أزمة التفكير

تبدأ أزمة التفكير حين يتحول الانفتاح على تجارب الغربية من وسيلة للتعلم والاستفادة إلى حالة من التبعية الفكرية؛ فنأخذ القوانين والأنظمة والنماذج الجاهزة كما هي، دون أن نتوقف لنسأل: هل تتوافق هذه النماذج مع خصوصيتنا الوطنية والمجتمعية والدينية؟ وهل تلائم واقعنا واحتياجاتنا، أم أننا نطبقها لمجرد أنها نجحت في بيئات أخرى؟
إن الاستفادة من تجارب الغرب لا تعني استنساخها، كما أن الانفتاح لا يعني التخلي عن الخصوصية، فالوعي الحقيقي يقوم على القدرة على الاختيار والتمييز؛ أن نقرأ التجارب الغربية، ثم نعيد النظر فيها في ضوء الثوابت الوطنية والدينية والمجتمعية.
فالمجتمع الذي يمتلك تفكيرًا ناقدًا لا يرفض تجارب الآخرين لمجرد أنها تأتي من الخارج، ولا يقبلها لمجرد أنها ناجحة؛ بل يدرسها، ويأخذ منها ما يمكن أن ينسجم مع الهوية الوطنية، ثم يعيد صياغته بما يتناسب مع واقعه، وهنا تتحول النظرية من التقليد إلى البناء، ومن استهلاك الأفكار إلى إنتاجها، إذ أن الهدف هو الإرادة المستقلة القادرة على البناء والاستمرار في التطوير، لذا سوف أناقش في هذا المقال بعض القضايا والمبادئ الغربية وكيفية التعامل معها في مجتمعاتنا.
مع صعود الرأسمالية وتطور الاقتصاد الصناعي، بدأت تتشكل نظرة جديدة إلى العمل والإنسان، تقوم بدرجة متزايدة على المفاهيم الإنتاجية والكفاءة والعائد الاقتصادي، وقد تعزز هذا الاتجاه مع الثورة الصناعية، ثم تطور في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مع ظهور الإدارة العلمية وتقسيم العمل والإنتاج واسع النطاق؛ فأصبح أداء العامل يُقاس بقدرته على زيادة الإنتاج وتقليل الوقت والتكلفة.
ومن هنا بدأت المفارقة التي تستحق التأمل: فكلما تطورت المنظومة الاقتصادية في اتجاه رفع الإنتاجية، ازداد الميل إلى قياس الإنسان من خلال ما يقدمه من إنتاج وعائد، في حين أن الإنسان في حقيقته يتجاوز وظيفته الاقتصادية؛ فهو كائن اجتماعي له العديد من الاحتياجات النفسية، والأخلاقية، والثقافية، والروحية.
وفي ضوء ذلك، تبرز الإشكالية الأعمق عندما يُختزل الإنسان في وظيفته وما يقدمه من عوائد مادية؛ فإذا تعرض لظرف صحي أو اجتماعي يحول دون استمراره في أداء عمله، أصبح بقاؤه في المؤسسة محل تساؤل، وكأن قيمته تنتهي بانتهاء قدرته على الإنتاج. وتزداد خطورة هذا التصور عندما تنتقل مثل هذه الممارسات إلى مجتمعاتنا ومؤسساتنا، فتتراجع الاعتبارات الإنسانية أمام الحسابات الاقتصادية، ويصبح العامل مهددًا بفقدان مصدر دخله عند المرض أو العجز عن الاستمرار في العمل، أو بفقدان وظيفته عندما تتراجع أرباح المؤسسة وترتفع تكلفة الإبقاء عليه.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل ينبغي أن نستورد النماذج الاقتصادية دون أن نعيد النظر فيها في ضوء قيم مجتمعنا وخصوصيتنا الوطنية؟ وهل يجوز أن يُنظر إلى المواطن باعتباره مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، تُحسب قيمته بقدر ما يحقق من عائد؟ إن الإنسان مواطن قبل أن يكون موظفًا، وله كرامته وحقوقه والتزاماته، ومن ثم فإن أي منظومة اقتصادية أو إدارية ينبغي أن توازن بين متطلبات الكفاءة والاستدامة المالية من جهة، والمسؤولية الاجتماعية وحماية الإنسان من جهة أخرى.
فالثروة الحقيقية للمجتمع لا تقاس بما تنتجه المؤسسات وحدها، وإنما بقدرتها أيضًا على حفظ كرامة الإنسان وتوفير الحماية الاجتماعية له عندما يمر بظروف تحد من قدرته على العمل، والسؤال الأهم ليس: كم يستطيع الإنسان أن ينتج؟ وإنما: كيف نبني نظامًا اقتصاديًا يستفيد من إنتاجية الإنسان دون أن يفقد إنسانيته؟
أما المرأة فقد كانت في قلب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت تطور المجتمعات الحديثة؛ إذ انتقلت تدريجيًا من الحضور الاقتصادي والاجتماعي الذي يرتبط في كثير من البيئات بالأسرة والمجتمع إلى حضور أوسع في سوق العمل ومجالات الإنتاج المختلفة، وقد رافق هذا التحول ظهور العديد من القوانين والتشريعات العديدة التي هدفت إلى تعزيز حقوق المرأة في التعليم والعمل والأجر والحماية من التمييز، وهي حقوق أسهمت في توسيع مشاركتها الاجتماعية والاقتصادية، ونادت بتحقيق مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة مما زاد من الأعباء الاجتماعية، وعمق العلاقة الاسرية بشكل سلبي، وابتعدت المرأة عن أدوارها الاجتماعية، وهذا هو الهدف الأساسي لدى الاقتصاد الغربي، بل وسل الامر على الانسلاخ من القيم والمبادئ مقابل العمل الاقتصادي.
غير أن السؤال الذي يستحق التأمل لا يتعلق بمبدأ عمل المرأة أو بحقوقها، وإنما بالكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق التوازن بين مشاركتها الاقتصادية وبين أدوارها الأسرية والاجتماعية، فعندما يُبنى النموذج الاقتصادي على افتراض أن العامل ينبغي أن يكون متفرغًا للإنتاج، تصبح بعض المسؤوليات الأسرية، كالزواج وتكوين الأسرة والحمل والولادة ورعاية الأطفال، وكأنها عوائق أمام الإنتاجية، بدل النظر إليها باعتبارها أدوارًا إنسانية واجتماعية ذات قيمة.
ومن هنا قد تنشأ إشكالية أخرى في التفكير؛ فبدل أن نعيد تصميم بيئة العمل بما يراعي طبيعة الإنسان واحتياجات الأسرة، قد نتجه إلى إعادة تشكيل حياة الإنسان لتتناسب مع متطلبات العمل، وعندها لا تصبح القضية قضية “عمل المرأة” في حد ذاته، وإنما قضية أوسع تتعلق بالنموذج الذي نريد أن تقوم عليه الحياة: هل يكون الاقتصاد في خدمة الإنسان والأسرة، أم يُطلب من الإنسان والأسرة التكيف المستمر مع متطلبات الاقتصاد؟
إن حماية حقوق المرأة وتمكينها من التعليم والعمل والمشاركة في المجتمع لا ينبغي أن تكون في مواجهة دورها الأسري، والتحدي الحقيقي هو بناء منظومة اجتماعية واقتصادية تعترف بقيمة الدورين معًا، وتمنح المرأة القدرة على المشاركة والإنتاج دون أن تجعل نجاحها المهني مرهونًا بالتخلي عن خياراتها الأسرية، أو تجعل دورها الأسري سببًا في الانتقاص من حقوقها الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن الحديث عن حقوق المرأة والرجل لا ينبغي أن يُبنى على مفهوم المساواة بمعنى التطابق الكامل في الأدوار والوظائف، وإنما على مفهوم العدالة التي تحفظ لكل منهما كرامته وحقوقه، وتراعي الطبيعة الجسمية والنفسية لكل منهما ومسؤولياته. فالمنظومة الإسلامية تنظر إلى الرجل والمرأة باعتبارهما متساويين في الكرامة الإنسانية، وفي أصل التكليف والمسؤولية، وفي استحقاق الحقوق، مع مراعاة ما قد يترتب على اختلاف الأدوار والمسؤوليات من أحكام وتكاليف، لذا فإن العدل لا يعني أن يكون الرجل والمرأة متطابقين في كل شيء، وإنما أن يُعطى كل منهما حقه، وألا يكون الاختلاف سببًا للظلم أو الانتقاص من الكرامة.
وفي هذا السياق، فإن استيراد مفهوم المساواة من منظومات فكرية أخرى دون النظر في الأسس التي يقوم عليها مجتمعنا قد يقود إلى الخلط بين المساواة والعدالة؛ فالمجتمع المسلم لا يحتاج إلى إلغاء الفروق الطبيعية والاجتماعية بين الرجل والمرأة حتى يحقق العدالة بينهما، وإنما يحتاج إلى بناء منظومة تحفظ حقوقهما، وتصون الأسرة، وتتيح لكل منهما المشاركة في بناء المجتمع، دون أن يتحول أحدهما إلى نسخة من الآخر أو تصبح الأسرة ضحية لمتطلبات العمل والاقتصاد، وهنا تبرز الحاجة إلى التفكير في نموذج ينطلق من مرجعيتنا الإسلامية، ويستفيد من التجارب الإنسانية دون أن يفقد خصوصيته وهويته.
لذا، ليس كل ما يُستورد من منهجيات وأفكار غريبة يصلح بالضرورة لمجتمعاتنا، والخوف أن نتحول تدريجيًا إلى مجتمعات رأسمالية تُضعف الدور الاجتماعي والأسري، وهناك مؤشرات، رغم بطء التغيير، إلا أنها تمثل مرحلة خطيرة من مراحل التحول.
فالتغيير الذي حدث في أوروبا لم يأتِ خلال سنوات قليلة، وإنما بدأ منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، وازداد مع الحرب العالمية الثانية، حتى أسهمت التحولات الاقتصادية والاجتماعية في تغيير العديد من المفاهيم والأدوار؛ فتراجع الإنسان في بعض السياقات أمام متطلبات الإنتاج، وتغيرت أدوار المرأة داخل الأسرة والمجتمع.
فهل نفكر في المستقبل ونختار ما يتناسب مع مجتمعنا وقيمنا، أم ننجرف خلف الغرب دون أن نتوقف للتفكير في نتائج ما نأخذ به؟
غدًا، نستمر في تقديم رؤى فكرية حول التأثير الغربي في مجتمعاتنا المحافظة، وعلينا أن نحدد ما نريد، وأن نفكر بوعي قبل أن نتخذ قراراتنا؛ لأن التأثير القادم قد يكون أكبر مما نتصور، ما لم نمتلك القدرة على التمييز والاختيار الواعي لما يتناسب مع قيمنا وهويتنا ومجتمعنا.
- عنوان المقال مقتبس من مقال: الاختلاف الثقافي وثقافة الاختلاف للكاتب سعد البازعي




