الأسرة العُمانية في ظل التحولات الاجتماعية والرقمية

تُعد الأسرة النواة الأساسية للمجتمع، والمؤسسة الاجتماعية الأولى التي تُسهم في بناء الإنسان وتشكيل منظومته القيمية والثقافية، وهي الركيزة التي يستند إليها تماسك المجتمع واستقراره واستدامة هويته الوطنية. إذ تؤدي الأسرة دورًا محوريا في إعداد أفراد قادرين على المشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية الشاملة ومن خلال قيامها بوظائفها التربوية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث تكون قادرة على المساهمة في تحقيق أهداف الدولة وتطلعاتها المستقبلية.

لذا فإن قدرة الأسرة على أداء وظائفها بكفاءة تنعكس إيجابًا على المجتمع من خلال تعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ قيم المواطنة، وبناء رأس مال بشري يمتلك الكفاءة والوعي والمسؤولية. وإن أي خلل يطرأ على بنيتها أو يحدّ من قدرتها على أداء أدوارها الأساسية قد يؤدي إلى انعكاسات اجتماعية وثقافية عميقة، تتمثل في ضعف منظومة القيم، وتراجع التماسك المجتمعي، وتآكل بعض مقومات الهوية الوطنية، بما يؤثر في قدرة المجتمع على التكيف مع المتغيرات المتسارعة والتفاعل الإيجابي مع العالم مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية.

إلا أن المجتمع العُماني شهد خلال العقود الماضية تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية متسارعة، انعكست بصورة مباشرة على بنية الأسرة ووظائفها التقليدية، وقد أدت هذه التحولات إلى عددً من التحديات الأسرية، من أبرزها ارتفاع معدلات الطلاق، وتزايد حالات التفكك الأسري، وما يترتب عليها من آثار في استقرار الأطفال وتنشئتهم. كما شهدت الأسرة تغيرًا في توزيع الأدوار والمسؤوليات التربوية، الأمر الذي أثر في قدرتها على غرس القيم وتعزيز الهوية الوطنية والمحافظة على السمت العماني لدى الأبناء.

كما أسهم الانتقال التدريجي من نمط الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية في تقليص شبكات الدعم الاجتماعي داخل الأسرة، وجعلها أكثر تأثرًا بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. كما فرضت مشاركة المرأة في سوق العمل، إلى جانب الضغوط الاقتصادية ومتطلبات الحياة المعاصرة، واقعًا جديدًا استدعى إعادة توزيع الأدوار الأسرية، وألقى بمزيد من التحديات على قدرة الأسرة في أداء وظائفها التربوية والاجتماعية.

وإلى جانب هذه التحولات برز الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي بوصفهما من أكثر المتغيرات تأثيرًا في الأسرة العُمانية، إذ لم يقتصر أثرهما على تغيير أنماط التواصل والتفاعل بين أفراد الأسرة، بل امتد إلى إعادة تشكيل منظومة العلاقات الأسرية وأدوارها التربوية والاجتماعية، إذ أسهم الاستخدام المكثف للتقنيات الرقمية في تراجع التواصل الأسري المباشر، وزيادة مظاهر العزلة الاجتماعية داخل المنزل، الأمر الذي انعكس على قدرة الأسرة في ممارسة دورها في التنشئة الاجتماعية والتوجيه القيمي للأبناء.

كما أفرزت البيئة الرقمية تحديات جديدة لم تكن موجودة في السابق، من بينها تعرض أفراد الأسرة للابتزاز الإلكتروني والاحتيال الرقمي، إلى جانب التأثر بالمحتوى غير المنضبط والسعي وراء الشهرة الرقمية على حساب الخصوصية الأسرية والقيم الأخلاقية والضوابط الاجتماعية، وتشير هذه التحولات إلى أن التحديات التي تواجه الأسرة العُمانية لم تعد تقتصر على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية التقليدية، وإنما امتدت إلى الفضاء الرقمي الذي أصبح أحد العوامل الرئيسة المؤثرة في استقرار الأسرة، وتماسكها، وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية في التنشئة وبناء الهوية الوطنية.

وإذا ما نُظر إلى هذه التحولات من المنظور السوسيولوجي، فإن ما يشهده المجتمع العُماني اليوم لا يمثل سوى مرحلة من مراحل التغير الاجتماعي المستمر، إذ إن التحولات المجتمعية لا تحدث بصورة مفاجئة، وإنما تتراكم تدريجيًا عبر الزمن، ولا تظهر آثارها العميقة إلا بعد مرور سنوات. وغالبًا ما تكون المؤشرات الأولى لهذه التحولات محدودة الملاحظة، ولا يدرك دلالاتها إلا المتخصصون في الدراسات الاجتماعية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى من القضايا المجتمعية التي تتطلب تدخلات وسياسات أكثر تعقيدًا وكلفة.

وعلى الرغم من أن الأسرة العُمانية لا تزال تحتفظ بكثير من مقومات التماسك الاجتماعي والقيمي، فإن تسارع وتيرة التحولات في مجتمع يتميز بخصوصيته الثقافية والديموغرافية يستدعي التعامل معها بمنظور استباقي، يقوم على الرصد العلمي، وتعزيز دور الأسرة، وتطوير السياسات والبرامج الوقائية، بما يضمن الحفاظ على استقرارها وتمكينها من التكيف مع المتغيرات المعاصرة دون الإخلال بوظائفها الأساسية وهويتها الوطنية.

وفي ضوء هذه المؤشرات، ظهر إدراك وطني بأهمية رصد التحولات التي تشهدها الأسرة العُمانية ودراستها دراسة علمية ومنهجية، بما يُسهم في فهم أبعادها وآثارها المستقبلية، لذا جاءت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – بشأن دراسة واقع الأسرة العُمانية، انطلاقًا من رؤية استشرافية تستهدف الوقوف على طبيعة التحولات الاجتماعية التي تمر بها الأسرة، وتشخيص التحديات الناشئة، وبناء سياسات وبرامج تستند إلى الأدلة العلمية للحفاظ على تماسك الأسرة وتعزيز قدرتها على مواكبة المتغيرات، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.

وانطلاقًا من هذه الرؤية شكلنا فريق علمي متخصص لإجراء دراسة سوسيولوجية شاملة لواقع الأسرة والطفولة في سلطنة عُمان، بهدف تحليل التحولات التي شهدها المجتمع العُماني، ورصد انعكاساتها على بنية الأسرة ووظائفها وأنماط العلاقات داخلها. وقد أثمرت هذه الجهود إصدار كتاب علمي متخصص قدّم قراءة سوسيولوجية معمقة لهذه التحولات، مستندًا إلى الأدلة والبيانات والتحليل العلمي، بما أتاح فهمًا أكثر شمولًا للفرص والتحديات التي تواجه الأسرة العُمانية في ظل المتغيرات المعاصرة.

وركزت الدراسة على تحليل أثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرقمية في الأسرة، واستشراف انعكاساتها المستقبلية على التنشئة الاجتماعية والهوية الوطنية والتماسك الأسري، كما خلصت إلى مجموعة من التوصيات التي أكدت أهمية تبني سياسات وطنية استباقية، وتعزيز برامج دعم الأسرة، وتمكينها من أداء وظائفها التربوية والاجتماعية، وتطوير منظومة الحماية الاجتماعية والوعي المجتمعي بما يضمن المحافظة على استقرار الأسرة وتعزيز دورها في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *