النشر غير المسؤول في منصات التواصل الاجتماعي خطرٌ يقوّض الاستقرار المجتمعي

مسقط في 18 مارس 2026 /العُمانية/إشراق/ يمثّل النشر غير المسؤول للصور والمقاطع من مواقع الأحداث في منصات التواصل الاجتماعي خطرًا يقوّض الاستقرار المجتمعي، ويشكّل الوعي بخطورة هذا السلوك واجبًا وطنيًّا تقتضيه المرحلة الحساسة، وتفرضه المسؤولية المشتركة في حفظ مقدّرات الوطن وصون أمنه واستقراره.

وأكّد المحامي الدكتور أحمد بن عبدالله الشنفري لوكالة الأنباء العُمانية أنّ سلطنة عُمان أرست إطارًا قانونيًّا متوازنًا يجمع بين صون حرية الرأي والتعبير من جهة، وحماية الأمن الوطني والمصلحة العامة من جهة أخرى، مشيرًا إلى أنّ النظام الأساسي للدولة يكفل حرية التعبير بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير في حدود القانون، مع الالتزام بالحفاظ على القيم الوطنية والنظام العام.

وقال إنّ قانون الإعلام الصادر بالمرسوم السُّلطاني رقم (58/ 2024) عزّز هذا التوازن من خلال منع الرقابة المسبقة على المحتوى الملتزم بالمعايير القانونية، وفي الوقت ذاته حظر نشر أو بث أي محتوى يتعارض مع الآداب العامة أو يهدف إلى تضليل الجمهور أو يكشف معلومات تتعلق بالأمن الوطني، مثل الصور أو الفيديوهات المرتبطة بالمنشآت العسكرية أو الأمنية أو نشر أحداث أمنية جارية مهما كانت طبيعتها.

وأشار إلى أنّ تداول الصور والمقاطع من مواقع الأحداث يستوجب قدرًا عاليًا من المسؤولية والوعي، مؤكدًا أهمية الاعتماد على المصادر الرسمية في نقل المعلومات، وفي مقدمتها وكالة الأنباء العُمانية والجهات الحكومية المختصّة.

وبيّن أنّ قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (12/ 2011) يدعم هذا التوجّه، إذ يجرّم انتهاك الخصوصية عبر نشر أو مشاركة صور ومقاطع مرئية دون موافقة أصحابها، إضافة إلى تجريم استخدام الشبكة المعلوماتية في نشر الأخبار الكاذبة أو الشائعات التي قد تثير الرأي العام أو تمسّ الاستقرار الاجتماعي.

ولفت إلى أنّ التشريعات العُمانية تفرض عقوبات رادعة بحق من ينشر محتوى مضللًا أو يهدّد الأمن والاستقرار العام، موضحًا أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يعاقب على نشر الأخبار الكاذبة أو الشائعات التي تهدف إلى إثارة الرأي العام أو الإضرار بالمصلحة العامة بالسجن لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات وغرامة تصل إلى ثلاثة آلاف ريال عُماني أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وذكر أنّ قانون الإعلام ينص على عقوبات تتراوح بين السجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامات مالية تتراوح بين خمسة آلاف ومئتي ألف ريال عُماني على نشر محتوى يهدد الأمن الوطني أو يثير الكراهية أو الفتنة، مع إمكانية تعليق النشاط الإعلامي في بعض الحالات.

ولفت إلى أنّ المادة (115) من قانون الجزاء تدعم هذا الإطار القانوني من خلال تجريم نشر الأخبار الكاذبة أو الشائعات التي من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة أو إثارة القلق بين أفراد المجتمع.

وأشار إلى أنّ النشر غير المسؤول عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل تداول معلومات مضللة أو نشر صور ومقاطع تنتهك خصوصية الأفراد، قد يُعد انتهاكًا مباشرًا لأحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، كما قد يتقاطع مع أحكام قانون حماية البيانات الشخصية الذي يفرض معالجة مسؤولة للبيانات والمعلومات، بما في ذلك ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأوضح أنّ مثل هذه الممارسات قد تُصنَّف كجرائم إلكترونية إذا أدت إلى تضليل الجمهور أو إثارة الفتنة أو الإضرار بالأمن المجتمعي، ويظل تقدير ذلك خاضعًا للسلطة القضائية وفقًا لظروف كل واقعة وحجم الضرر الناتج عنها.

ودعا المواطنين والمقيمين إلى الالتزام بالمبادئ التي تعزز المسؤولية الرقمية، من بينها التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها والاعتماد على المصادر الرسمية لتجنب تداول الشائعات، وعدم مشاركة الصور أو الفيديوهات الخاصة بالأفراد دون الحصول على موافقتهم احترامًا لخصوصيتهم.

وشدّد على أهمية تجنّب نشر أي محتوى قد يُثير الكراهية أو يهدد السلم المجتمعي أو يتعارض مع القيم العُمانية، إضافة إلى الإسهام في نشر ثقافة التحقق من المعلومات وتعزيز الوعي الإعلامي في المجتمع، وكذلك الإبلاغ عن المحتوى المضلل أو الضار للجهات المختصّة بدلاً من إعادة تداوله.

وأكّد المحامي الدكتور أحمد بن عبدالله الشنفري أنّ الالتزام بهذه المبادئ يُسهم في بناء بيئة رقمية واعية ومسؤولة تدعم جهود التنمية المستدامة في سلطنة عُمان، وتُعزّز الثقة المجتمعية، وتحافظ على الأمن والاستقرار والسكينة للمواطنين والمقيمين.

وبيّن هشام بن فائل السعدي، مقدم محتوى تقني لوكالة الأنباء العُمانية أنّ التطوّر التقني أسهم في تسهيل التلاعب بالمحتوى الرقمي أو إخراجه من سياقه الحقيقي، سواء من خلال تعديل الصور أو إعادة نشر مقاطع قديمة على أنها مرتبطة بأحداث جديدة. وأكد على ضرورة التواصل مع مصادر موثوقة قبل نشر أي مادة مرتبطة بالأحداث الجارية؛ تفاديًا لنشر معلومات غير دقيقة.

وأوضح أنّ منصات التواصل الاجتماعي أصبحت المصدر الأسرع لوصول الأخبار إلى الجمهور، إلا أنها قد تتحول في الوقت ذاته إلى بيئة خصبة لانتشار الشائعات، خصوصًا في أوقات الأزمات أو خلال الأحداث المتسارعة. فعندما يتم تداول صورة أو مقطع فيديو دون التحقق من مصدره الحقيقي، قد يعمد بعض المستخدمين إلى تفسيره أو إعادة نشره، ما يؤدي إلى انتشاره بسرعة كبيرة، حتى وإن كان خارج سياقه أو يفتقر إلى الدقة.

وأشار إلى أنّ هذا النوع من التداول قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك بين أفراد المجتمع، لا سيما عندما يتعلق الأمر بأحداث حساسة مثل الحروب أو تأثر وإصابة مواقع مهمة تمس أمن الوطن والمواطن، لافتًا إلى أهمية الإسراع في نشر المعلومات الموثوقة، إلى جانب تعزيز الوعي بعدم تداول الصور أو المقاطع المرتبطة بالأحداث إلا إذا صدرت عن الجهات الرسمية والجهات المختصّة.

وأضاف أنه يمكن الاستفادة من الفاعلين في منصات التواصل الاجتماعي لنشر الرسائل التوعوية، لما يمتلكونه من قدرة كبيرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير في سلوك المتابعين.

وأفاد بأنّ تعمّد نشر معلومات مضللة أو محتوى يثير القلق بين الناس يستدعي اللجوء إلى الجهات المختصة وتطبيق الإجراءات القانونية، باعتبارها رادعًا مهمًّا للحد من هذه الممارسات.

وأشار إلى أنّ دور الأفراد يعد بالغ الأهمية في هذا الجانب، إذ أصبح بإمكان أي شخص اليوم أن يكون ناشرًا للمعلومة بمجرد ضغطة زر. ولذلك من الضروري أن يتحلّى المستخدم بالمسؤولية قبل تصوير أو نشر أي محتوى مرتبط بالأحداث المتداولة.

وأكّد أنّ الخيار الأفضل يتمثل في تجنب نشر الصور أو مقاطع الفيديو المتعلقة بهذه الأحداث، والاكتفاء بالمعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية والجهات المختصّة، مضيفًا أنّ بعض المقاطع قد تُنشر بحسن نية، إلا أنها قد تتسبب في إثارة القلق والهلع داخل المجتمع أو فتح المجال أمام انتشار الشائعات، خصوصًا إذا كانت مجهولة المصدر أو جرى تداولها دون معرفة خلفيتها الحقيقية.

وبيّن أنّ تعزيز الوعي في هذا المجال يتطلب جهودًا مشتركة من المؤسسات الإعلامية والتعليمية، إضافة إلى الجهات المعنيّة مثل وزارة الإعلام والجهات المعنيّة الأخرى.

وبيّن أنّ للفاعلين في هذه المنصات دورًا مهمًّا في نشر ثقافة المسؤولية الرقمية، من خلال تشجيع المتابعين على الاعتماد على المصادر الرسمية وتجنب إعادة نشر المحتوى غير الموثوق.

وأشار إلى أنه عندما يدرك الأفراد أن كل مشاركة قد يكون لها أثر مباشر في وعي المجتمع واستقراره، فإنّ التعامل مع المعلومات سيصبح أكثر حذرًا ومسؤولية، وهو ما يسهم في بناء مجتمع أكثر إدراكًا ووعيًا بأهمية التحقق قبل النشر.

واختتم هشام بن فائل السعدي حديثه بالإشارة إلى أنّ نشر بعض الصور أو مقاطع الفيديو قد يؤدي إلى كشف معلومات أو تفاصيل حساسة قد تؤثر في جهود الجهات المختصّة في إدارة الموقف، مؤكدًا أهمية التعامل مع هذا النوع من المحتوى بحذر، والاعتماد على المعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية.

وفي السياق ذاته يوضّح راشد بن عبدالله الشيذاني، باحث في الرأي العام لوكالة الأنباء العُمانية، أنّ تداول الصور والمقاطع المتداولة من مواقع الأحداث يمكن أن يستغل في التحليل الاستخباراتي الرقمي من قبل الجهات المعادية، خاصة إذا كشفت هذه المواد المرئية عن مواقع البنى الأساسية الاستراتيجية، وتوقيت الأحداث، أو طبيعة الاستجابة الأمنية، بما يمثل بعدًا استراتيجيًّا للأمن الوطني.

وأضاف أنّ استمرار التوترات الإقليمية يجعل هذه البيانات المفتوحة مصدرًا مجانيًّا للمعلومات التي ترصدها الجهات المعادية، ما قد يضر بمنظومة أمن المعلومات ويؤثر على الاستقرار.

وأشار إلى أنّ نشر صور أو مقاطع تكشف مواقع حساسة ينطوي على عدة مخاطر، من بينها تحديد مواقع المنشآت الحيوية والأمنية، وجمع بيانات حول مدى تماسك البنية الأساسية ونقاط ضعفها، ما يسهل استهداف المنظومة الإلكترونية والوطنية، وتعطيل القطاعات الاقتصادية، وإرباك السياسات العامة.

ولفت إلى أنه يمكن استغلال هذه المواد المرئية في تضليل الرأي العام وإساءة النشر عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام، بما في ذلك نشر معلومات تُستخدم في حملات تضليل أو ابتزاز.

وحول المخاطر المباشرة على الأمن الوطني، أفاد بأنّ نشر الصور والفيديوهات دون تدقيق قد يؤدي إلى بث الخوف والهلع والذعر في المجتمع، وإرباك عمل الجهات المختصة أثناء إدارة الأزمات، وحشد الرأي العام بأساليب التحريض والتضليل، إضافة إلى الإضرار بسمعة الدولة اقتصاديًّا وسياسيًّا عبر تضخيم الأحداث وتهويل تطوّراتها.

وأكّد على الدور الحيوي للمواطن والمقيم في تعزيز الأمن الوطني من خلال نشر محتوى مسؤول، مشددًا على ضرورة التأكد من صحة المعلومات قبل نشرها، وتجنب تصوير أو تداول مواقع حساسة أو عمليات أمنية أو جهود استجابة وطنية.

ودعا راشد بن عبدالله الشيذاني إلى الالتزام بالتعليمات الرسمية في النشر الإعلامي والخطاب الرقمي المتزن، والإبلاغ عن المحتوى المضلل وعدم إعادة تداوله، وتعزيز ثقافة الوعي الرقمي باعتبار الأمن مسؤولية مشتركة وترسيخ مبادئ المواطن الصالح والمقيم المسؤول.

من جانبه يؤكّد المهند بن خليفة الجهوري اختصاصي علم النفس لوكالة الأنباء العُمانية أنّ نشر المقاطع والصور غير الدقيقة يمكن أن يسهم بشكل كبير في رفع مستويات التوتر والقلق والهلع بين أفراد المجتمع، وأنّ هذا النوع من المحتوى يثير عواطف ومشاعر المتلقين بصورة مباشرة، الأمر الذي ينعكس سلبًا على حالتهم المزاجية ويؤثر في مستوى الطمأنينة والسلام الداخلي لديهم.

وقال إنّ التأثير لا يقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى الجوانب الفسيولوجية، ما قد يؤدي إلى زيادة مستمرة في حالات القلق والتوتر، وسيادة حالة نفسية سلبية لدى المتلقين.

وبيّن أنّ الدراسات العلمية تشير إلى أن الصور والمقاطع المرئية تُعد من أقوى المثيرات الانفعالية للدماغ، إذ يتعامل الدماغ مع الصورة بسرعة تفوق تعامله مع النصوص أو الكلام.

وفيما يتعلق بإمكانية انتقال مشاعر الخوف بين الأفراد، أشار إلى أنّ تداول هذه المقاطع بشكل غير مسؤول قد يؤدي إلى ما يُعرف بظاهرة العدوى العاطفية، وهي ظاهرة نفسية تنتقل فيها المشاعر بين الأفراد دون وعي مباشر، كما يحدث مع مشاعر الفرح والسعادة.

وأضاف أنّ الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يتأثر بما يحيط به، فعندما يتعرض الناس لمحتوى مليء بالخوف أو القلق، ويرون ردود فعل الآخرين المليئة بالتوتر، فإن الدماغ يميل إلى محاكاة المشاعر السائدة في البيئة الاجتماعية.

وأفاد بأنّ هذه العملية تلقائيًّا عبر آليات التعاطف والإدراك الاجتماعي، ما يؤدي إلى انتقال مشاعر الخوف بسرعة بين الأفراد، خصوصًا في البيئات الرقمية التي تتسارع فيها المشاركة والتفاعل.

وتطرّق إلى تأثير الشائعات المصحوبة بالصور أو الفيديوهات، موضحًا أنها تُعد من أبرز أدوات العمليات النفسية التقليدية والمعاصرة، لافتًا إلى أن خطورتها تضاعفت في الوقت الراهن مع تحولها إلى شائعات إلكترونية تتجاوز حدود الواقع.

وأشار إلى أن هذه الشائعات تستثير مشاعر وعواطف وعقول المتلقين في الوقت نفسه، وقد تتحول إلى ما يشبه الحقائق، لا سيما عندما تتقاطع مع اهتمامات واحتياجات الجمهور، الأمر الذي يجعل تأثيرها أكبر من خلال تضخيمها للأحداث والظواهر.

وفيما يخصُّ كيفية تعامل المجتمع نفسيًّا مع سيل المعلومات والصور المتداولة خلال الأزمات أو الأحداث الطارئة، أكّد أنّ المجتمع الواعي هو القادر على إحداث فرق في طريقة تعامله مع المعلومات في مثل هذه الظروف، وأنّ الشواهد والحقائق، إضافة إلى التجارب السابقة، تؤكد أنّ المجتمع العُماني يتمتع بدرجة عالية من الوعي وروح المسؤولية والحس الوطني الرفيع.

وأشار المهند بن خليفة الجهوري في ختام حديثه إلى أنه كمتخصص يراهن دائمًا على مستوى الحصانة النفسية التي يتمتع بها العُمانيون في مواجهة أي معلومات مضللة، مؤكدًا أنّ هذه الحصانة تمثل خط الدفاع الأول أمام الشائعات والمحتوى غير الموثوق، مهما كان حجمه أو هدفه أو مصدره.

ويبرز الوعي المجتمعي والمسؤولية في النشر خطَّ الدفاع الأول لحماية الأمن الوطني وصون الاستقرار، فيما يعكس الالتزام بالمصادر الرسمية والتحقق من المعلومات وعي المجتمع العُماني وحرصه على حماية مقدّرات الوطن.

محمود السعيدي

محرر صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *