النزلاء.. من الإصلاح إلى الإنتاج

لم تعد المؤسسات العقابية المعاصرة مجرد أمكنة للاحتجاز وسلب الحرية، بل تحولت في ضوء مفاهيم العدالة الإصلاحية الحديثة إلى حاضنات للتفكير الفلسفي والتقويم النفسي والاستثمار الاجتماعي.
إن شغل وقت النزيل ببرامج كادحة ومنظمة لا يمثل مجرد خيار تأهيلي، بل هو استثمار استراتيجي متبادل للطرفين؛ فبالنسبة للسجين هو استعادةٌ لآدميته وتوجيهٌ لطاقته، وبالنسبة للدولة هو حمايةٌ لأمنها القومي وتخفيضٌ لكلفة الجريمة. إن قدرة المنظومة العقابية على استيعاب النزلاء وتحويل أوقات فراغهم المهدورة إلى طاقات إنتاجية هي دليل ساطع على مرونة الحكومة وحكمتها في إدارة أزماتها الاجتماعية، وتجسيدٌ لوعيها بأن الاستثمار في أكثر الفئات هامشية يثمر أماناً واستقراراً شاملين.
تبدأ هذه الرحلة الإصلاحية من التأسيس المعرفي والثقافي داخل المؤسسة، حيث تتجلى المكتبة المركزية كعمود فقري لبناء الوعي وتوسيع المدركات. إن توفير مكتبات متطورة تضم مصادر المعرفة الشاملة يمنح النزيل فرصة استثمار وقت الفراغ الطويل في التعلم الذاتي والتحصيل الأكاديمي، ليتحول الوقت من عبء ثقيل إلى مسار تعليمي منتظم، يتخرج منه السجين محرزاً شهادات علمية وثقافة عميقة تصقل تفكيره النقدي وتفكك المفاهيم المغلوطة التي قادته سابقاً إلى الجريمة. ولا يكتمل التأهيل الذهني إلا بوجود بناء بدني ونفسي متوازن، وهنا يأتي دور النشاط الرياضي الموجه ضمن جداول زمنية دورية وصارمة لتفريغ الشحنات النفسية السلبية، وتقليل مستويات التوتر والعدوانية، وتعزيز الانضباط الذاتي لدى النزلاء.
وإلى جانب الرياضة والتثقيف، تبرز أهمية التمكين المهني القائم على دراسة قدرات كل نزيل وإلحاقه بالعمل الإنتاجي المناسب، ويشكل مشروع المزارع التأهيلية التابعة للمؤسسات العقابية نموذجاً فريداً لهذا الاتجاه. إن إدماج السجناء في الزراعة ورعاية الأرض يغرس في نفوسهم قيمة الإنتاج والعطاء، حيث يحل الشعور بالإنجاز المادي والملموس محل نوبات الإحباط، مما يقلل بشكل مباشر من النزعات الإجرامية ويحقق عائداً اقتصادياً مجزياً لمؤسسات الدولة. وفي إطار تعزيز الرادع الداخلي، يمثل الدليل الأخلاقي والتربية الروحية حجر الزاوية؛ إذ يتضمن برنامجاً شاملاً لحفظ القرآن الكريم وتلاوته، إلى جانب فتح آفاق التأليف والإنتاج الفكري، وربط ذلك بآليات قانونية تسمح باختصار سنوات العقوبة بناءً على معايير سلوكية وإيمانية مثبتة.
ولِتغذية هذا التحول الروحي، ينبغي أن تحرص المنظومة الإصلاحية الحكيمة على فتح أبواب التفاعل المجتمعي من خلال تنظيم زيارات دورية لشخصيات مؤثرة، ومصلحين اجتماعيين، وعلماء شريعة وفكر لشحذ الهمم وتصحيح المفاهيم الفكرية. كما ينبغي أن تتيح الدولة الفرصة للمتميزين سلوكياً لتحمل أدوار قيادية وتنظيمية لإدارة بعض الأنشطة وتقديم النصح لأقرانهم، مما ينمي لديهم الحس بالمسؤولية ويسهم في خلق بيئة إيجابية داخل السجن. إن النتيجة النهائية لهذه الرؤية الحكومية المرنة تتجلى في لحظة الإفراج، حيث يخرج السجين فرداً صالحاً وداعياً للخير، ومزوداً بمهارات كافية لتوفير مردود مادي كريم لأسرته، ليتحول من عبء على الدولة إلى عنصر إنتاجي فاعل يسهم في نهضتها وأمنها.

د. خالد الشيدي

كاتب بمجلة إشراق العمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *