الضحكة التي لا تحتاج إلى تصوير

كنت أتابع مشهدًا تمثيليًا يقارن بين حياة شخصين تفصل بينهما عقدان من الزمن، فإذا بعبارة يقولها أحدهما تستوقفني: “نحتاج إلى الضحكة التي لا تحتاج إلى تصوير” بدت لي هذه الكلمات أبعد من مجرد حوار عابر في مشهد تمثيلي؛ فقد اختزلت، ببساطتها وعمقها، شيئًا من التحولات التي شهدتها حياتنا الاجتماعية، وأعادت إلى ذهني أسئلة تتجاوز حدود المشهد، لتلامس واقع الأسرة العُمانية وما طرأ على تفاصيل حياتها وعلاقات أفرادها في ظل المتغيرات المتسارعة.
لقد أعادتني هذه العبارة إلى تجربة بحثية أعتز بها، حين كنت ضمن فريق بحثي مميز أسهم في إصدار علمي متخصص تناول التحولات التي شهدتها الأسرة العُمانية، لم يكن ذلك العمل مجرد قراءة انطباعية لما يجري حولنا، بل محاولة علمية لرصد هذه التحولات، وتحليل مظاهرها، والوصول إلى مؤشرات تساعد على فهم آثارها، واستشراف ما قد تتركه من انعكاسات على تماسك الأسرة وقدرتها على أداء أدوارها التربوية والاجتماعية، عندما تتغير أنماط الحياة، وتتبدل أولويات الأفراد، وتعيد التقنيات الحديثة تشكيل وسائل التواصل الاجتماعي، اصبح من الضروري أن نتوقف قليلًا لنحكم على الحاضر من منظور الماضي، لفهم حجم التحولات وتأثيراتها.
لقد تحولت الكاميرا الرقمية، التي أصبحت جزءًا من كل هاتف تقريبًا، من أداة نلتقط بها اللحظات ونحتفظ بالذكريات، إلى نافذة مفتوحة على حياة الآخرين، ولعلها تشبه تلك العدسة الصغيرة التي كانت تُثبَّت عند بوابة المنزل لنتعرف من خلالها على الطارق الذي يرن جرس الباب؛ غير أنها تجاوزت اليوم حدود الباب، وأصبحت نافذة نطل منها على البيوت من الداخل، ونتابع عبرها تفاصيل الحياة اليومية لأسر لا نعرفها، وربما لم نلتقِ أفرادها يومًا.
من خلال هذه العدسة الصغيرة أصبحنا نعرف متى تجتمع الأسرة حول مائدتها، وما الذي تأكله، وكيف تحتفل بأعيادها، وما الهدايا التي يتبادلها أفرادها، ومتى تسافر، وكيف تقضي أوقاتها، بل نتابع لحظات فرحها وحزنها، وخلافاتها ومشكلاتها، وما تكشفه تفاصيل حياتها عن أنماط تفكيرها ومستوى معيشتها. لقد أصبحت الكاميرا تنقل إلينا من التفاصيل ما لم يكن متاحًا لنا حتى في زياراتنا القريبة، حتى ليخيّل إلينا أننا أصبحنا أفرادًا في تلك الأسرة، نشاركها مناسباتها، ونترقب أخبارها، وننتظر جديدها بشغف يدفع بعضنا إلى الاستيقاظ مبكرًا ليتعرف على آخر ما نشره أفرادها عن حياتهم.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس ما الذي تستطيع هذه الكاميرا الصغيرة أن تنقله إلينا، بل: إلى أين نمضي ونحن نعيش تفاصيل حياة الآخرين بهذا القدر من الحضور، بينما قد تغيب عنا تفاصيل حياتنا نحن؟ وهل أصبحنا نكتفي بمشاهدة الحياة وهي تحدث أمامنا عبر الشاشات، أم أننا ما زلنا نمنح حياتنا الحقيقية الوقت الكافي لنعيشها، ونصنع ذكرياتها، ونستمتع بلحظاتها دون أن نشعر بالحاجة إلى توثيقها ومشاركتها مع الآخرين؟
إن ما يستوقفني في هذا المشهد ليس وجود الكاميرا في تفاصيل حياتنا فحسب، بل التحول الذي أحدثته في علاقتنا بالحياة ذاتها؛ فقد أصبحنا نوثق اللحظة قبل أن نعيشها، ونفكر في الصورة التي سنشاركها قبل أن نستمتع بالتجربة، ونقيس أحيانًا قيمة ما نعيشه بمقدار ما يحظى به من مشاهدة وتفاعل. ومع مرور الوقت لم تعد المسألة مرتبطة بالتصوير وحده، وإنما بما يعكسه من تحولات في أنماط التواصل، ومفهوم الخصوصية، وطبيعة العلاقات الإنسانية داخل الأسرة وخارجها.
فالأسرة التي كانت تجد في اجتماع أفرادها فرصة للحديث وتبادل المشاعر وصناعة الذكريات، باتت تواجه تحديًا جديدًا يتمثل في استعادة حضورها الحقيقي وسط عالم رقمي لا يتوقف عن جذب الانتباه، ولعل العبارة التي استوقفتني في ذلك المشهد، “نحتاج إلى الضحكة التي لا تحتاج إلى تصوير”، تختصر حنينًا إلى عفوية الحياة، وإلى لحظات نفرح فيها لأننا نعيشها، لا لأننا نعرضها على الآخرين، غير أن هذه الصورة، على الرغم من بساطتها، تفتح بابًا أوسع للتأمل في واقع الأسرة العُمانية؛ فالمسألة لا تقف عند حدود تأثير الهواتف ومنصات التواصل في تفاصيل الحياة اليومية، بل تمتد إلى جملة من التحولات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تستحق قراءة جادة، لما قد تتركه من آثار في استقرار الأسرة وتماسكها وقدرتها على مواصلة أدوارها في المجتمع.
وهذا ما يجعل المشهد، في دلالاته الأعمق، موضع اهتمام المختصين والخبراء في شؤون الأسرة؛ إذ إن التحولات التي شهدها المجتمع العُماني تطرح قضايا وتحديات متشابكة، من بينها ارتفاع معدلات الطلاق، والتحديات المرتبطة بالتفكك الأسري وتربية الأطفال، وتنامي مخاطر الاحتيال والابتزاز الرقمي، إلى جانب التحولات في معدلات الخصوبة وما يرتبط بها من عوامل اجتماعية واقتصادية، وما تثيره قضايا الجريمة من تساؤلات حول الأمن الاجتماعي.
ولا يمكن ردّ هذه القضايا جميعها إلى سبب واحد، أو اعتبارها نتيجة مباشرة للتحول الرقمي، لكنها مجتمعة تستدعي النظر في الظروف التي تعيشها الأسرة، وفي حجم الأعباء المادية والنفسية والاجتماعية التي تواجهها، فحين ينظر الشاب أو الفتاة إلى الزواج بوصفه مشروعًا مثقلًا بالتكاليف والالتزامات والمخاوف، بدلًا من أن يكون شراكة إنسانية تقوم على المودة والتعاون والمسؤولية، فقد تتراجع الرغبة في الإقدام عليه أو يتأخر اتخاذ قراره، وهنا تبرز ضرورة فهم هذه التحولات بعمق، لا لإثارة القلق بشأن مستقبل الأسرة، وإنما للبحث عن السبل التي تعزز استقرارها، وتخفف الأعباء التي تواجهها، وتعيد إلى الحياة الأسرية معناها الإنساني؛ حيث تكون السعادة في أن نعيش اللحظة مع من نحب، لا في أن نثبت للآخرين أننا سعداء.
إن معالجة هذه التحولات لا تتحقق بمجرد تسليط الضوء عليها إعلاميًا، ولا بالاكتفاء بوصف مظاهرها والتحذير من آثارها، وإنما تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تنطلق من فهم عميق لطبيعة المجتمع العُماني وخصوصيته الثقافية والاجتماعية، وتضع بناء الإنسان في مقدمة أولوياتها، استراتيجية تبدأ من تربية الناشئة على المسؤولية، وتعزيز قدرتهم على أن يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع، يدركون أن الحرية تقترن بالمسؤولية، وأن بناء الأسرة ليس شأنًا فرديًا معزولًا، بل ركيزة من ركائز استقرار المجتمع واستدامته، فنحن بحاجة إلى بناء الإنسان العُماني قبل التوسع في البناء العلمي والتطبيقي، وإلى تنمية وعيه بذاته وهويته وقيمه، حتى يكون قادرًا على التعامل مع المتغيرات دون أن يفقد بوصلته.
ونحن بحاجة أيضًا إلى ترسيخ مفهوم العدالة بين الرجل والمرأة، بعيدًا عن اختزال العلاقة بينهما في مساواة شكلية تتجاهل اختلاف الأدوار والخصوصيات، أو تجعل من العلاقة بينهما ساحة للصراع بدلًا من التكامل والتعاون، فالعدالة التي ننشدها هي التي تحفظ الحقوق والكرامة، وتصون مكانة الرجل والمرأة، وتوازن بين مسؤولياتهما، في إطار منظومة القيم العُمانية ومبادئنا الدينية، دون انتقاص من حقوق أي طرف أو إهدار لكرامته، كما أن الحفاظ على هويتنا لا يعني الانغلاق أمام العالم، ولا رفض الاستفادة من تجارب الآخرين، وإنما يعني امتلاك القدرة على التمييز والاختيار، وألا ننجرف وراء كل ما تطرحه التوجهات الغربية من مفاهيم حول الاستقلالية والحرية والفردية، دون أن نقرأ سياقاتها ونفحص نتائجها الاجتماعية. فإذا كنا ننظر إلى بعض التجارب الغربية بوصفها نماذج تستحق الاقتداء، فمن الإنصاف أن نقرأ واقعها الاجتماعي كاملًا، بما فيه من نجاحات وتحديات، وأن نتأمل ما أفرزته بعض التحولات من أزمات في العلاقات الأسرية وأنماط الحياة، بدلًا من الاكتفاء بالصورة التي تقدمها وسائل الإعلام ومنصات التواصل.
فليس كل ما يأتي من الغرب إيجابيًا، كما أن ليس كل ما ورثناه عن الماضي صالحًا لكل زمان؛ وإنما تكمن الحكمة في أن نأخذ من العالم ما ينفعنا، ونتمسك من هويتنا بما يصون إنسانيتنا وتماسك مجتمعنا. ولعلنا، في خضم هذا كله، نحتاج إلى أن نستعيد معنى تلك العبارة البسيطة: «الضحكة التي لا تحتاج إلى تصوير». نحتاج إلى أسرة تجد سعادتها في اجتماع أفرادها، لا في عدد المشاهدات التي تحصدها صورهم؛ وإلى بيوت تُبنى فيها المودة قبل أن تُعرض تفاصيلها، وتُصان فيها الخصوصية قبل أن تتحول إلى محتوى، ويشعر فيها الأبناء بأنهم يعيشون حياة حقيقية، لا مشاهد متتابعة أمام كاميرا لا تنطفئ. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس كيف نجعل حياتنا أكثر ظهورًا للآخرين، بل كيف نجعلها أكثر عمقًا وطمأنينة لمن يعيشونها. عندها فقط، قد نستعيد تلك الضحكة العفوية التي لا تنتظر عدسة، ولا تحتاج إلى جمهور، لأنها ببساطة ضحكة نابعة من حياة تستحق أن تُعاش.




