ترامب يهدد عُمان.. سقوط الخطاب الأمريكي في مستنقع البلطجة السياسية

يرتبط المشروع السياسي الأمريكي تاريخيا بعقلية القوة والهيمنة في نموذج يشبه إلى حد بعيد فكر “راعي البقر الأمريكي” ذلك الإنسان المتوحش للدماء، والقائم على فرض الإرادة بالقوة والتعامل مع العالم بمنطق البلطجة لا بمنطق العدالة والقانون، فالدولة التي قامت إلى أنقاض إبادة السكان الأصليين لأمريكا، وما تعرضوا له من قتل وتهجير وإبادة كاملة لهم، مستمرة عبر تاريخها في توظيف القوة العسكرية بوصفها الأداة السياسية لإخضاع الدول وحماية المصالح الصهيونية.
وفي ظل حالة الارتباك والفوضى السياسية التي تعيشها الإدارة الأمريكية، بعد إخفاقها في فرض شروطها على إيران وعجزها عن تحقيق انتصار سياسي أو استراتيجي يعيد لها هيبتها في المنطقة، تبدو واشنطن اليوم عالقة في مأزق سياسي متفاقم تحاول الهروب منه عبر تصدير الأزمات وتصعيد الخطاب العدائي. وفي ظل هذه الفوضى خرج دونالد ترامب بلغة غير مسبوقة في حدتها وانفلاتها السياسي، مطلقًا تهديدات خطيرة تجاه سلطنة عُمان وصلت إلى حد التهديد بـ”تفجيرها”، في سابقة خطيرة وغير معهودة في تاريخ العلاقات العُمانية الأمريكية.
إن التلويح باستهداف دولة خليجية عُرفت تاريخيًا بسياساتها المتوازنة ونهجها السلمي والدبلوماسي، يكشف حجم الانحدار الذي وصل إليه الخطاب السياسي الأمريكي، وتحوله من لغة الدبلوماسية والحوار إلى منطق التهديد والابتزاز واستعراض القوة، في محاولة يائسة للتغطية على الفشل الأمريكي المتكرر في إدارة الأزمة في المنطقة.
أن هذا الخطاب العدائي لا يمكن اعتباره مجرد تصريح عابر أو زلة لسان، بل يمثل حادثة خطيرة تتجاوز فيها المواثيق الدولية والأعراف السياسية التي تحدد العلاقات بين الدول، كما تعكس العقلية القائمة على استعرض القوة بدل الاحتكام على الحوار والاحترام المتبادل، والأخطر في ذلك أن استخدام هذه اللغة العدائية الهمجية تجاه دولة ذات نهج سياسي معتدل قائم على الحوار السلمي والعمل على تحقيق السلام في المنطقة.
وما يعزز أن هذه التصريحات أنها ليست مجرد موقف فردي أو انفعال سياسي مؤقت، بل تعبيرًا عن توجه داخل دوائر القرار الأمريكي، هو ما صدر عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي تبنى خطابًا مشابهًا قائمًا على التهديد والوعيد، حين أكد أن واشنطن “لن تتسامح” مع أي محاولة لفرض رسوم عبور في مضيق هرمز، في لغة تعكس استمرار النهج الأمريكي القائم على فرض الإرادة السياسية بالقوة والضغوط الاقتصادية، بعيدًا عن منطق الحوار واحترام سيادة الدول.
ويأتي استهداف سلطنة عُمان ليس بسبب أي موقف عدائي أو سياسة تصعيدية تتبناها، وإنما نتيجة تمسكها بسيادتها وقرارها الوطني المستقل، وحرصها الدائم على انتهاج السياسة المتوازنة التي تقوم على الحوار وفتح قنوات التفاهم بين الأطراف المتصارعة. وقد جعل هذا النهج الحكيم من عُمان دولة تحظى باحترام واسع على المستويين الإقليمي والدولي، لما تمثله من نموذج سياسي قائم على الاعتدال والدبلوماسية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
فهذه اللغة المتطرفة لا تنسجم مع أبسط قواعد المنطق السياسي، ولا مع طبيعة العلاقات التي تربط سلطنة عُمان بالولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها تمثل انتهاكًا صارخًا للأعراف الدبلوماسية والمواثيق الدولية التي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التهديد باستخدام القوة ضدها.
إن الحديث عن “تفجير” دولة مستقلة ذات سيادة، عُرفت تاريخيًا بسياساتها السلمية ودورها في تعزيز الاستقرار والحوار في المنطقة، يكشف مستوى غير مسبوق من التهور السياسي والانحدار الأخلاقي في الخطاب الأمريكي، ويعكس عقلية الهيمنة والاستعلاء التي تتعامل مع الشعوب والدول بمنطق القوة والابتزاز لا بمنطق الاحترام والشراكة. كما أن هذه التصريحات لا تستهدف عُمان وحدها، بل تمثل إساءة لكل القيم التي يفترض أن تحكم العلاقات الدولية، ورسالة خطيرة تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي في المنطقة التي تعاني أصلًا من أزمات وتوترات متصاعدة.
وفي ظل هذه اللغة العدائية التي وُجِّهت إلى سلطنة عُمان، يبقى الموقف العُماني، رسميًا وشعبيًا، رافضًا لهذا النهج الغوغائي في التعامل مع الدول ذات السيادة، وكأن دونالد ترامب يتوهم أن عُمان ولاية أمريكية يمكن فرض الإملاءات السياسية أو العسكرية عليها بالقوة والتهديد. لذا فإن الشعب العُماني يقف اليوم في وحدة وطنية راسخة ومتلاحمة خلف قيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه-، متمسكًا بكل شبر من أرضه، ومؤمنًا بأن أمن عُمان واستقرارها وسيادتها ووحدتها الجغرافية والإقليمية تمثل خطًا أحمر لا يمكن المساس به أو التهاون تجاه أي تهديد يستهدفه.
كما يؤكد العُمانيون تمسكهم الكامل بحقوقهم السياسية والجغرافية والقانونية، بما في ذلك حق سلطنة عُمان السيادي والإقليمي في الإشراف على مضيق هرمز ومياهها الإقليمية، وفقًا لما تكفله القوانين والمواثيق الدولية، بعيدًا عن لغة التهديد والاستقواء التي لا تنسجم مع منطق الدولة الحديثة ولا مع قواعد العلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية.
واليوم يقف الشعب العُماني في دعم موقف حكومته وقيادته السياسية، إدراكًا منه لحقيقة النهج العُماني القائم على حماية المصالح الاستراتيجية للدولة، والتمسك بالمبادئ الوطنية التي أرست وحدة عُمان واستقرارها ومكانتها الإقليمية، فالمواطن العُماني يدرك أن القرار السياسي العُماني لا يصنع تحت الضغوط أو التهديدات، بل ينبع من رؤية وطنية مستقلة تراعي مصالح الوطن وسيادته وأمنه القومي. لذا فإن التهديد بتفجير عُمان أو المساس بأمنها يمثل خطابًا مرفوضًا سياسيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا، ولا يمكن أن يقبله منطق أو عقل سياسي متزن، بل يعكس حالة من التخبط والاندفاع في الخطاب الأمريكي، وعجزًا عن إدارة أزمات المنطقة بحكمة سياسية قائمة على الحوار والتفاهم واحترام سيادة الدول.




