الوعي دودة تنخر الدماغ

صحيح أنني لم أتعلم على يد جوزيف في كندا، لكنني حظيت بالفرصة أن أتعلم على يد أستاذ عظيم، عميق الفكر، رفيع القيم، وأصيل في أخلاقه، معه تعلمت أن تكون مفكراً متأملاً وفي الوقت ذاته إنساناً يلتزم بالقيم التي يؤمن بها، لم تكن مرحلة الدراسة مجرد وقت يمضي، بل كانت تجربة غيرت طريقة تفكيري وتحليلي، وجعلتني أتعلم التواضع العلمي أمام ما تشهده الإنسانية من تحولات في قيمها ومبادئها وأخلاقها وعلومها. لذا فإن كل هذا ينهار حين تصبح القيم أول محطات التغيير.

خمسة أعوام قضيتها بين البحث والتفكير والتحليل والتفسير، بدأت عندما وضع اول ملف سلمته له جانبا، وقال: “كل ما لم يُبْن على فهمك الخاص لا يجدي نفعًا، فالمعرفة المستمدة فقط من أفكار الآخرين لا تُنتج جديدًا.”أوضح لي أن بناء دراسة حقيقية تبدا حينما تفكر ثم تجمع المعرفة ثم تحللها للوصول إلى استنتاج يُمكّنك من رسم منهجك وفهم الواقع الذي تدرسه، حينها لم أستوعب مداخلاته بالكامل، إلا في الجلسة النهائية، عندما طُرحت الأسئلة لأجيب عليها انطلاقًا من تحليل واقعي قائم على التفكير الناقد، عندها فقط أدركت معنى أن تكون أمام قامة علمية عظيمة.

خلال تلك السنوات نشرتُ العديد من الدراسات وشاركتُ في مؤتمرات دولية، ومع ذلك، لم يطلب مني أن يُذكر اسمه في أي ورقة علمية أو دراسة. كان يكرر دائمًا ببساطة: “إذا لم أشارك في هذه الدراسة، فلماذا يكون اسمي حاضرًا فيها؟ هذه الكلمات لم تكن مجرد جملة، بل درس عميق عن النزاهة والصدق العلمي، وعن أن القيم الحقيقية للمعرفة لا تُقاس بالأسماء أو الشهرة، بل بالجهد الحقيقي والعمل الذي يُحدث فرقًا في فهم الواقع وبناء الفكر، في تلك اللحظة أدركتُ أن العظمة لا تأتي من التملّك، بل من العطاء الصادق والموقف النقي أمام الحقيقة.

خلال رئاستي لمجلة إشراق التربوية، اضطررت إلى رفض نشر عدد من مقالات الطلاب، لأنهم أصروا على إضافة أسماء مشرفيهم، رغم أنهم لم يقدموا لهم أي توجيه أو تغذية راجعة حقيقية. عند سؤالي لهم: هل ساهم المشرف فعلاً في تطوير المقال؟” كانت الإجابة صريحة: لا. رفضنا النشر لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان موقفًا واضحًا يؤكد درسًا عميقًا: القيم تبدأ بالسلوك قبل أن تُكتب أو تُعلَّم على طاولة الأستاذ. هذا المبدأ الصغير في الكلمات، عظيم في تأثيره، فهو يعكس صدق العمل واحترام المعرفة والجهد الحقيقي.

في إطار هذا الحديث، أود أن أنقل لكم موقفًا من واقع تجربتي، ففي عام 2017، تلقيت دعوة من أستاذة مرموقة في إحدى أعرق الجامعات العمانية للمشاركة في دراسة بحثية إلى جانب أستاذ آخر يحمل أعلى الألقاب العلمية، كانت الفكرة ممتازة، وتم الاتفاق على الدراسة التي اعتمدت على ثلاثة بحوث قائمة، وكنت مشاركًا فيها بنسبة كبيرة من حيث العمل والإنجاز، ومرّت الأيام، وأنا أتعلم وأشارك بكل شغف، مؤمنًا بأن العمل الجاد هو أساس المعرفة الحقيقية، وبعد فترة أثناء تصفحي على جوجل لأتأكد من نشر الدراسات، صدمت: تم نشر الدراسات دون أن يكون اسمي ضمن الفريق البحثي.

لم يكن ما شعرت به مجرد شعور بالظلم، بل صدمة أعمق: لقد انهارت أمامي حقيقة مؤلمة، وهي أن قيم-النزاهة، والصدق، والاعتراف بالجهد- هي ما يميز الأستاذ الحقيقي قبل أن يكون معلمًا للمعرفة. حينها أدركت أن تعليم القيم لا يقل أهمية عن تعليم المعرفة نفسها، وأن الكلمة التي لا تتبنى السلوك تبقى فارغة، مهما علت في المسميات والألقاب.

ما بين أروقة إحدى المؤسسات وأزقتها، وقفت أمام لوحة كتب عليها: “خدمة المجتمع ” توقعت أن أجد روح العطاء والريادة، لكن الصدمة كانت حين قرأت لائحة الخدمات، فوجدتها كلها مقابل رسوم مالية،
هنا توقفت وأعدت السؤال: أين هي خدمة المجتمع الحقيقية؟ أين روح العطاء والالتزام بالقيم؟ يبدو أن الاسم فقط ما بقي، أما المضمون فقد ضاع؛ أليس من المفترض أن تكون الخدمة للمجتمع بلا مقابل، وأن تكون ريادة حقيقية، لا مجرد عنوان جميل يزين اللوحات؟

هذا المشهد أعادني للتفكير في دور مؤسسة إشراق للصحافة والنشر، التي تعمل دون أي دعم حكومي أو مؤسسي، ففي فترة وجيزة تمكنّا من تدريب أكثر من ثلاثة آلاف ونصف معلم وطالب دراسات عليا، على يد نخبة من الأساتذة والمدربين من سلطنة عمان والوطن العربي، وحصل المشاركون على شهادات مشاركة دون أن يُدفع ريال واحد، مجسدين بذلك معنى خدمة المجتمع الحقيقية والعمل من أجل عمان التي نريد، فالعطاء بلا مقابل، والالتزام بالقيم قبل أي شعار، والسعي للتغيير الإيجابي في مجتمعنا.

وأفتخر أيضًا بفريق العمل في مؤسسة إشراق، الذين يعملون بإخلاص وولاء دون أي عائد مادي، مدفوعين فقط بحبهم لعمان ورغبتهم في خدمة وطنهم ومجتمعهم، هؤلاء هم المثال الحقيقي على أن الولاء والقيم يتجاوزان المال والشهرة، وأن العطاء الصادق هو ما يصنع الفارق.

وأنا اقلب ذكريات الزمن تذكرت هذا المثل القائل “العوانة تحّت بعيد” حين أرسلت قبل سنوات بريدًا إلكترونيًا إلى إحدى المؤسسات الأكاديمية للحصول على خدمة، فجاء الرد  شكراً استغربت من هذا الرد وحاولت فهمه: هل يعني القبول، أم الرفض، أم مجرد لفت انتباه؟ وبعد فترة سألت زملائي، فوجدتهم قد تلقوا الرد ذاته، وهنا أدركت المعنى الحقيقي للمقولة: أحيانًا، الخير والجهد ينصرف بعيدًا عمن يستحقه فعلاً، كما يسقط ثمر العوانة بعيدًا عن جذعها.

ربما ما أدركته لم يكن صدفة، بل نتيجة سنوات من التحليل والتفكير في مشاهد وصور ومواقف ومقالات ورسائل ونصوص وكتب، ثم تفسيرها للوصول إلى مجموعة من الحقائق، تعلمت أن أقف أمام الكذب والنفاق والهوس بالصعود، وأن أميز من يحاول تغيير المؤشرات وتحريف الحقائق، فمن يتعلم التفكير قد يجد نفسه أمام قرار أما أن يستمر أو يتوقف ويصمت.. هنا تدرك الجوهرة الحقيقية لما قاله الشاعر محمود درويش عن الوعي، فهو ليس مجرد معرفة، بل نقطة تحول جذري في حياة الإنسان، “حينما يكتمل وعي الإنسان وإدراكه للحياة، إما أن يعيش في الصمت إلى الأبد، أو أن يصبح ثائرًا في وجه كل شيء.” ولفهم معنى عنوان المقال للحديث تكملة في قادم الأيام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *