مقاومة الجامعات للانهيار البنيوي

تمر مؤسسات التعليم العالي العالمية بمرحلة تحول تاريخية تتجاوز الأزمات التشغيلية المؤقتة لتلامس جوهر وجود الجامعة ووظيفتها الحضارية؛ إذ لم تعد التحديات مقتصرة على محدودية التمويل أو تعقيد الإجراءات الإدارية؛ بل أصبحت مرتبطة بتغيرات عميقة في طبيعة إنتاج المعرفة، وعلاقة الجامعة بالمجتمع، ومكانة الاستقلال الأكاديمي في ظل تصاعد منطق السوق والاقتصاد المعرفي. فقد أدى انتشار نموذج “الرأسمالية الأكاديمية “إلى إعادة تشكيل أولويات الجامعات، حيث أصبحت المعرفة في كثير من الأحيان تُقاس بقيمتها الاقتصادية والتسويقية أكثر من قيمتها الإنسانية والتنموية، الأمر الذي أسهم في تراجع بعض وظائف الجامعة التقليدية بوصفها فضاءً نقديًا لإنتاج المعرفة الحرة وخدمة الصالح العام. (Rhoades& Slaughter, 2004) وتزداد هذه الأزمة تعقيدًا مع هيمنة التصنيفات العالمية للجامعات مثل”QS”، التي رغم دورها في تعزيز التنافسية الدولية، دفعت بعض المؤسسات إلى التركيز على مؤشرات كمية للنشر والاستشهادات والشراكات الدولية على حساب بناء المعرفة العميقة متعددة التخصصات المرتبطة بحاجات المجتمعات الفعلية (Hazelkorn, 2015) ومن ثم أصبحت الجامعة المعاصرة أمام سؤال وجودي: هل تكتفي بمقاومة الانهيار والمحافظة على بنيتها التقليدية، أم تعيد هندسة ذاتها لتصبح مؤسسة قادرة على النمو وسط الاضطرابات؟

يقدم مفهوم “المضادة للهشاشة المؤسسية ” الذي طرحه طالب (Taleb, 2012) إطارًا جديدًا للإجابة عن هذا السؤال؛ إذ يتجاوز مفهوم المرونة التقليدية التي تعني قدرة المؤسسة على امتصاص الصدمات والعودة إلى وضعها السابق، ليشير إلى قدرة النظام على تحويل الأزمات والاضطرابات إلى فرص للنمو والتجدد وإعادة البناء. وفي سياق التعليم العالي، تعني المضادة للهشاشة: تصميم جامعات لا تكتفي بالتكيف مع الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتحولات سوق العمل؛ بل تستثمر هذه التحولات لإعادة تشكيل برامجها البحثية والتعليمية وهياكلها التنظيمية.

ويرتبط تحقيق هذا التحول بتفعيل مفهوم “القدرات الديناميكية”، الذي يوضح قدرة المؤسسات على استشعار التحولات المستقبلية، واقتناص الفرص الناشئة، وإعادة تكوين مواردها البشرية والتنظيمية والمعرفية باستمرار (Teece, 2007) فالجامعة المستقبلية ليست مؤسسة ثابتة تعتمد على نماذج تشغيلية تقليدية، وإنما نظام معرفي حي يمتلك القدرة على التعلم المؤسسي المستمر، وإعادة تصميم تخصصاته، وتطوير شراكات استراتيجية تستجيب للتحديات الوطنية والعالمية.وفي هذا الإطار، يمثل مفهوم “الجامعة الموجهة بالمهمة “أحد النماذج الحديثة لإعادة تعريف دور التعليم العالي؛ حيث تنتقل الجامعة من التركيز على إنتاج الشهادات إلى إنتاج حلول معرفية لمشكلات المجتمع.

ويتطلب ذلك تفعيل نموذج الحلزون الرباعي الذي يدمج الجامعة والحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في منظومة ابتكار متكاملة، بما يعزز قدرة الجامعات على المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. (Carayannis & Campbell, 2012)ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في سياق سلطنة عُمان؛ حيث تقدم رؤية عُمان 2040 إطارًا استراتيجيًا لتحويل التعليم العالي إلى محرك للاقتصاد المعرفي والابتكار، وربط المؤسسات الأكاديمية بالأولويات الوطنية والتنمية المستدامة.

ويتطلب تحقيق ذلك إعادة تعريف وظيفة الجامعة العُمانية من مؤسسة تعليمية تمنح المؤهلات إلى مؤسسة منتجة للمعرفة وقادرة على المنافسة عالميًا، بما ينسجم مع توجهات اليونسكو نحو بناء عقد اجتماعي جديد للتعليم يركز على التعاون والعدالة والاستدامة. (UNESCO, 2021)ويستوجب بناء الجامعة العُمانية المضادة للهشاشة مجموعة من التحولات البنيوية؛ أولها إعادة تصميم المعمار الأكاديمي من خلال الانتقال من البرامج الجامدة إلى مسارات تعليمية مرنة تشمل المؤهلات المصغرة، والتعلم مدى الحياة، والبرامج العابرة للتخصصات التي تستجيب للتحولات المهنية المتسارعة. (OECD, 2023) وثانيها إعادة بناء منظومة البحث العلمي عبر الاستثمار في الأبحاث عالية المخاطر وعالية العائد، وتحويل الجامعة من مستهلكة للتمويل البحثي إلى منتجة للقيمة الاقتصادية والاجتماعية. وثالثها تطوير نماذج الحوكمة الجامعية؛ لتصبح أكثر مرونة وقدرة على اتخاذ القرار، مع الانتقال من مؤشرات الأداء الكمية إلى مؤشرات تقيس الأثر المجتمعي للمعرفة المنتجة.وتقدم بعض التجارب الدولية نماذج ملهمة في هذا الاتجاه؛ إذ استطاعت جامعة هيلسنكي بناء نموذج مؤسسي يقوم على الانفتاح المعرفي، والتكامل بين التعليم والبحث، وتعزيز مفهوم المجال المعرفي المشترك، مما دعم قدرتها على التكيف مع التحولات العالمية.

كما تمثل جامعة الملك سعود نموذجًا إقليميًا في توظيف الشراكات البحثية، ومراكز التميز، ونقل التكنولوجيا لتعزيز مكانتها في منظومة الاقتصاد المعرفي.ولا يمكن تجاهل دور الجامعات الخاصة في هذا التحول؛ فقد أظهرت قدرة على استقطاب الكفاءات، وتطوير برامج تنافسية، وبناء شراكات مرنة مع القطاعات المختلفة. إلا أن نجاحها طويل الأمد يتطلب المحافظة على التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والرسالة الإنسانية للجامعة؛ بحيث لا يتحول التعليم إلى سلعة منفصلة عن قيم العدالة الاجتماعية والابتكار الأخلاقي وحماية العلوم الإنسانية. (Marginson, 2016)إن مقاومة الانهيار البنيوي للجامعات لا تعني حماية الهياكل القائمة؛ بل إعادة اختراع الجامعة نفسها لتصبح مؤسسة معرفية حية قادرة على تحويل عدم اليقين إلى فرصة، والاضطراب إلى ابتكار، والتحديات إلى مصادر قوة.

ومن هنا فإن بناء “مؤشر مرونة الجامعات” يمكن أن يمثل خطوة مستقبلية لتقييم قدرة المؤسسات الأكاديمية على الاستدامة والتجدد، عبر قياس عناصر مثل: المرونة التنظيمية، والابتكار البحثي، والشراكات المجتمعية، والسيادة الرقمية، والقدرة على إنتاج المعرفة العابرة للتخصصات. إن الجامعة التي ستقود المستقبل ليست الأكثر محافظة على ماضيها؛ بل الأكثر قدرة على إعادة تشكيل ذاتها لصناعة المستقبل.

المراجع

Carayannis, E. G., & Campbell, D. F. (2012). Mode 3 knowledge production in quadruple and quintuple helix innovation systems

Springer.Hazelkorn, E. (2015). Rankings and the reshaping of higher education: The battle for world-class excellence (2nd ed.).

Palgrave Macmillan.Marginson, S. (2016). Higher education and the common good. Mundus Altus, 12(4), 111–134.OECD. (2023). Education at a glance 2023: OECD indicators.

OECD Publishing.Slaughter, S., & Rhoades, G. (2004). Academic capitalism and the new economy: Markets, state, and higher education.

Johns Hopkins University Press.Taleb, N. N. (2012). Antifragile: Things that gain from disorder.

Random House.Teece, D. J. (2007). Explicating dynamic capabilities: The nature and micro. foundations of sustainable enterprise performance. Strategic Management Journal, 28(13), 1319–1350.

UNESCO. (2021). Reimagining our futures together: A new social contract for education. UNESCO Publishing..

د. خالد الشيدي

كاتب بمجلة إشراق العمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *