأحيان.
ج. نقد ذاتي: هل “تعلم التعلم” يكفي؟
لا بد من الاعتراف بالنهاية بأن هذا البراديغم يواجه تحديًا منطقيًا؛ ففي قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات، يحتاج الخريج إلى مهارات دخول (entry-level skills) محددة لولوج سوق الشغل، حتى وإن كانت ستتقادم لاحقًا. ولذلك، فإن التكوين الأكاديمي “الواسع” لا يلغي التكوين المهني؛ بل يؤسس له ويطيل عمره الافتراضي؛ فالمهندس الناجح ليس من يتقن لغة برمجة بعينها؛ بل من يفهم المنطق الحسابي وهندسة البرمجيات، مما يتيح له الانتقال بين اللغات والأدوات دون اضطراب بنيوي. وهكذا، فإن “تعلم التعلم” ليس بديلًا عن المهارة؛ بل سقفًا فكريًا يحميها من التقادم.
إن براديغم “تعلم التعلم” لا يعد مجرد استراتيجية تعليمية؛ بل فلسفة وجودية للجامعة في عصر “السيولة التقنية”. والجامعة التي تفشل في غرس هذه القدرة لدى طلابها تتحول من “ملاذ للعلم” إلى “ورشة للمهارات العابرة”، ومن ثمّ تفقد جدواها الاستراتيجية في بناء المجتمع. إن المحاكمة النقدية لخطاب “التدريب المباشر لسوق الشغل” تكشف عن تناقض صارخ في أدبياته؛ فهو يعد الطالب بالأمان الوظيفي عبر تزويده بمهارات تقنية جاهزة، لكنه في واقع الأمر يحكم عليه بـ ” العطالة المؤجلة”. إن اختزال الممارسة الجامعية في “الاستجابة الفورية لمتطلبات المقاولة” هو قرار غير مسؤول يراهن بآفاق الأجيال؛ لأن المقاولة تبحث عن نجاعة لحظية، بينما تضطلع الجامعة برهان الوجود والاستدامة. عندما يسلح الطالب بـ “الهابيتوس الأكاديمي” وبقدرة عليا على التفكير التجريدي، فإنه لا ينتظر أن توفر له السوق فرصة عمل جاهزة؛ بل يصبح هو نفسه “صانعًا للفرص ومطورًا للحلول”. إن “تعلم التعلم” ليس مجرد مهارة ناعمة (Soft Skill) يُستأنس بها؛ بل هو الدرع الإبستمولوجي والسيادي الذي يحول دون تحويل التكوين الجامعي بالمغرب إلى مجرد ملحقة للتكوين المهني تنتهي صلاحيتها بانتهاء الدورة الاقتصادية.
ولعل أكبر برهان على تقزيم العلوم النظرية، هو ما يشهده معقل التكنولوجيا العالمي اليوم؛ حيث هرعت أكبر شركات الذكاء الاصطناعي (كـ OpenAI وGoogle) للبحث عن أخصائيي الفلسفة، والمنطق، والأخلاقيات لإعادة الهيبة والمصداقية لأنظمتها الذكية التي بدأت تتهاوى في فخ الهلوسة والانحيازات. لقد أدرك العالم التكنولوجي—بعد فوات الأوان ربما—أن المهندس المكتفي بالتقنية ينتج آلة صماء، بينما التكوين الأكاديمي والفلسفي العمودي هو الوحيد القادر على منح هذه الآلة عقلًا استدلاليًا وبوصلة أخلاقية.
نقد “النفعية الآنية” وتحصين السيادة المعرفية
إن اختزال أدوار الجامعة في مجرد الاستجابة لطلبات المقاولة اللحظية يمثل تهديدًا لـ “السيادة المعرفية“ الوطنية لكل دول العالم؛ “إذ تتحول المؤسسة التعليمية في هذا النموذج إلى “تابع” بدلًا من أن تكون “قائدًا”، إن قوة الجامعة المغربية تكمن في الحفاظ على مسافة نقدية تمنحها القدرة على “توليد المعرفة” وتوطينها “[9].
بناء عليه، فإن التميز والنجاح المهني (محليًا ودوليًا) يظهر كـ “نتيجة حتمية“ ومنطقية لهذا الرصيد المعرفي والمنهجي الصارم، وليس كغاية تقزم من أجلها قدسية العلم. فالخريج الذي سُلح بآليات التفكير العقلاني والمنهج العلمي الكلاسيكي هو الذي يفرض كفاءته في أرقى المؤسسات الدولية، لأنه يمتلك “الأصل” (المعرفة والمنهج) الذي يسهل عليه تملك “الفروع” (المهارات التقنية المتغيرة).
إن هذا التحول العالمي المعاصر هو تفنيد قاطع لكل المحاولات المحلية الداعية لـ “تمهين” الجامعة المغربية وتفريغها من جيناتها الفكرية؛ “فالجامعة التي تفرط في أصولها المعرفية لتصنع فنيين مؤقتين، إنما تراهن بمستقبل أمتها المعرفي في سوق المزايدات الاقتصادية اللحظية”[10].
وتنعكس هذه الصلابة الإبستمولوجية بوضوح في الهيمنة الأكاديمية الاستثنائية التي يحققها الطلبة سنويًا في مباريات ولوج كبريات مدارس المهندسين والمؤسسات الكبرى بفرنسا (مثل Polytechnique وCentraleSupélec)، وكذا التفوق المشهود لباحثي وأطباء المغرب في المختبرات والمستشفيات الجامعية الأوروبية والكندية. إن هذه الشواهد الميدانية تفند القراءة السطحية التي تطالب بـ “مهننة” التكوين وتحويله إلى تدريب إجرائي سريع؛ إذ لو كان التكوين النظري مجرد ثقل أو حشو كما يروج دعاة النفعية الضيقة، لكان الخريج المغربي أول العاجزين عن المنافسة في بيئات أكاديمية دولية لا تعترف إلا بالقدرة على الابتكار والتجريد وتفكيك المعقد. إن امتلاك العقل المغربي لـ “الأساس النظري الأصولي” هو الميزة التنافسية التي تجعله يمتلك مرونة التكيف والسيادة، بينما يتخلف التقني المكتفي بالقوالب المجهزة عن ركب المتغيرات العاصفة
“الرأسمال الرمزي” وتعبئة الكفاءات العابرة للحدود
لقد شكلت الصرامة الأكاديمية في الجامعة المغربية ما يمكن تسميته بـ “الرأسمال الرمزي“ للخريج، وهو رأسمال لا يقدر بثمن في سوق الشغل الدولية التي باتت تبحث عن “العقول المبتكرة” لا “الآلات البشرية”. وفي هذا السياق، يضع المخطط الوطني PACTE ESRI 2030 رهانًا استراتيجيًا على هذه “الجالية العلمية” من خلال العمل على “تعبئة الكفاءات المغربية بالخارج” للمساهمة في تطوير البحث العلمي الوطني وتوطين التكنولوجيا الحديثة. إن هذا التوجه الرسمي يقرّ ضمنًا بأن القوة الضاربة للمغرب تكمن في خريجيه الذين تشبعوا بالقيم الأكاديمية الرصينة، والذين باتوا يشكلون جسرًا لربط الجامعة المغربية بـ “مجتمع المعرفة“ العالمي.
الخاتمة
تأسيسا على هذا المسار التاريخي والسوسيولوجي، فإن الدفاع المستميت عن “أولوية الصلابة المعرفية” لا يعكس نكوصًا أو هروبًا من استحقاقات الثورة التكنولوجية؛ بل هو شرط الشروط لمسايرة التحولات العلمية المعاصرة من موقع “المُنتج المبتكر” لا “المستهلك المنفذ”. إن القدرة الفائقة للجامعة المغربية على الانخراط في أعقد التخصصات الدقيقة والرقمنة المتقدمة تمثل البرهان الملموس على أن التأسيس النظري الصارم هو المحرك الحقيقي للتطوير التكنولوجي والابتكار.
ويتجلى هذا الارتقاء العلمي بوضوح في البروز الدولي المشرّف للمؤسسات والمدن الجامعية المغربية، التي باتت تعتلي المراتب الأولى إقليميًا ودوليًا؛ حيث تحولت الجامعات والمجمعات الأكاديمية -كما نرى في نماذج رائدة كجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية UM6P، وجامعة محمد الخامس، وجامعة القاضي عياض، وغيرها- إلى قطب جاذب للبحث العلمي المتقدم، والتكنولوجيا الحيادية، وعلوم البيانات. هذا التميز المؤسساتي لم يكن ليستقيم لو أفرغت المنظومة من عمقها المعرفي لصالح تكوينات إجرائية سريعة التقادم؛ بل هو ثمرة التلاحم بين الصرامة الأكاديمية والبيئة البحثية المحفزة.
ومن هذا المنظور الاستشرافي، يغدو الانخراط في الثورات الرقمية والتكنولوجية القادمة معركة مباشرة لحماية “السيادة المعرفية والسيبرانية” للوطن. إن التحدي الحقيقي الذي تفكك شفراته الجامعة المغربية لا يكمن في مجرد استيراد الآلة أو اتباع تقليعات التحديث السطحي؛ بل في امتلاك قدرة ذاتية على بناء معرفة سيادية، وحماية الأمن القومي الثقافي، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي، وحلول تقنية تفكر بالمنطق الأكاديمي الوطني. إن هذا التوازن الدقيق بين الأصالة النظرية والسيطرة على مقاليد التكنولوجيا الحديثة هو الذي يضمن بقاء الجامعة المغربية منارة سيادية تُنتج العقول القادرة على قيادة المستقبل، وتصون هيبة الشهادة الوطنية في محافل العلم العالمية.
لقد أثبت المسار السوسيولوجي والتاريخي أن المحاولات المتكررة لـ “تمهين” الجامعة واختزال وظائفها التأسيسية في الاستجابة السطحية لمتطلبات السوق اللحظية، لا تؤدي إلا إلى إنتاج كفاءات هشّة سريعة التقادم في سوق شغل دائم التقلب. وفي المقابل، أثبت العقل المغربي المُسلح بـ “الأصول المعرفية والمنهج العلمي الكلاسيكي” تفوقه الاستثنائي؛ سواء عبر اعتلائه أرفع المراتب الأكاديمية والمهنية في المحافل الدولية، أو من خلال القفزات النوعية التي تحققها المدن والجامعات المغربية اليوم في مضمار التكنولوجيا المتقدمة والسيادة الرقمية.
إن الجامعة المغربية لم تُبْنَ لتكون مجرد ملحقة تدريبية للمقاولة؛ بل أُسست لتكون “قاطرة للسيادة وقِبلة للقيادة الفكرية”. ولا يكمن الرهان المستقبلي في التخلي عن العتاد النظري لمسايرة التكنولوجيا؛ بل في استثمار هذه الصلابة المعرفية لإنتاج تكنولوجيا وطنية سيادية، تُعزز هيبة الشهادة الجامعة المغربية، وتضمن للوطن موقعه المستحق في صدارة مجتمعات المعرفة.
قائمة المصادر والمراجع
أولا: الوثائق والتقارير الاستراتيجية الرسمية
- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2019). تأهيل التعليم العالي والبحث العلمي وتطويرهما: رأي رقم 2019/05. الرباط، المغرب.
- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (1999). الميثاق الوطني للتربية والتكوين. الرباط، المغرب.
- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. (2022). المخطط الوطني لتسرع تحول نظام التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار (PACTE ESRI 2030). الرباط، المغرب.
ثانيا: الكتب والمراجع الأكاديمية
- ابن خلدون، ع. (2004). مقدمة ابن خلدون (تحقيق د. عبد السلام الشدادي). دار الفنون والعلوم والآداب. مرجع استرشادي لتاريخ القرويين والمحطة الروحية
- الشهبون، ع. (2018). المؤسسات العلمية بالمغرب وتطورها التاريخي. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط.
- ياسبرس، ك. (2015). فكرة الجامعة (ترجمة د. حسن مجيد العبيدي). دار الشؤون الثقافية العامة.
ثالثاً: المراجع المترجمة والأجنبية المعتمدة في الإطار النظري
- Bourdieu, P. (1988). Homo Academicus (P. Collier, Trans.). Stanford University Press. (مرجع مفهوم “الهابيتوس الأكاديمي” – Habitus Academicus المذكور بالنص).
- Collini, S. (2012). What Are Universities For? Penguin Books. (مرجع نقد الجامعة النفعية).
- Readings, B. (1996). The University in Ruins. Harvard University Press. (مرجع تحول برادايْم الجامعة المعاصرة).
[1] Barnett, R., The Coming of the Ecological University, Routledge, 2011.
[2] Ministère de l’Éducation Nationale, Loi-cadre 51-17 relative au système d’éducation, de formation et de recherche scientifique, Rabat: Ministère de l’Éducation Nationale, 2019″) و(“Ministère de l’Enseignement Supérieur, de la Recherche Scientifique et de la Formation des Cadres, Stratégie globale de la réforme de l’enseignement supérieur au Maroc, Rabat: Ministère de l’Enseignement Supérieur, 2015
[3] Berriane, M. & de Haas, H., Migration and Development in North Africa: The Changing Dynamics of Migration, Mediterranean Politics, 17(2), 179–192, Routledge, 2012″; “Benhaddou, H., Moroccan Graduates and the International Labor Market: Challenges and Opportunities, Journal of North African Studies, 23(5), 765–783, Taylor & Francis, 2018
[4] د. سعيد يقطين، “واقع التعليم العالي والبحث العلمي وآفاقهما في الوطن العربي: دراسة حالة جامعة محمد الخامس”، في: مراد دياني (إعداد وتنسيق)، الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت/الدوحة، ط1، مارس 2017، ص 98.
[5] Maton, Karl, 2008, Habitus, in: Michael Grenfell (ed.), Pierre Bourdieu: key concepts, Durham: Acumen Publishing Limited, pp. 49-65.
[6] أسماء حسين ملكاوي، «فكرة الجامعة» عند هابرماس: نظرية الفعل التواصلي وإصلاح الجامعات، مجلة إضافات، العددان 36–37، خريف 2016 – شتاء 2017، ص. 229.
- [7] المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، “إصلاح التعليم العالي: آفاق استراتيجية”، تقرير رقم 2019/5، الرباط، يونيو 2019 ص18
[8]وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي (PACTE ESRI 2030)، 2023
[9] مراد دياني (إعداد وتنسيق)، الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت/الدوحة، ط1، 2017، ص 22.
[10] عبد العالي كعواشي، “التعليم العالي بالمغرب: عدم تحسن النوعية رغم الإصلاحات”، في: مراد دياني (تنسيق)، الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت/الدوحة، ط1، مارس 2017، ص


