وهم السيطرة… “حين يتحول الخوف الداخلي إلى استبداد بالآخرين”

حين يعجز الإنسان عن قيادة نفسه من الداخل، يبدأ في البحث عن ساحة خارجية يمارس فيها سلطة وهمية، فتتحول السيطرة لديه من وسيلة عاقلة لتنظيم الحياة إلى هوس مرضي يستهدف إخضاع من حوله.
إن المرء المهووس بالسيطرة، المتربص بأدق التفاصيل لاصطياد أخطاء الآخرين، ليس في حقيقة أمره مالكا لزمام القوة ولا مستمسكا بمقاليد الأمور، بل هو إنسان فارٌّ بجلده من مواجهة مواطن ضعفه وهشاشته. وكما قال الفيلسوف سينيكا: «لا أحد أكثر ضعفا من ذلك الذي لا يستطيع تحمل ضعفه»؛ إنه حين يفشل في ضبط مساره الخاص، ويقف عاجزا أمام تقلبات الحياة وفوضاه النفسية المتلاطمة، يفتش عن مساحة ضيقة يمارس فيها ديكتاتورية صغيرة؛ فيستعرض مهاراته في التفتيش عن عثرات الآخرين، وتضخيم صغائرهم، وتحويل الهفوات العابرة إلى قيود مكبلة، ليسجن غيره في أخطائه، في محاولة بائسة للهروب من مواجهة عجزه الشخصي.
إن وهم «السيادة» الذي يسكن عقل هذا الإنسان ليس دليلا على اقتدار، بل هو قناع فقط مصبوغ بطلاء زائف يغطي نقصا داخليا عميقا. إنه نموذج للذات التي لا تستشعر حضورها إلا عبر إلغاء ذوات الآخرين؛ فلا يشعر بأنه «فوق» إلا حين يضع غيره «تحت»، ولا يرى نفسه قويا إلا إذا نجح في إضعاف بنيان من حوله.
وتلك ليست سيادة بحال، بل هي سيادة مقلوبة وصورة مشوهة للقوة، يحاول من خلالها تعويض ما يفتقده في جوهره النفسي من خلال إخضاع الناس وقهر إراداتهم. لنصل بالنهاية الى فشل المعركة الكبرى: “الاستبداد كبديل لجهاد الذات” لقد فشل هذا الإنسان في خوض المعركة الأكثر حسما وكرامة في وجوده: معركة النفس.
فتجده لا يملك حتى الشجاعة الكافية لمواجهة قلقه المكتوم، ولا هشاشته النفسية، ولا خوفه الرهيب من فقدان زمام الأمور؛ فاستبدل جهاد الذات المكتفي بالبناء والتزكية، بجهاد الآخرين المترع بالتربص والتنكيل. وقد لخص الفيلسوف الصيني لاوتسو هذا النضال قديما بقوله: «من يسيطر على الآخرين قوي، ولكن من يسيطر على نفسه هو الأقوى حقا». فبدلا من أن يشمر عن ساعديه لإصلاح ما اختل في داخله ورتق الثقوب التي تتسرب منها مخاوفه، انشغل بإخضاع العالم الخارجي وتطويع البيئة المحيطة به لتلائم مقاسات قلقه.
يظن هذا المستبد المتربص أن خضوع الآخرين له واستكانتهم لسطوته سيمنحانه شعورا متوهجا بالثقة والتمكين، ولا يدرك أن من يحتاج إلى كسر الآخرين كي يشعر بعلو هامته، قد كشف بنفسه -دون أن يدري- عن موضع انكساره الأشد إيلاما. فالقوة الحقيقية الساطعة لا تحتاج إلى إقامة أبراج مراقبة على أفعال الناس، ولا تتغذى على إذلالهم، ولا تقتات على اصطياد أخطائهم.
إن القوة الجليلة هي أن تملك زمام نفسك حين تتأرجح بك أمواج الاستفزاز، وأن تضبط جموح غضبك حين تتوافر لك أسباب الانتقام، وأن تعرف حجمك ومكانتك في هذا الكون دون أن تضطر إلى تصغير أقدار الآخرين أو نفي وجودهم. وكما أثبت الفيلسوف إبيكتيتوس عمق هذه الحقيقة حين قال: «من لا يملك زمام نفسه، ليس حرا»؛ فإن أشد الناس عبودية للضعف هم أولئك الذين يظنون أنهم سادة على غيرهم.
أما من لا يستطيع ممارسة السيطرة إلا على الآخرين، فهو في جوهره أكثر الناس عجزا عن السيطرة على نفسه، وأبعدهم عن حرية الروح وكرامة العقل.”حماية البوصلة” و”استعادة الذات” عنوان المحطة التالية؛ إن الوقوف في وجه هوس السيطرة، سواء أكان نابعا من ذواتنا أم ممارسا علينا من الآخرين، يبدأ من الوعي بأن الإنسانية لا تزدهر في مناخات الترهيب والتربص. فالإنسان الذي يختار العدل وهو قادر على الظلم، والذي يختار الرحمة وهو قادر على الإيذاء، هو وحده من يستحق وصف «القوي».
يذكرنا الشاعر والفيلسوف جبران خليل جبران بأثر هذه القسوة حين يقول: «سَلامٌ على الحَياةِ إذا أُمِيتَتْ مَعانيها وَأُسْقِطَتِ القِيَمُ»؛ إذ لا يمكن لأي مجتمع أو مؤسسة أو روح إنسانية أن تتفتح في بيئة تنعدم فيها الثقة ويحل محلها الشك والتربص. لا تسمح لتقلبات الحياة أو خوفك من الفقد أن يحولك إلى شخص يقتات على تتبع سقطات غيره.
كن القلب الذي يستوعب الزلل، والعقل الذي يفرق بين السيطرة الواعية والتربص المفسد. وكما حذر الإمام الغزالي: «من ظن أنه يستغني عن الناس بسلطانه أو ماله فقد ضل»، فإن الوصول إلى الغايات دون فقدان الذات هو النصر الحقيقي؛ فما فائدة أن تكسب انقياد العالم من حولك، إذا كنت قد خسرت في الطريق حرية روحك وصفاء ضميرك؟

