عُمان…. صوت الحكمة في زمن الصراعات

ليست الدول العظيمة وليدة اللحظة، ولا تُصنع مكانتها بالقرارات العابرة أو المواقف المؤقتة، وإنما تتشكل عبر قرون من التاريخ، وتتجذر في الجغرافيا، وتترسخ بالهوية الوطنية القادرة على استيعاب المتغيرات والتعامل معها بحكمة، وعندما تتكامل الأبعاد التاريخية والجغرافية والزمنية والوطنية في بناء الدولة، فإنها تكتسب الشخصية السياسية المتفردة ذات الرؤية الاستراتيجية التي تتجاوز الأحداث القصيرة إلى الأبعاد المستقبلية.

وعُمان تمثل نموذجًا فريدًا لهذه المعادلة؛ فدولةٌ صاغ التاريخ ملامح شخصيتها الحضارية، ومنحها موقعها الجغرافي الدور الااستراتيجيًا الاستثنائي على امتداد طرق التجارة والتواصل بين الحضارات، بينما أكسبتها التجارب المتراكمة عبر الزمن الخبرة السياسية العميقة في قراءة الأحداث واستشراف المستقبل، ومن تفاعل هذه الأبعاد مجتمعة تشكلت الدولة العُمانية الحديثة برؤية متزنة ونهج ثابت، استطاعت من خلاله أن تحافظ على استقلال قرارها الوطني.

في إقليم يشهد العديد من الصراعات وتتصاعد فيه حدة الاستقطابات السياسية، وتتنافس فيه القوى المختلفة على النفوذ والمصالح، حافظت عُمان على نهجها الثابت القائم على حسن الحوار والتفاهم واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، انطلاقًا من التزامها بمبادئ القانون الدولي التي تنظم العلاقات بين الدول وتؤسس للتعايش والاستقرار.

وترى السياسة الخارجية العُمانية أن العلاقات الدولية المستقرة لا تُبنى على التهديد أو الإملاءات أو صناعة الأزمات، ولا على فرض الإرادات الخارجية على القرارات السيادية للدول، أو استغلال أراضيها ومياهها الإقليمية في الاعتداء على الآخرين؛ وإنما تقوم على أسس راسخة من المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لذا واصلت عُمان تمسكها بنهجها القائم على الحوار والتفاهم وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية، لتظل صوتًا للحكمة والعقلانية في زمن تتصاعد فيه النزاعات وتتزايد فيه الاعتداءات والانتهاكات التي تهدد أمن الدول واستقرارها.

في بُعدها الإقليمي سواء في علاقاتها مع محيطها الخليجي أو مع جيرانها الإقليميين، وفي مقدمتهم إيران، تنطلق عُمان من رؤية استراتيجية ترتكز على تعزيز الأمن والاستقرار، وحماية المصالح المشتركة، إذ تنظر عُمان إلى دول الخليج العربي بوصفها امتداد لتاريخ هويتها ومصيرها المشترك؛ حيث تجمع بين دول الخليج الروابط التاريخية والاجتماعية والدينية واللغوية والحضارية العميقة التي نسجتها قرون طويلة من التفاعل والتعايش، وجعلت من شعوب الخليج أسرة واحدة تتشارك الأرض والمصير، لذا تؤمن بأن أمن الخليج واستقراره مسؤولية جماعية، وأن قوة دوله تكمن في وحدتها وقدرتها على تجاوز الخلافات والتحديات.

ولذلك ظلت عُمان حتى في أصعب الأزمات التي مرت بها المنطقة الخليجية، حريصة على الحفاظ على جسور التواصل وتعزيز أواصر الأخوة والتعاون بين الأشقاء، متحملةً في سبيل ذلك الكثير من الضغوط والتعقيدات، إيمانًا منها بأن المستقبل لا يُبنى بالخلافات ولا بالقطيعة، وإنما بالحكمة والحوار والتفاهم، فقد كانت نظرتها دائمًا تتجاوز الحسابات الآنية إلى الرؤية المستقبلية، إذ ترى في الخليج بيتًا واحدًا يجمع أبناءه مصير واحد.

إن عُمان تقف إلى جانب أشقائها في دول الخليج العربي في كل ما يمس أمنهم واستقرارهم وسيادتهم، وتؤكد رفضها وإدانتها لأي اعتداء أو تهديد يستهدف دول المجلس أو يزعزع أمن المنطقة واستقرارها، انطلاقًا من قناعتها الراسخة بأن أمن الخليج كلٌ لا يتجزأ، وأن استقرار أي دولة فيه هو استقرار للجميع، كما أن أي تهديد يتعرض له أحد أطرافه يستوجب موقفًا موحدًا يحفظ أمن المنطقة ويصون مصالح شعوبها.

وفي ذات الوقت إدراكها العميق للحقائق الجيوسياسية التي تحكم المنطقة، تنظر عُمان إلى إيران بوصفها دولةً ذات مكانة استراتيجية وامتداد جغرافي مؤثر في أمن واستقرار الإقليم. فالجوار الجغرافي ليس خيارًا يمكن تجاوزه، بل حقيقة دائمة تفرض على الدول بناء علاقاتها وفق أسس من الحكمة والواقعية السياسية، بما يخدم المصالح المشتركة ويحفظ أمن المنطقة واستقرارها.

لذا قامت العلاقة العُمانية الإيرانية على مبادئ الاحترام المتبادل وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع الحرص على بناء قنوات تواصل مستمرة تسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتخفيف حدة التوترات، ولم تنظر إلى هذه العلاقة باعتبارها انحيازًا لطرف على حساب آخر، وإنما باعتبارها جزءًا من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية في دعم الأمن الإقليمي وترسيخ فرص السلام.

ولذلك عملت مسقط على مدى عقود على إبقاء أبواب الحوار مفتوحة بين مختلف الأطراف المتنازعة، مستفيدةً من رصيدها الكبير من الثقة والمصداقية والحياد الإيجابي، فكانت مسقط بوابةً للسلام ومنصةً للتقارب السياسي، تسعى من خلالها إلى تهيئة البيئة المناسبة للتفاهم وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية، انطلاقًا من الإيمان الراسخ بأن الحوار هو السبيل الأكثر استدامة لمعالجة الأزمات.

وفي ظل الأزمة الحالية التي تعصف بالمنطقة ترى عمان أن هذه ليست حربها، وأنها ليست طرفًا الصراع القائم، ولن تكون أداة لخوضه نيابة عن أي جهة كانت، فالثوابت العمانية واضحة في رفض الانخراط في الحروب والصراعات والتي تهدف إلى إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط من أجل خدمة الغاية الصهيونية التوسعية في المنطقة، كما ترفض أن تُستخدم أراضيها أو إمكاناتها في الاعتداء على أي دولة، سواء كانت إيران أو غيرها.

لذا عبّر وزير الخارجية معالي بدر البوسعيدي، عن رؤية عُمان الرافضة لاتساع دائرة الحرب وما يمكن أن تجرّه من تداعيات على المنطقة، مؤكدًا أهمية الحلول السياسية والدبلوماسية في معالجة الأزمات بدلًا من اللجوء إلى القوة العسكرية، وأكد أن هدف هذه الحرب إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط والتطبيع مع إسرائيل وهو ما ترفضه سلطنة عمان بشكل قطعي.

فالدول ذات السيادة هي صاحبة الحق الأصيل في تحديد خياراتها السياسية وتحالفاتها وعلاقاتها الدولية وفق ما تراه محققًا لمصالحها الوطنية، بعيدًا عن أي محاولات لفرض رؤى أو ترتيبات لا تنسجم مع أولوياتها أو قناعاتها الاستراتيجية؛ لذا تواصل السلطنة تمسكها بنهجها المعروف القائم على استقلال القرار الوطني، واحترام سيادة الدول، ورفض سياسة الإملاءات، والدعوة إلى الحوار الإقليمي والدولي الذي يضع الأمن والاستقرار أهم أولوياته بعيدا عن لغة التهديد أو فرض القرارات الخارجية على القرار السيادي، وهنا تمكن القوة والمكانة والبعد الاستراتيجي للدولة.

وفي خضم هذه المشهد….. تبقى عُمان ثابتةً على مبادئها الراسخةً في مواقفها، والواثقةً من مسارها الوطني الذي كتبته عبر تاريخها الطويل. ويمضي الشعب العُماني خلف القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – في مختلف الظروف والتحديات، مؤمنًا برؤيته في قيادة عُمان نحو مستقبل أكثر قوةً واستقرارًا.

فهذا الوطن لم يكن يومًا محل مساومة، ولن يخضع للتهديدات أو الضغوط التي تمس سيادته أو استقلال قراره الوطني، وقد تربى أبناء عُمان جيلاً بعد جيل على حب هذه الأرض والولاء لها والدفاع عن منجزاتها وصون مكتسباتها، حتى أصبح الانتماء إليها عقيدةً راسخةً تسري في النفوس كما تسري الدماء في العروق. فهم الحراس الأمناء على ترابها، والمؤمنون بأن رفعة الراية العُمانية والحفاظ على مكانة الوطن وكرامته مسؤولية وطنية وشرف لا يعلوه شرف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *