قراءة في الخطاب السامي لجلالة السلطان المعظم أمام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)

حين تتحدث الدول من على المنابر الدولية، فإنها لا تكتفي بعرض موقفها السياسية، بل تكشف عن فلسفتها في فهم العالم ورؤيتها لمستقبل العلاقات بين الأمم، لذا لا يمكن قراءة الزيارة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- إلى الجمهورية الفرنسية بوصفها زيارة ثنائية تقليدية، مهما تضمنت من نتائج سياسية واقتصادية وتجارية وثقافية، وإنما باعتبارها محطة استراتيجية عكست الحضور العماني في مرحلة دولية وإقليمية تتسم بالتعقيد الغير مسبوق، تتشابك فيها الأزمات، وتتراجع فيها الثقة الدولية بالنظام العالمي.

القيمة الأعمق لهذه الزيارة في الرسالة الفكرية والحضارية التي حملها الخطاب السامي لجلالة السلطان المعظم أمام منظمة اليونسكو، والذي يمكن اعتباره النص المرجعي لفهم فلسفة السياسة الخارجية العُمانية، فعلى منبر اليونسكو، لم يكن جلالة السلطان يخاطب منظمة ثقافية دولية فحسب، وإنما يخاطب العالم بلغة مختلفة، تعتمد على الإرث الحضاري العُماني، وتستشرف مستقبلاً تبنى فيه العلاقات الدولية على المعرفة والثقافة والحوار، لا على الصراعات والاختلافات، لذا فإن قراءة هذا الخطاب تتجاوز حدود البلاغة السياسية، لتكشف عن منظومة فكرية متكاملة ترى أن الإنسان هو العامل الأساسي لبناء السلام، وأن الثقافة وليست نشاطًا هامشيًا في العلاقات الدولية، بل أحد أعمدة الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة، لذا تسعى هذه القراءة إلى استكشاف الدلالات السياسية والحضارية للخطاب، بوصفه معبرًا عن الرؤية العُمانية في عالم يشهد تحولات متسارعة، والتي نستعرضه وفق الآتي:

أولاً: الدبلوماسية الثقافية ركيزة للسلام

لم يكن استهلال جلالة السلطان هيثم بن طارق -أعزه الله- خطابه بالإشادة بمنظمة اليونسكو مجاملةً دبلوماسية، بل كان مدخلًا فكريًا لفهم الرؤية العُمانية للعلاقات الدولية، فعندما وصف اليونسكو بأنها أحد أهم أعمدة السلام العالمي وبناء الجسور بين الثقافات، كان يؤكد أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، وإنما يبدأ من الثقافة والمعرفة والتعليم والحوار بين الحضارات. لذا قدّم جلالته رؤية تتجاوز المفهوم التقليدي للدبلوماسية، لتضع القوة الناعمة في صميم صناعة الأمن والاستقرار، وتجعل من خدمة الإنسانية واحترام التنوع الثقافي أساسًا لبناء نظام دولي أكثر توازنًا واستدامة “وإنه لَمِن دواعي الاعتزازِ أن نكونَ اليومَ في رحابِ هذه المُنظّمةِ العريقةِ، التي شكّلتْ عبْرَ تاريخِهَا الطويلِ أحدَ أهمِّ أعمدةِ السّلامِ العالميّ”

ثانيًا: الدبلوماسية العُمانية وصناعة السلام

يؤكد الخطاب السامي أن الرؤية العمانية للسلام العالمي تنطلق من الإيمان الراسخ بأن الأمن والاستقرار لا تحقق على موازين القوى وحدها، وإنما على ترسيخ المبادئ والقيم الإنسانية المشتركة، بوصفها الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليها العلاقات الدولية، لذا تبرز أهمية دعم المنظمات الدولية، وفي مقدمتها اليونسكو، لتمكينها من أداء رسالتها في تعزيز القيم وترسيخها على المستوى العالمي، “تأتي زيارتُنا هذه تجسيدًا للنّهجِ الثّابتِ لسلطنةِ عُمانَ في دعمِ المنظومةِ الدّولية، وتفعيلِ دورِ المُنظّمةِ في ترسيخِ المبادئِ والقيمِ الإنسانيةِّ المُشتركة”.

كما يؤكد الخطاب أن تحقيق السلام المستدام مسؤولية جماعية تتطلب شراكة استراتيجية مع المجتمع الدولي، تقوم على تعزيز الحوار بين الحضارات، وتكريس ثقافة التفاهم والتعايش بين الشعوب، باعتبارها السبيل الأكثر فاعلية لبناء الثقة، والحد من الصراعات، وتعزيز الاستقرار الدولي، وفي ذلك تقدم سلطنة عُمان رؤية حضارية ترى في التنوع الثقافي مصدرًا للتكامل لا للتنازع، وتجعل من الحوار والتعاون الإنساني أساسًا لبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

ثالثًا: عُمان واليونسكو.. شراكة حضارية

أكد جلالته أن دعم سلطنة عمان لرسالة اليونسكو منذ انضمامها عام 1972، يأتي إيمان منها بأن صون التراث وتعزيز المعرفة والاستثمار في الإنسان ركائز أساسية لبناء المستقبل، وتبرز في هذا السياق رؤية عُمان التي تنظر إلى التراث الثقافي باعتباره مورداً حضاريًا واستراتيجيًا، فصون الهوية الوطنية، والحفاظ على الموروث الحضاري، تمثل جميعها أدوات لتعزيز الحوار الحضاري، وترسيخ الانتماء الوطني، والاسهام في بناء ذاكرة إنسانية مشتركة، “تُواصِلُ سلطنةُ عُمانَ إسهامَها الفاعلَ في دعمِ رسالةِ اليُونسكو وأهدافِها مُنذُ انضمامِها إلى هذه المُنظّمةِ في عامِ 1972م، انطلاقًا من إيمانِها بأن صونَ التّراثِ وتعزيزَ المعرفةِ والاستثمارَ في الإنسانِ ركائزُ أساسيّةٌ لبناءِ المُستقبل”.

كما يعكس استحضار تسجيل المواقع الثقافية والشخصيات العمانية والاحداث التاريخية ذات الأثر العالمي، رسالة أن الحضارة العُمانية كانت ولا تزال جزء من مسيرة الحضارة الإنسانية، وان حضورها في منصات الاعتراف العالمي لا يهدف إلى توثيق الماضي فحسب، بل إلى توظيف هذا الإرث الحضاري في تعزيز التفاهم بين الشعوب، وإبراز الدور التاريخي لعمان بوصفها جسرًا للتواصل والسلام العالمي.

رابعًا: جائزةِ اليُونسكو – السُّلطانِ هيثم للتّراثِ الثّقافيِّ غيرِ المادي

إعلان جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- عن “جائزة اليونسكو- السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي” منعطفًا مهمًا في مسار الدبلوماسية الثقافية العُمانية، إي ينتقل الخطاب من تأكيد المبادئ والرؤى إلى تقديم مبادرة عالمية، تُمثل حضورًا عمانيًا كشريك في صوة التراث الحي بوصفة ذاكرة إنسانية مشتركة وجسرًا للحوار والتفاهم بين الشعوب.

فإن هذا الإعلان لا يمثل مجرد مبادرة رمزية، بل يجسد رؤية استراتيجية ترى في الثقافة والتراث أداةً من أدوات القوة الحضارية الناعمة، ووسيلة لتعزيز الحوار بين الحضارات وترسيخ ثقافة التفاهم والتعايش، بما يسهم في بناء عالم أكثر استقرارًا وتوازنًا وإنسانية.

خامسًا: مرتكزات الرؤية العمانية لمستقبل الإنسانية

يؤكد الخطاب السامي أن الرؤية العُمانية لا تنحصر في صون التراث أو تعزيز الحوار الحضاري، بل تمتد إلى الإسهام في معالجة التحديات العالمية التي ستحدد مستقبل الإنسانية، فقد قدّم جلالة السطان المعظم  تصورًا متكاملًا يقوم على الاستثمار في التعليم بوصفه المدخل لبناء الإنسان وتمكين الشباب من قيادة التنمية وترسيخ قيم الحوار والتفاهم، وربط ذلك بالتحول الرقمي من خلال الدعوة إلى ترسيخ الأطر الأخلاقية للذكاء الاصطناعي وصون حقوق الإنسان وتعزيز الوعي الإعلامي والمعلوماتي، “كما نُؤكّدُ الدّورَ المحوريَّ لليُونسكو في قيادةِ الجهودِ العالميةِ لتحقيقِ التّعليمِ الجيّدِ والشّامل، بما يُمكِّنُ الشبابَ من الإسهامِ الفاعلِ في التّنميةِ وترسيخِ قِيَمِ الحوارِ والتّفاهم، وتشجيعِ مُبادراتِهم الإبداعية، وتعزيزِ دورِهم في ريادةِ العملِ المجتمعي”.

كما أكد أن مواجهة التغير المناخي تمثل مسؤولية جماعية تتطلب شراكات دولية وحلولًا مبتكرة تحقق التوازن بين التنمية وحماية البيئة، مستعرضًا توجهات سلطنة عُمان نحو الحياد الصفري الكربوني والاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.

سادسًا: اليونسكو منصة للسلام العالمي

يختتم الخطاب السامي بتأكيد التزام سلطنة عُمان الراسخ بدعم رسالة اليونسكو، في رسالة تعكس أن العلاقة مع المنظمة ليست تعاونًا مؤسسيًا فحسب، وإنما شراكة استراتيجية تنسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي تجعل من الإنسان والمعرفة والثقافة والتنمية المستدامة ركائز أساسية لبناء المستقبل. ويؤكد هذا الطرح أن سلطنة عُمان تنظر إلى المؤسسات الدولية باعتبارها شريكًا رئيسيًا في مواجهة التحديات العالمية، وتعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ قيم التسامح والتفاهم بين الشعوب.

كما يعكس الخطاب رؤية عُمانية تؤمن بأن بناء عالم أكثر عدلًا وتوازنًا واستقرارًا يتطلب عملًا دوليًا مشتركًا، تتكامل فيه جهود الدول مع المنظمات الدولية في مجالات التربية والعلوم والثقافة والحوار، بوصفها أدوات استراتيجية لصناعة السلام المستدام وتحقيق التنمية الإنسانية. ومن ثم، فإن ختام الخطاب لا يمثل مجرد تأكيد لاستمرار التعاون مع اليونسكو، بل يجسد إعلانًا عن استمرار الدور العُماني كشريك فاعل في دعم النظام الدولي، والإسهام في بناء مستقبل يقوم على الحوار والتعاون واحترام القيم الإنسانية المشتركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *